فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 5777

الخلوف

غير محدد

غير محدد

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

"مشروعية الرد على المخطئ - شروط ذلك - نصائح للشباب: القصد من التعلم - أدب العلم توقير العلماء - البعد عن الخصومات والجدال - أخذ العلم عن أهله - شر الخلوف وخطرهم"

أما بعد:

فقد يقول قائل بعد سماعه لما بيناه في الخطبة الماضية أنت إذن لا ترى أن يرد أحد على أحد إذا أخطأ في شيء من مسائل العلم والدين والفقه وألا يبين ما وقع فيه العلماء السابقون واللاحقون من البدع وأن لا يشتغل ببيان الحق أو إنكار المنكر ولا رد الشبهات ولا تقييد الضلالات. فالجواب عن ذلك أن كل هذا مطلوب شرعًا ولكنه من واجبات أهل العلم والفقه وما دخل الخلوف في ذلك لا شان بهم بشيء من ذلك، لا يجوز للخلوف أن يتكلموا في شيء من المشكلات الشائكة التي تضل عنها الأفهام وتزل عندها الأقدام. ولا يجوز للصغار أن يتكلموا في مسائل الكبار والتي تحتاج إلى بصيرة بالعلم والفقه وإلى بصيرة بالأصول والفروع وبالأدلة والأحكام وإلى قدرة الاستنباط وقدرة على تطبيق ذلك على الواقع وهذا لا يتوفر في علم الصغار فالواجب عليهم أن يردوا الأمر إلى الكبار إلى أهل العلم وأهل الفقه. ونحن إنما نقصد المسائل المعضلات التي لا يدرك الحق فيها كل أحد. وأما المسائل الواضحات أو المنكرات الظاهرات أو البيوع المعلومات فلابد من تحذير الناس منها ومن كل أحد يبلغ في ذلك بحسب علمه أن يبلغ حسب ما يعلم.

وأن ننصح الشباب شباب الصحوة اليوم. الشباب المقبل على التعلم والتفقه في الدين بأن يحذروا من الآفات والعراقيل التي تجحف بهم.

هم في طريق التعلم. إن طريق العلم آخره الجنة كما أخبرنا بذلك الصادق الأمين محفوف بالمخاطر وبالمزالق والعوائق.

فأولا يجب على الشباب وعلى كل متعلم أن يتذكر أن المقصود من التعلم هو تصحيح العبادات وتصحيح المعاملات في حياة الناس وتصحيح العقائد حتى يلقى المسلم ربه بعقيدة سليمة وبعمل صحيح ولذلك ننادي دائمًا ونقول إن على الشباب بل على كل مسلم يتعلم أمور دينه أول ما يبدأ يتعلم الفقه والتوحيد ولكن الخلوف اليوم اشتغلوا بعلوم الاجتهاد وهم بعد لم يفقهوا هذين العلمين الضروريين الواجبين وهذا من علامات سوء المقصد وفساد النبت وأنه إنما يفعل ذلك من يريد الشهرة ويطلب الرئاسات العلمية.

ثانيًا: على الشباب وعلى كل متعلم أن يتعلم أدب العلم كما يتعلم العلم وأن يلزم توقير العلماء والأئمة من الواجبات الشرعية التي يؤاخذ بها ويأثم من أخل بها. قال سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم: (( ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ) )وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه أمسك الركاب عند قدمي زيد فقال له زيد: تنحي يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس أمسك الركاب احترامًا وتقديرًا وتبجيلًا لزيد وزيد قال له: تنحى يا بن عم رسول الله كره أن يراه في هذا الموقف تعظيمًا لصلته برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: لا بل كذلك نفعل بالعلماء وظل رضي الله عن الجميع واقفًا عند زيد ممسكًا بالركاب. هذا هو أدب الخلوف وما ينتدي له الجبين. يقعون في أعراض العلماء ويسارعون إلى الطعن فيهم ويقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة لا يرعون مؤمن ولا عالم إلًا ولا ذمة. وإن تعجب فعجب وقوعهم وهجومهم على علماء التوحيد باسم التوحيد ويكذبون على أنفسهم وعلى الناس. يدعون أن هذا من منهج السلف وهذا والله ليس من منهج السلف لقد كذبوا على أنفسهم وعلى الناس.

ثالثًا: يجب على الشباب وعلى كل متعلم ألا يشغل نفسه بالمعضلات أثناء التعلم ولا بالمسائل الغريبات. ولا يجوز له الاشتغال بالشبهات ولا ترك الأعمار والأوقات في الجدل والخصومات فإن النفس إذا استسلم لها المتعلم لها شغف بكل ذلك وميل إليه وقد كان السلف يحذرون من ذلك كله أشد التحذير وينهون المتعلمين منه وليس أضر على طالب العلم من شهوة الجدل فإن الجدل والخصومة في مسائل العلم والدين قد يجر إلي الكفر والعياذ بالله أو أنه يجر إلى الشحناء والبغضاء والعداوة فهدا أمر واضح جلي لا شك فيه عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال في تفسير قوله تعالى: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء قال: الخصومات والجدال في الدين، وعن بكر بن نصر رحمه الله قال: لما سئل الإمام العظيم وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله عن قتال يوم صفين فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي لا ألطخ بها لساني. فانظر أدب السلف في مثل هذه المعضلات وكنا نرى اليوم أولئك الخلوف وهم شرذمة قليلون لا يكدرون.

صفو شباب الصفوة المقبلين على التعلم والتفقه في الدين وإنما يكدرون على أنفسهم فحسب. نري أولئك الخلوف شغلوا أنفسهم وشغلوا الناس بالجدل والخصومات. فأرسلوا وسلوا ألسنة حدادًا شدادًا بغير شفقة ولا رحمة على المؤمنين بل حتى على أهل التوحيد وهذا وإليه شر مستطير له ما وراءه لأنه أسلوب يغرس العداوة والبغضاء بين المؤمنين وبين طلبة العلم على وجه الخصوص. وربما أدي إلى الوقيعة بين بعض أهل العلم إنه أسلوب يشقق صوت المؤمنين ويؤلب بعضهم على بعض.

رابعًا: على كل متعلم وعلى الشباب على وجه الخصوص أن يتلقوا العلم عن أهله ويأخذوه عن أكابر أهل العلم ما استطاعوا إلي ذلك سبيلًا ولا يلجأوا إلي الأصاغر إلا عند الضرورة ولكن عليهم أن يحذروا كل الحذر من الموسوسين والمشبوهين والمجهولين وأدعياء العلم فإن هؤلاء لا يقودون المتعلم إلا إلى الهلاك والضلال، وليعلم الجميع أنه ليس من منهج السلف أن يكون مجتمع الشباب ليس لهم رأس في العلم يزعمون أنهم يتفقهون في الدين. دخل أحد السلف جامعًا فوجد جماعة متخلفين فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يتفقهون قال: هل لهم رأس؟ أي هل معهم شيخ من أهل العلم والفقه يعلمهم. قالوا: لا، قال: إذن والله لا يفقهون أبدًا فالتعلم بدون رؤوس في العلم يقودون الشباب يقودون المتعلمين إلى العلم الصحيح ويبينون لهم مسائل العلم وغوامضه ويكشفون لهم أسراره ويرشدونهم عند المسلمات ويوجهونهم عند المشكلات. التعلم بدون هذا خطر عظيم وعواقبه جسيمة. فعلينا أن نلوم رؤوسنا في العلم.

ورؤوسنا في العلم هم العلماء والربانيون المعروفون بالعلم وبالأمانة وبالتقوى والورع وقول الحق. لا يخافون في الله لومة لائم فهؤلاء هم رؤوسنا في العلم وهم أولوا الأمر فينا في العلم وتجب علينا طاعتهم وملازمتهم وأخذ العلم عنهم أو عن من يزكونه من غيرهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا.

أما بعد:

فمن الحقائق التي يجب أن ندركها جميعًا ويجب على الشباب المتعلم على وجه الخصوص أن يتنبهوا إليها أن أكابر أهل العلم والأئمة في هذه الأمة مختلفون فيما بينهم في وسائل العلم والفقه في الدين ويتناظرون ويرد بعضهم على بعض ولا يفسد ذلك للود فيما بينهم قضية ولا يضر اختلافهم هذا ولا يضر الأمة شيئًا لأنهم إنما يختلفون بأدب ولا يخرجون في اختلافهم عن الأصول والضوابط الشرعية فإن الاختلاف في مسائل العلم ومسائل الدين والفقه لها أصولها وآدابها والمناظرات لها ضوابطها والعلماء المجتهدون أهل الاستنباط الذين لهم بصيرة بأصول الدين وفروعه وأدلته وأحكامه يختلفون ولا يضر اختلافهم الأمة بل يفيدها فاختلاف العلماء المجتهدين رحمة ونعمة بينما اختلاف الجهال كارثة ونقمة لأن الجهال ليس فقط إذا اختلفوا في مسائل العلم بل إذا تكلموا في مسائل العلم فإنهم يفسدون.

لأنهم يقولون ما لا يعلمون ويتكلمون بغير بصيرة ويختلفون بلا أدب ولذلك غالبًا ما يؤدي اختلاف الجهال واختلاف المبتدئين وأرباع المتعلمين وأنصاف المتعلمين غالبًا ما يؤدي إلى التنازع والتشاحن والبغضاء وأن يرمي بعضهم بعضًا.

أما العلماء المجتهدون فإنهم لبصرهم بهذا الدين وخبرتهم بالعلم والفقه فإنهم يختلفون ويكون اختلافهم مصلحة ومنفعة للأمة ولذلك أمر ربنا عز وجل بأن نرد المسائل والمشكلات إلى علمائنا.

فقال سبحانه وتعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطوه منهم فأولي الأمر في هذه الآية المراد منهم العلماء وخصت الآية منهم طبقة عالية رفيعة هم الراسخون في العلم وصفتهم بأنهم أهل الاستنباط الذين يستنبطون منهم وهؤلاء هم الفقهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت