فقه
الصلاة, المرضى والطب
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
1-حاجة القلب إلى الزاد الروحي المتمثل في الإيمان والتقوى. 2- الصلاة من أفضل ما يتزود به المرء في سفره للآخرة. 3- وجوب الصلاة على المسلم حتى في حال مرضه ما دام عاقلًا. 4- بيان كيفية الطهارة والصلاة للمريض.
أما بعد: فإن الناس جميعًا في هذه الدنيا على سفر وارتحال إلى الدار الآخرة التي هي المقر الدائم والمنزل الأبدي، ي?قَوْمِ إِنَّمَا هَـ?ذِهِ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا مَتَـ?عٌ وَإِنَّ ?لاْخِرَةَ هِىَ دَارُ ?لْقَرَارِ [غافر:39] ، وابن آدم في سفره هذا يحتاج إلى الوقود والزاد الإيماني الذي يحدوه للمسير وينير له الطريق، أرأيتم مسافرًا لا يتزود لسفره؟! وهل تسير السيارة والطائرة بغير وقود؟! وهل يعيش الإنسان بلا طعام أو شراب؟! وهل يعيش بدن لا يأتيه الزاد من الطعام يوميًا وعلى جرعات متفاوتة وفي أوقات مرتبة، وإلا هلك البدن وانهدت قواه وعجز صاحبه؟! وهل يستطيع العبد أن ينجو بنفسه من كرب الدنيا ومن كربات الآخرة بغير زاد التقوى والإيمان والعمل الصالح؟! وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ?لزَّادِ ?لتَّقْوَى? وَ?تَّقُونِ يأُوْلِي ?لألْبَـ?بِ [البقرة:197] ، فإن كان للجسد زاده وطعامه فللقلب زاده وقوته الذي لا يبقى حيًا إلا به، وهل يكون القلب سليمًا معافى ينفع صاحبه يوم الفزع الأكبر إن لم يكن معمورًا بالإيمان ومترعًا بالتقوى والاستقامة يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ?للَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89] ؟!
إذا علمنا ذلك ـ أيها المؤمنون ـ فيا ترى ما هذا الزاد والقوت الذي تحيا به القلوب؟ إنه زاد عجيب وذو أثر أكيد، زاد يزيد في الحسنات ويرفع الدرجات، إنه قوت، وأيّ قوت لمن حرم منه ففاتته تلك المكاسب والخيرات؟! يحدثنا ربنا عن هذا الزاد فيقول: وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ طَرَفَىِ ?لنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ?لَّيْلِ إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ [هود:114] ، وعن أثر هذا الزاد ومفعوله القوي يخبرنا ربنا: وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ، وأهل الفلاح والنجاح لهم مع هذا الزاد ارتباط عجيب، قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ [المؤمنون:1، 2] .
ولأهمية هذا الزاد وعظيم الحاجة إليه في حياة القلوب فإنه لا يسقط أداؤه عن أي إنسان مسلم ما دام عقله معه، حتى لو كان المسلمون في مواجهة أعدائهم وفي معمعة الحرب والقتال، وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ?لصَّلَو?ةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102] ، إن الصلاة لا تسقط بحال حتى في حال شدة الخوف الذي يقطع نياط القلوب فلا يلوي أحد عن أحد، حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى? وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـ?نِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:238] .
عباد الله، ليس الحديث إليكم الآن عن وجوب الصلاة وحكم تاركها، فهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، يعرفه حتى الصبيان والعجائز، غير أني أريد التنبيه إلى أمر يغفل عنه البعض من المسلمين، وهو أن بعض المسلمين يظنون أن المسلم إذا كان مريضًا أو عاجزًا أو كان حبيس فراشه أن الصلاة تسقط عنه، وبعضهم يظن أن المريض لا يصلي حال مرضه، ثم إذا شفي قضى ما عليه من الصلوات بحجة أنه عاجز عن أداء الصلاة كاملة بوقوفها وطهارتها وأركانها وواجباتها، فإلى هؤلاء يقال: إن الله سبحانه أوجب الصلاة على المسلم المكلف، وأخبر سبحانه أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، فلم تسقط عن المسلمين وهم في أتون المعركة ووسط لهيبها ونيرانها والأعداء عن قرب والموت يتخطفهم من كل جانب، فمن باب أولى من هو آمن مطمئن.
ولكن قد يقول قائل: كيف أصلي وأنا لا أستطيع الطهارة، أو عليّ ثياب نجسة لا يمكن نزعها، أو لا يمكنني الوقوف أو الركوع أو السجود، وربما لا يكون جسمي جهة القبلة؟! فما أصنع في حالتي هذه؟! إن الجواب عن ذلك قد أخبر به الحبيب في حديث عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي عن الصلاة فقال: (( صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب ) )أخرجه البخاري، كما علمنا كتاب ربنا أن ديننا لا حرج فيه: هُوَ ?جْتَبَـ?كُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ?لدّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 77] ، وأن التكليف بالأوامر الشرعية يكون بحسب القدرة والطاقة: لاَ يُكَلِّفُ ?للَّهُ نَفْسًا إلاَّ مَا آتَاهَا [الطلاق: 7] ، وفي الصحيحين يقول: (( إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) )، وعندما ورد الأمر بالوضوء في قوله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ?لصَّلو?ةِ ف?غْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ?لْمَرَافِقِ وَ?مْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ?لْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَ?طَّهَّرُواْ [المائدة:6] جاء التخفيف عمن لا يستطيع الوضوء بالماء أو لا يجده فقال سبحانه: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى? سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُم مّنَ ?لْغَائِطِ أَوْ لَـ?مَسْتُمُ ?لنّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَ?مْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ ?للَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَـ?كِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6] .
أيها المؤمنون، إذا علمنا ذلك كله فلنعلم أن الصلاة تجب على المسلم ما دام عقله موجودًا، فقد قال ربنا تعالى: وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] ، قال ابن باز رحمه الله تعالى:"المرض لا يمنع من أداء الصلاة بحجة العجز عن الطهارة ما دام العقل موجودًا، بل يجب على المريض أن يصلي حسب طاقته وأن يتطهر بالماء إذا قدر على ذلك، فإن لم يستطع استعمال الماء تيمم وصلى، وعليه أن يغسل النجاسة من بدنه وثيابه وقت الصلاة أو يبدل الثياب النجسة بثياب طاهرة وقت الصلاة، فإن عجز عن غسل النجاسة وعن إبدال الثياب النجسة بثياب طاهرة سقط ذلك عنه وصلى على حسب حاله لقوله تعالى فَ?تَّقُواْ ?للَّهَ مَا ?سْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] "اهـ.
وقد بين أهل العلم كيفية الطهارة والصلاة بالنسبة للمريض على النحو الآتي باختصار، حيث يجب على المريض أن يتطهر بالماء فيتوضأ من الحدث الأصغر ويغتسل من الحدث الأكبر، فإن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه فإنه يتيمم، وإن كان لا يستطيع استعمال الماء أو التيمم بنفسه فإنه يستعين بمن يوضئه أو ييممه، وإن كان على بعض أعضاء وضوئه رباط أو جبس مسح عليه بالماء ولا يتيمم له.
ثم يصلي الفريضة قائمًا ولو منحنيًا أو معتمدًا على جدار أو عصا عند الحاجة، فإن كان لا يستطيع القيام صلى جالسًا، فإن كان لا يستطيع الجلوس صلى على جنبه متوجهًا إلى القبلة قدر الإمكان، فإن كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة إن أمكنه ذلك، أما عن الركوع والسجود فإن كان المريض يستطيعهما وجبا عليه، فإن لم يستطع أومأ بهما برأسه ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإن كان لا يستطيع الإيماء برأسه في الركوع والسجود صلى بقلبه فيكبر ويقرأ وينوي الركوع والسجود والقيام والقعود بقلبه، أما عن وقت الصلاة فيجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها، فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء حسب ما يتيسر له تقديمًا أو تأخيرًا، أما الفجر فلا تجمع مع غيرها.
هذا باختصار ما يجب على المريض فعله حيال الصلاة، وما ذاك إلا لأهمية الصلاة للمسلم، فهي الوقود والزاد الإيماني، ومن فرط فيها فهو الخاسر في الدنيا والآخرة.
ويا عبد الله، احمد ربك على نعمة الصحة والعافية، واغتنمها في طاعة مولاك قبل أن يحال بينك وبينها، صل مع المسلمين قبل أن يصلى عليك وحينذاك لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـ?نِهَا خَيْرًا [الأنعام:158] .
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة يا رحمن يا رحيم...
لم ترد.