فقه
الصلاة
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-فضل الدنو من الخطيب يوم الجمعة. 2- وجوب الإنصات لخطبة الجمعة. 3- التحذير من اللغو يوم الجمعة.
إخوة الإسلام، ادنوا من الإمام واقتربوا، فلو أنَّكم تعلمون ما في الدنوِّ من الإمام من الأجر والثواب ومن الكرامة والفضيلة في الجنَّة لما ألجأتموني إلى أمري لكم بالدنوّ في كلِّ مرَّة، فاسمعوا ماذا قال نبيُّكم في شأن الدنوِّ والاقتراب من الإمام.
عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) )رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث:"حسن"والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه.
الله أكبر، فلك بالدنوِّ وما ذكر معه أجر صيام سنة كلِّها وأجر قيام لياليها بالصلاة.
بل وأعظم من ذلك ما ذكر سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( احضروا الجمعة وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل ليكون من أهل الجنة فيتأخر عن الجمعة فيؤخّر عن الجنة، وإنه لمن أهلها ) )رواه الطبراني.
ويُذكر في الأثر عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: (رابع أربعة، وما رابع أربعة من الله ببعيد، إنَّ الناس يجلسون يوم القيامة من الله عز وجل على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأوَّل ثمَّ الثاني ثمَّ الثالث ثمَّ الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد) .
أما بعد: فما زلت ـ إخوة الإسلام ـ أحدِّثكم عن وظائف يوم الجمعة، وقد ذكرت لكم منها فيما مضى عشر وظائف.
فالوظيفة الحادية عشر: الدنوُّ من الإمام، وهي الوظيفة التي صدَّرت بها هذه الخطبة.
ومن أهمِّ ما يتعلَّق بحضور خطبة الجمعة بعد الدنوِّ والاقتراب من الإمام: الإنصات والاستماع إليه بقلب حاضر وأذن صاغية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا ) )رواه مسلم وغيره.
وفي حديث سلمان المتقدِّم عن النبيِّ ، وقال فيه: (( ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) )رواه البخاري والنسائي، وفي رواية للنسائي: (( وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة ) ).
وتقدَّم أيضًا حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه عن رسول الله وفيه: (( ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) )رواه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه.
وإذا نعس أحدكم في أثناء الخطبة فلتحوَّل من مجلسه ذاك إلى مجلس آخر لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والحاكم وغيرهم عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (( إذا نعَس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحوَّل من مجلسه ذلك إلى غيره ) ).
والله أسأل لي ولكم السداد والمغفرة والمعافاة في الدنيا والآخرة.
13-ويتعلَّق بالإنصات أيضًا قطع الكلام وترك اللغو، فإنَّ الكلام في أثناء الخطبة وعدمَ الإنصات يبطل الجمعة، لا يبطل الصلاة، ولكن يُذهب أجر الجمعة كلَّه، فتصير في حقِّه ظهرًا، ويُحرم من الأجور العظيمة التي يفوز بها أهل الجمعة ممَّا طوَّلت في شرحه وبيانه. وقد تقدَّم من الأحاديث ما يدلُّ على ذلك.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا ) )رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه.
وقد ذكرت لكم من قبل حديث النبيِّ: (( يحضر الجمعة ثلاثة نفر فرجل حضرها يلغو، فذلك حظه منها... ) )الحديث.
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي يخطب فجلست قريبا من أبي بن كعب، فقرأ النبي سورة براءة فقلت لأبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ـ أي: نظر إلي نظر المغضب المنكر ـ ولم يكلّمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي قلت لأبي: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني! قال أبيُّ: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهبت إلى النبي فقلت: يا نبي الله، كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فقلت له: متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، قال النبي: (( صدق أبي ) ).
وعن جابر أيضا رضي الله عنه قال: دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المسجد والنبي يخطب، وجلس إلى جنب أبي بن كعب، فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يردّ عليه أبيّ، فظن ابن مسعود أنها موجدة، فلما انفتل النبي من صلاته قال ابن مسعود: يا أبي، ما منعك أن ترد علي؟! قال: إنك لم تصلّ الجمعة، قال: لم؟ قال: تكلمت والنبي يخطب، فقام ابن مسعود فدخل على النبي فذكر ذلك له، فقال رسول الله: (( صدق أبي، صدق أبي، أطع أبيّا ) )رواه أبو يعلى بإسناد جيد وابن حبان في صحيحه.
وقد انتفع ابن مسعود بهذه الطاعة، فكان من فقهه بعد ذلك أن قال رضي الله عنه: (كفى لغوا أن تقول لصاحبك: أنصت إذا خرج الإمام في الجمعة) رواه الطبراني في الكبير موقوفا بإسناد صحيح.
وهذا الذي قاله ابن مسعود تفقُّهًا ببركة الطاعة للصحابة قد صحَّ مرفوعًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ) )رواه البخاري ومسلم، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: (( إذا تكلمت يوم الجمعة فقد لغوت وألغيت ) )يعني والإمام يخطب. وقوله: (( لغوت ) )معناه خبت من الأجر وبطلت فضيلة جمعتك وصارت جمعتك في حقِّك ظهرًا.
هذا ما تسمعون، والله يغفر لي ولكم، ويرحمني وإياكم.