الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, الولاء والبراء, مساوئ الأخلاق
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-العز والمجد في التمسك بالدين. 2- حال العرب قبل الإسلام. 3- إثارة الأعداء للنعرات العرقية بين المسلمين. 4- النهي عن المفاخرة بالأنساب. 5- فضائل البربر وبيان بعض علمائهم. 6- فضل العرب.
قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] .
أيُّها المسلمون، لقد أعزَّنا الله بالإسلام، وبالإسلام فقط، لا بلسان ولا بلهجة، ولا بلون ولا بجنس، ولا بعِرق ولا بنسب، ولا بإقليم ولا بوطن ولا بقوم، وإنَّه من ابتغى العزة في غير الإسلام فإنَّ الذلّ والصغار مآله ولا بد. وكيف يقدّس الله أمَّة أنعم عليها بعزة الإسلام فنبذته وراء ظهرها، وتطلَّبت العزة والشرف في غيره؟! تارة في تقليد ملَّتَي الغضب والضلالة من اليهود والنصارى، حتَّى لو دخلوا جحر ضب اتبعوهم، وتارةً ينبِّشون في مقبرة التاريخ لعلَّهم يجدون عظْمة عظيم ينتسبون إليه ويتمجَّدون به. يتمجَّدون بالأسلاف، لا بأسلاف الإسلام ولكن بأسلاف الجاهلية. وإن كان أولئك الأسلاف في غاية من الجهل والضلالة، عساهم يكتسون لباس العظمة والمجد والشرف بذلك، كما هو شأن أهل الجاهلية سواء بسواء.
فيا للغباوة، إنَّ المجد والعظمة لا تكتَسَب بالانتساب إلى العظماء، فكيف بالانتساب إلى أهل الجاهليَّة الذين حرموا نعمة الإسلام، ولم ينعموا بعزَّته وعظمته ومجده؟!
فالعزة والمجد والعظمة لمن تمسَّك بالإسلام، والذلُّ والمهانة والمسكنة والصغار على من أبى الإسلام بعد أن أنعم الله به عليه.
فقد روى الحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفَّيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفَّيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: (أوَّه! لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمَّة محمَّد ، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّ بغير ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله) ، وفي رواية: يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟! فقال عمر: (إنا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزَّ بغيره) .
وقال رسول الله: (( أتاني جبريل فقال: يا محمَّد، عش ما شئت فإنَّك ميِّت، وأحبب من شئت فإنَّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنَّك مجزيٌّ به، واعلم أنَّ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس ) )رواه الطبراني وغيره وهو حسن بشواهده.
هذا هو العز والشرف، ومن أين لك الشرف إذا كنت تنتسب إلى أقوام لم ينعم الله عليهم بنعمة الإسلام؟!
ثم انظروا ـ وفقكم الله ـ إلى الإمام المفسر قتادة بن دعامة رحمه الله وهو يصف حال العرب قبل الرسالة وهو يتلو قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103] ، يقول قتادة:"كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس ذلا وأشقاه عيشا وأبينه ضلالة وأعراه جلودا وأجوعه بطونا بين فكي أسد فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ شيء يحسَدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردي إلى النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله، ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظا وأضعف شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به الأرزاق، وجعلكم به ملوكا، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمته، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله، فتعالى ربنا وتبارك".
فوالله، هذا حال كلِّ أمَّة من العرب أو الفرس أو الروم أو البربر أو الترك أو الحبش إذا تركوا نعمة الإسلام، حرموا العزَّة والمجد والعظمة.
وشيطان الغرب يعلم أنَّ هذه الأمَّة المسلمة بجميع أجناسها وشعوبها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم لا تزال متماسكة منيعة عزيزة رفيعة الشأن جليلة الخطر ما دامت متمسِّكةً بالإسلام، وأنَّه ليس هناك شيء يهدم هذه القوة مثل إثارة العرقيات والعصبية للجنس واللغة واللون على قاعدة:"فرّق تسُد"، ولذلك فلا يألو المستعمر الغربي في إذكاء نيران الفتن بنشر هذه الأفكار والمبادئ الهدامة من النعرات العرقيَّة، وبعث القوميَّات وتغذية العصبيَّات، فيستخدم البعثيَّ للقوميَّة العربيَّة فيفتخر بالآباء وإن كانوا كفارًا، كما يستخدم ذا النعرة البربريَّة فيفخر بالأجداد الذين كانوا في الجاهليَّة قبل الإسلام.
وقد قال النبي: (( لينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه. إن الله قد أذهب عنكم عبِّيَّة الجاهلية وفخرَها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي. الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب ) )رواه الترمذي وأحمد، وعن أبي مالك الأشعري أن النبي قال: (( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ) )رواه مسلم.
قال ابن تيمية:"إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكمٌ من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل، ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه، ولا يذم أحدا بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان".
فالشرف والعزة والمجد ليس في الانتساب إلى العروبة ولا إلى البربرية، بل بالتقوى والإيمان وبالعلم النافع والعمل الصالح.
فأنت ـ أيُّها البعثيُّ القوميُّ العروبي ـ كفَّ لسانك عن البربر، وأنت ـ أيُّها البعثيُّ القوميُّ الأمازيغي ـ كفَّ لسانك عن العرب، فيكفيهم كلاهما شرفًا أنَّ الله تعالى أراد بهم خيرا، حين أدخل الإسلام عليهم جميعا.
فعن كرز بن علقمة الخزاعي قال: قال رجل: يا رسول الله، هل للإسلام من منتهى؟ قال: (( نعم، أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام ) )، قال: ثم مه؟ قال: (( ثم تقع الفتن كأنها الظلل ) )، قال الأعرابي: كلا والله إن شاء الله، قال: (( بلى، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أساود صبا، يضرب بعضكم رقاب بعض ) ). أساود صبا: قال سفيان: الحية السوداء تنصب أي: ترتفع. رواه أحمد والحاكم بسند صحيح.
فهذا يدلُّ على أنَّ العرب وإخوانهم البربر قد أراد الله بهم جميعًا خيرا حين أدخل عليهم الإسلام، ولو لم يرد الله بأحدهما خيرًا لتركهم يتخبَّطون في جاهليَّتهم الجهلاء، تحت سطوة الروم والفرس في القديم، ثمَّ تحت سطوة المستعمر الغربي الجديد. فالحديث يشهد بأنَّ الله قد أراد بهم خيرًا ما تمسَّكوا بالإسلام، فمن رغب عنه وابتغى العزة في غيره أذلَّه الله.
ونحن نعرف للعرب فضلهم ونعرف للبربر فضلهم، ولا نبخس أحدًا من هؤلاء وهؤلاء فضله.
فمن العبارات الجاهليَّة التي يجب الأخذ بشدَّة على قائليها والإنكار عليهم أن يسبَّ غير العربي جنسَ العرب طاعنًا عليهم بفعل السفهاء، أو أن يسبَّ العربيُّ غيره من البربر ومسلمي العجم لمجرَّد المخالفة في الجنس واللسان، فهذا الذي نهى عنه النبيُّ حين قال: (( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب... ) )رواه مسلم.
فالله المستعان، وعليه التكلان.
أيُّها الناس، ليكفَّ أقوام تحملهم النعرة القبليَّة على امتهان غيرهم واحتقارهم والطعن في أنسابهم، وقد قال رسول الله: (( بحسب امرئ من الشرِّ أن يحتقر أخاه المسلم ) ).
فمن طعن في نسب مسلم وافتخر عليه بالآباء والأجداد فقد احتقره مهما كان جنسه ولسانه ولونه. وأنا أمهِّد لكم من فضائل البربر والعرب في عهد الإسلام ما يدلُّكم على ضرورة التمسُّك به، وإنَّما يتفاضل الناس والشعوب بحسب تمسُّكهم بشرائع الإسلام وأخلاقه.
ويكفي البربر شرفًا ـ ولا أقول فخرًا ـ أنَّ فيهم أبطالا مدَّ الله بهم الإسلام، وثبَّته على أيديهم. ألا تذكرون طارق بن زياد الذي فتح الله به البلاد، بلاد الأندلس، ذاك الفتى البربري بلسان عربي مبين؟! أم نسيتم المعزَّ بن باديس الصنهاجي الذي أعزَّ الله به أهل السنة، وأذلَّ به دولة الرفض الباطنية حكامَ بني عبيد العتاة في القرن الخامس. ومن بعده حين كادت الأندلس تسقط في أيدي القوط النصارى لم يجد المسلمون منقذًا لهم ـ بعد الله تعالى ـ سوى ذاك الأمير البربري الصنهاجي العادل الشهم البطل الشجاع يوسف بن تاشفين، الذي أسَّس دولة المرابطين، وبنى الجامع الكبير الذي في ساحة الشهداء من نحو ألف عام، وأعاد الاعتبار لأهل السنَّة والجماعة فحارب البدع ومنع أهل الكلام والخصام وأعزَّ الله به الإسلام.
وبجاية كانت تزخر بكبار الأدباء وأئمَّة النحو واللغة العربيَّة وهم من البربر. ومنهم محمَّد الأريسي الذي كان يسلك في شعره سلوك المتنبي وكان في المائة السابعة.
ولم تخل بجاية من قديم الأعصار من فقهاء وعلماء ومحدثين وأدباء باللسان العربي المبين، فمنهم ابن يبكي صاحب الرابطة الذي كان إليه المرجع في الفتيا في القرن السابع، وكان يفتي بالحديث والأثر ولا يقلِّد أحدا، ومنهم في القرن السادس الحافظ الكبير المتقن عبد الحق بن الخراط خطيب بجاية ومفتيها، ومنهم المحدث عبد الله بن محمَّد الصنهاجي الأشيري من محدثي القرن السادس، ومنهم محمَّد بن يحيى الباهلي من أدباء وفقهاء بجاية قي القرن الثامن، ومنهم المحدثة البجائية المقيمة بمكة رقية بنت عبد القوي التي أجاز لها الحافظان العراقي والهيثمي، وأجازت هي للحافظ السخاوي، ومنهم علي الحسناوي من فقهاء بجاية في القرن التاسع، وغيرهم كثير وكثير...
وأمَّا زواوة، هذه القبيلة العظيمة في جبال جُرجُرة، فلم تزل موطنًا منيعًا عزيزًا للأشراف من أهل البيت الذين كانوا يفرُّون من ملاحقات أمراء بني أميَّة وبني العباس.
بل الأغرب والأعجب أنَّ هذه المنطقة منطقة زواوة التي يسمِّيها الناس اليوم القبائل الكبرى كانت قبلة المتعلِّمين والمتفقِّهين في الدين، بل وحتَّى في لسان العرب المبين، يأتيها الطلبة من المشرق والمغرب، ألم تسمعوا بالشيخ اللغوي البربري الذي كان يعدُّ من أئمَّة عصره في النحو وعلوم العربيَّة يحيى بن عبد النور بنِ معط، صاحبِ الألفية في النحو العربي والتي جاء ابن مالك من بعده فألف ألفيته على منوالها، وهذه مقدِّمة ابن آجروم في النحو، والتي تسمَّى بالآجرومية، لا تزال إلى يومنا تدرَّس في المعاهد والثانويات في جميع بلاد العرب، وهذا الشيخ طاهر السمعوني الجزائري، مؤسِّس المكتبة الظاهريَّة بدمشق، هاجر والده من أرض زواوة مع الأمير عبد القادر لما استولى الإفرنج الكفرة على بلادهم، ثمَّ حنَّ إلى وطنه فزاره في عام 1893م، ودخل موطن آبائه بزواوة، والتقى بالشيخ محمَّد السعيد بن زكري الزواوي الذي كان مفتى مدينة الجزائر في ذلك الوقت. ومنهم الشيخ المهدي السكلاوي اليراثني نسبة إلى قبيلة يراثن، ويقال لموطنهم اليوم:"أربعاء نَايت إيراثن"، وكان هذا من علمائهم وفضلائهم في القرن الثالث عشر. ومنهم الشيخ محمَّد السعيد بن علي اليلولي الشلاطي، المتوفَّى من نحو مائة عام، وكان قد ألَّف كتابًا باللغة الأمازيغيَّة لكن بالحرف الذي يناسبها وهو الحرف العربي، وفي علم شريف هو علم التوحيد والعقيدة الإسلامية، لا كما يريد المستعمر وأذنابه اليوم أن تخطَّ بالحرف اللاتيني والمحتوى اللاديني، وكان رحمه الله قد بنى معهدًا للعلوم الإسلامية في زمانه، وقد دمَّرته فرنسا في أثناء حرب التحرير، ثمَّ أعيد بناؤه في الأعوام الأخيرة، ولا يزال يؤدِّي مهمَّته في نشر الثقافة الإسلاميَّة.
ومن شيوخ زواوة في القرون الغابرة الشيخ محمَّد صالح بن علي الورتلاني المتوفى في القرن الحادي عشر، وضريحه معلوم هناك في قرية أجَلْميم عرش بني أجْمات، وكان يوصف بالعالم المجدِّد للدين، ومن النوادر أنَّ هذا الفقيه الصالح كان يأمر أهل منطقته بالتزام أحكام الشريعة، وكانوا يمنعون ميراث النسوة، فلم يستجيبوا له، فتركهم إلى وقت ذهابهم لقطف الزيتون، فأخذ متاعه وزوجته وعزم على الهجرة من بلادهم، فصاح القوم ليجتمعوا على الشيخ ليمسكوه، فلمَّا ألحّوا على رجوعه حلف لا يرجع إليهم حتَّى يرجعوا إلى العمل بالشريعة في المواريث وغيرها، فامتثلوا أمره بجدّ وصدق، ولم يزالوا على ذلك قرونًا إلى زمان الاستعمار، حتَّى غيَّرت فرنسا الأوضاع وردَّتهم إلى حكم شيوخ الجماعة، وهو حكم جاهلي.
ومنهم في القرن الثامن عيسى بن مسعود المنكلاتي كان محدثًا فقيها، ومنهم في القرن التاسع منصور بن علي المنكلاتي، والشيخ علي بن عثمان المنكلاتي، والشيخ عبد الرحمن الوغليسي، وأبو القاسم بن محمَّد المشدَّالي فقيه بجاية في القرن الثامن، ويحيى بن إدير التَّدلسي... ولست أريد أن أطيل عليكم بذكر جميع شيوخ زواوة فما أكثرهم، وما أكثر من يجهلهم.
ودونكم شهادة المؤرخ الشهير ابن خلدون الذي يقول عن البربر:"وأمَّا تخلُّقهم بالفضائل الإنسانيَّة وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف، لو كانت مسطَّرة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتَّبعيهم من الأمم."
فمن خلقهم عزُّ الجوار وحماية النزيل ورعاية الذمَّة والوفاء بالعهد وبر الكبير وتوقير أهل العلم ورحمة المسكين وحمل الكلِّ وكسب المعدوم وقري الضيف والصبر على المكارم والإعانة على النوائب ومقارعة الخطوب وإباية الضيم ومشاقَّة الدول"أي: عدم القابليَّة للاستعمار، إلى آخر ما طوَّل به ابن خلدون من أوصافهم وأخلاقهم في غابر الأزمان قبل أن تفسدها الفتن المتتالية التي غرست في القوم هذه النعرات القبليَّة والعصبيَّة العرقيَّة وبعث القوميَّة، فأفسدت الأخلاق ودمَّرت القيم وأوهنت التديُّن، فكانت النتيجة الحتميَّة التخبط في الفقر والخوف والجوع وتسلُّط الأشرار."
نذكر هذا تذكيرًا لكلِّ بربريّ لعلَّه يتذكَّر أخلاق أسلافه وما كانوا عليه من الاعتزاز والتمجُّد بالإسلام دون ما سواه.
وربَّما اضمحلَّت اليوم فيهم هذه الأخلاق، كما اضمحلَّت في غيرهم من العرب والعجم، لأنَّ الفساد قد عمَّ كلَّ مكان، وأرباب الفتن لا يزالون متربِّصين يغذُّون العصبيَّات القوميَّة.
فأين أنتم ـ أيُّها الطاعنون ـ في الأنساب؟! وأين أنتم ـ أيُّها البعثيون للنعرات القومية الجاهليَّة ـ عربيَّة كانت أو بربريَّة؟!
وأنت ـ أيُّها البعثيُّ للقوميَّة البربريَّة الجاهليَّة ـ ما لك وللعرب؟! فإنَّ مآثرهم وفضائلهم لا تخفى، ويكفيهم شرفًا أنَّ الله أنزل كتابه الخالد بلسانهم، فأصبح اللسان العربي هو لسان كل مسلم مهما كانت أصوله وجذوره غير عربيَّة، ويكفيهم شرفًا أنَّ منهم سيِّدَ ولد آدم، النبيَّ الخاتم محمَّدَ بنَ عبد الله القرشيَّ عليه الصلاة والسلام.
وحبُّ العرب والعروبة إذا كان لأجل ذلك ولأجل الدين فهو حسنٌ، وإلاَّ كان نعرة جاهليَّة كسائر النعرات العرقيَّة الأخرى.
وفي هذا المعنى الشريف ألَّف الحافظ العراقي كتابه الممتع المفيد"محجَّة القرب في محبَّة العرب". وكذا ألف قبله الإمام ابن قتيبة كتابه في فضل العرب، ولا تخلو كتب الفضائل والمناقب من ذكر فضل العرب وغيرهم.
ولست هنا لأغذي نخوة الافتخار عند العرب ولا عند البربر فهما إخوان بحكم الدين، ينالهم الشرف والعزَّة ما تمسكوا بالدين، ويذوقون مرارة العيش ومذلة الحياة ما تركوا هذا الدين.
فإذا أراد العرب والبربر وسائر العجم العزة والكرامة والمجد والشرف فلن يجدوا سوى الإسلام مؤلِّفًا بين قلوبهم جامعًا لكلمتهم رافعًا لشأنهم.
أقول هذا وأستغفر الله...