الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-من آفات اللسان النذر لغير الله. 2- من آفات اللسان دعاء غير الله والحلف بغيره تعالى.
3-من آفات اللسان الفتوى بغير علم. 4- من آفات اللسان فضول الكلام. 5- من آفات اللسان
مقاطعة المتحدث.
أما بعد: عباد الله نواصل حديثنا معكم أيها الإخوة، عن هذا اللسان، الذي هو من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغير حجمه، عظيم طاعته وجرمه ثم إن هذا اللسان يا عباد الله، له خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لاتصل إلى غير الألوان والصور، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لاتصل إلى غير الأجسام وكذلك سائر الأعضاء
أما اللسان، فهو رحب الميدان، ليس له رد، ولا لمجاله حد، له في الخير مجال واسع، وله في الشر مجال أوسع، فمن أطلق أيها الإخوة للسانه العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ويكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة
ومن خصائص اللسان أيضًا أيها الإخوة أنه لا يتعب وليس هناك مشقة في تحريكه بخلاف سائر الأعضاء فإنها سريعًا ما تتعب، ولهذا فإنه أعظم آلة استخدمها الشيطان في إغواء الإنسان.
أيها المسلمون وقفنا معكم في الجمعة الماضية، مع أول آفة من آفات اللسان، وهي الشرك بالله تعالى وذكرنا منها صورتين، الكذب على الله تعالى وعلى رسوله، والحكم بغير ما أنزل الله.
ومن صور الشرك أيضًا عن طريق اللسان النذر لغير الله تعالى قال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ?للَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] ، وروى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من نذر أن يطيع لله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ) )ولله الحمد فإننا لا نشاهد في هذه البلاد الكثير من هذا النوع من الشرك وإن كان يوجد، وذلك بالنذر للأنبياء أو الأولياء أو الصالحين حتى اتخذوهم آلهة من دون الله تعالى وحتى أصبحت قبورهم مساجد، فإن كثيرًا من بلاد المسلمين تعم بها المصائب، وتجد التوجه إلى القبور بالذبح والنذر والدعاء حتى إنها أضحت في قلوبهم أعظم حرمة من بيوت الله عز وجل. والله المستعان.
ومن صور الشرك بالله تعالى أيضًا عن طريق اللسان، التوجه بالدعاء لغير الله تعالى، قال سبحانه: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ?للَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ?لظَّـ?لِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ ?للَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ [يونس:106، 107] ، وقال عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ?للَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ [الأحقاف:5] ، ومن صور الشرك بالله تعالى أيضًا عن طريق اللسان، الحلف بغير الله تعالى، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حلف بغير الله فقد أشرك ) )وعنه أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) )وهذا الأمر نسأل الله العافية منه، منتشر بين بعض المسلمين، أن ألسنتهم تعودت ذاك، فإنك تسمع الحلف بالنبي، وتسمع الحلف بالكعبة، ومنهم من يحلف بالأمانة، أو بالشرف، أو بحياة أبيه وأمه، أو بأحد أبنائه، وكل هذا يا عباد الله ألفاظ شركية، يقذفها هذا اللسان، شعر به صاحبه أم لم يشعر.ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها المسلمون، إذا كان هذا شأن الذي يحلف بغير الله، يقع في الشرك، فليس منه ببعيد ذلك الذي.يحلف بالله، وهو يعلم أنه كاذب في حلفه، جاء في حديث صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه في الأرض، وعنقه مثنية تحت العرش، وهو يقول: سبحانك ما أعظمك.فيرد عليه: لا يعلم ذلك من حلف بي كاذبًا ) ) [السلسلة الصحيحة (15) ] .
وجاء في حديث ابن مسعود المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه، لقي الله وهو عليه غضبان ) )قال: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: إِنَّ ?لَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ?للَّهِ وَأَيْمَـ?نِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَئِكَ لاَ خَلَـ?قَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ?للَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77] ، وروى مسلم في صحيحه، عن أبي أمامة أياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل، وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال وإن كان قضيبًا من أراك ) )هل رأيتم ـ يا عباد الله ـ الذي يحلف بالله كذبًا ولو على شيء يسير، وهو عود السواك، الذي في بعض الأحيان لا يكاد يساوي شيئًا، فإن جزاء هذا الحالف كاذبًا أن يوجب الله له النار. ويحرم عليه الجنة. كل هذا بسبب هذا اللسان.
عباد الله، الآفة الثانية من آفات اللسان، الفتوى بلا علم قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ?لْفَو?حِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَ?لإِثْمَ وَ?لْبَغْىَ بِغَيْرِ ?لْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِ?للَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـ?نًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] .
وهذه ـ يا عباد الله ـ آفة خطيرة، ترجع وبالها على المفتي وعلى المستفتي، المفتي يأخذ إثم الفتوى بلا علم، والمستفتي يزداد جهلًا على جهله، يقول عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم: (( إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) ).
وها نحن أيها الأخوة، نرى ونسمع، هذه الفتاوى العجيبة التي تشيع وتنتشر في المجتمع كانتشار النار في الهشيم
والعجيب في أمر الناس، أنهم يقبلون الفتوى في أمر الدين من أي شخص كان، لا يتحرون الورع والتقوى، فيمن يأخذون دينهم عنهم.
أسألكم أيها الأخوة، لو أن أحدكم أصيب بمرض ـ لا قدر الله ـ فهل يقبل الوصفة الطبية العلاجية المرضية من سباك أو من نجار، الجواب: لا، إن بعضكم من شدة حرصه، ومن شدة المحافظة على نفسه لا يثق حتى في الأطباء الموجودين في هذه البلاد، بل تجد البعض منكم لو أصيب بأي مرض، لسافر مباشرة وطلب العلاج في الخارج، حتى في الخارج تجده يسأل عن أفضل المستشفيات وعن أحسن الأطباء، هذا حال الناس بالنسبة لمرضى الأبدان.
أما حالهم بالنسبة لأمراض القلوب، وما يتعلق بالدين، فإن الغالبية من الناس لا يتحرون عمن يأخذون دينهم، كم شاهدت بنفسي أناسًا يعملون أمورًا تخالف شرع الله عز وجل، وإذا ما قمت تسأله عن مصدر هذا الفعل الذي يفعله، من أفتاك بهذا، تجده يقول لك: لقد سمعت الإذاعة الفلانية، أو قيل في المحطة الفلانية فهل كل من تكلم في الإذاعة كان أهلًا أن يفتي في شرع الله؟ وهل كل من ظهر على الشاشة في برنامج ديني، وصل إلى مرحلة تأهله بأن يفتي لعباد الله؟
فاتقوا الله أيها المسلمون، تأكدوا عمن تأخذون دينكم، لا تستفتوا إلا من تثقون بدينه وأمانته، فإن فتاوى الإذاعات والمحطات لا تسقط عنكم المسئولية أمام الله عز وجل، هذا بالنسبة لكم.
أما بالنسبة لنفس المفتي أو نفس المتحدث، فقد أوقعه لسانه في آفة خطيرة وهو القول على الله عز وجل بلا علم، ولقد قرأت مرة، أنه قد بلغ الأمر بخطيب أحد المساجد في الشارقة، أنه سأله شخصان يعملان في أعمال البناء والمقاولات، فسألوا هذا الخطيب عن بناء كنيسة، أي هل يجوز لنا أن نستلم مشروع بناء كنيسة فأجاب خطيبنا إن لم تجدا عملًا آخر غيره جاز، فإننا نسأل خطيبنا هذا، عن الأدلة التي استمد منها جوابه، أمن القرآن، أم من السنة، أم من أقوال الصحابة فإذا كانت هذه الأمور هي الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وأفتى خطيبنا هذا، مرة أخرى بجواز العمل والتوظيف في البنوك الربوية، محتجًا لقوله أنه إذا تخلى عنها المسلمون استولى عليها الكفرة والملحدون، وفي هذا ضعف للمسلمين وإذلال، فمن الواجب أن يستولي عليها المسلمون فتسأل شيخنا هذا أليس السعي لتقوية المسلمين وإعزازهم وحمايتهم من الضعف والذل والهوان واجب، فالجواب بالتأكيد: نعم، فنقول له: فالعمل في البنوك الربوية وإدارتها واجب على المسلمين، سبحان الله لماذا لم يفكر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا التفكير فيقوموا بهذا الواجب خير قيام أو ما كان الاقتصاد والمال والتجارة له دور فعال في حياتهم وكيف فعلت بقوله تعالى: فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] .
ثم نقول لك يا شيخ، هاهم المسلمون قد فتحوا البنوك الربوية في بلادهم، وهاهم قد تسلموا إدارتها فأين العزة والقوة والمنعة؟ وقد تسلمت إدارتها الكوادر الوطنية كما يقال وأين انحدار الكفرة والملاحدة؟
لكن الأمر على عكس ما تقول فكلما زاد المسلمون بعدًا عن منهج الله عز وجل وكلما زاد المسلمون مخالفة لتعاليم السماء كلما زادهم الله عز وجل ذلًا وهوانًا ونكوصًا على أعقابهم.
وهذا هو واقع المسلمين اليوم بين شعوب الأرض لا قيمة لهم، ولا حساب لهم ولا وزن كل يدفعهم برجله، فلْتنفعهم البنوك الربوية وغيرها من المخالفات الشرعية الواضحة فاتقوا الله أيها المسلمون.
أعيد عليكم مرة أخرى لا تقبلوا الفتاوى من كل من هبّ ودبّ.
وإن هناك عددًا ممن هم بارزون على الساحة أو قل أبرزوهم على الساحة فلو أراحنا الله عز وجل من فتاويهم، لكان حال الناس أفضل من هذا، عدد ممن تقلدوا مراكز الصدارة وهم الذين غالبًا ما يظهرون أمام الناس ولا تعرف الجماهير غيرهم، لما لعبه الإعلام من إبراز شخصياتهم للمجتمع، ومع الأسف هم الذين يديرون المجتمع في التحليل والتحريم.
فنسأل الله عز وجل أن يقينا شرهم وأن يجعلنا ممن يتحرون في دينهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله...
الحمد لله على إحسانه، والشكر على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى جنته ورضوانه، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وعلى أصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله، آفة ثالثة من آفات اللسان، وهي فضول الكلام والمقصود من فضول الكلام، أن يكون الرجل ثرثارًا يتكلم فيما يعنيه وما لا يعنيه، لكن غالب أحواله أنه يتكلم فيما لا يعنيه، وهذه صفة ذميمة في المرء، وآفة سيئة من آفات اللسان، فإنه كلما كان المرء صامتًا، ازداد وقارًا وهيبة عند الناس، وكلما أطلق الإنسان للسانه العنان كثرت زلاته وعثراته.
قال عطاء بن أبي رباح: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ماعدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لابد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين، كرامًا كاتبين عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17، 18] ، أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟
أيها المسلمون، لا يمكن أن نحصر فضول الكلام، لكن الكلام المهم هو المحصور قال الله تعالى: لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـ?حٍ بَيْنَ ?لنَّاسِ [النساء:114] .
فبين الله عز وجل أن غالب الكلام لا خير فيه: لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ والذي لا خير فيه العدول عنه أولى، لكنه استثنى سبحانه وتعالى عددًا من الكلام فقال: إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـ?حٍ بَيْنَ ?لنَّاسِ ، فهذه التي فيها خير، وغيرها لا خير فيها.
فاتقوا الله أيها المسلمون، لا يكن أحدكم كثير كلام قليل الأفعال، لا تتكلموا ـ أيها الإخوة ـ إلا فيما يعنيكم، فإن فضول الكلام عيب في الرجل، ولهذا من الحكمة أخي المسلم، أن تسمع ضعف ما تتكلم، فإن الله قد خلق لك أذنان وخلق لك لسانًا واحدًا فلا يكن كلامك أكثر من سماعك، بل لابد أن تسمع فوق ما تتكلم وإلا فلن تنجو من آفة فضول الكلام.
أيها المسلمون، آفه رابعة من عثرات هذا اللسان وسقطاته، وهي مقاطعة الكلام
فإن من الآداب الإسلامية أيها الإخوة أن يستمع المسلم لأخيه، حتى ينتهي من كلامه، وإن كان المتحدث يخالفك في الرأي فإذا ما انتهى من كلامه، تحدث الآخر ما شاء الله له أن يتحدث، أما ما يحصل من بعض الناس هداهم الله، وهذا يدل على سوء أدب في الكلام، وهو أنك تجد الرجل يتحدث فما إن يسمع الطرف الآخر شيئًا لم يصح عنده حتى قاطعه وبدأ هو في الكلام. إن هذا التصرف أيها الإخوة لا يأتي بخير، وفيه سوء أدب مع الآخرين إضافة إلى أنه آفة من آفات اللسان، إن المقصود من الحديث والكلام والنقاش أيها الإخوة هو التوصل للحق أو حل نزاع أو فض خلاف، ولكن مقاطعة الكلام لا تزيد النزاع إلا نزاعًا، ولا الإشكال إلا إشكالًا، جاء في الحديث الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أحدًا من أصحابه فتناول أذنه ناوله إياها، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل مع أصحابه رضي الله عنهم، يناوله أذنه لأحدهم، وهذا يعني أنه كان يصغي السمع ثم لا ينزعها، ليقاطع المتكلم، حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه أي هو الذي يسكت ثم يبدأ عليه الصلاة والسلام في الكلام.
ولا خلاف أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل وأجدى وأنفع من كلام غيره كلامه عليه الصلاة والسلام، أحسن وأصح ومقدم على كل كلام سوى كلام الله، ومع هذا لم يكن صلى الله عليه وسلم يقاطع أصحابه، وهو كما قال الله تعالى عنه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ?لْهَوَى? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? [النجم:3، 4] .
أيها المسلمون، إن سلبيات مقاطعة الكلام كثيرة، لكن تكفيك سلبية عدم وصول الحق لكثير من المتكلمين والمتحاورين، ذلك لأن كلًا منهما، ربما يشعر أنه يحمل من الحجج والبراهين الساطعة، فيما لو قدر أن بينها لكان الحق معه ناصعًا.
وبهذه المقاطعة ـ أيها الإخوة ـ تقل الفائدة وتضيع الأوقات إضافة لما قد يحصل من المخالفات الشرعية.
عباد الله، تنبهوا لمثل هذه الأمور حافظوا على ألسنتكم، لا تحرقوا هذه الحسنات التي تتعبون في جمعها عن طريق اللسان، لا تتساهلوا في مثل هذه القضايا، فليحاول كل منكم أن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، ولا يتكلم إلا في المهم، فإن إطلاق اللسان والثرثرة كما ذكرت لكم ليست من صفات عباد الله المؤمنين.
لا تغتروا بأوضاع غالب مجالس الناس، اليوم تحضر مجالس العامة ترى الجلوس بالساعات الطوال، وأطنان من الكلمات تخرج لو وزنتها وجدت أن غالبها لا ينفع، إذا لم يكن مشتملًا على الغيبة والنميمة.
ثم تجد سوء الأدب في الحديث، يقاطع بعضهم بعضًا، لا أحد يحترم كلام الآخر إلا من رحم ربي، وإذا قدر لكم حضور بعض هذه المجالس فلا تنسوا في نهاية المجلس ذكر كفارة المجلس، عسى الله عز وجل أن يمحو عنكم ما قد يكتبه الملكان عليكم.
ثم اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.