الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
عبد الله الشرقاوي
الدار البيضاء
الصفا
1-من حق الطريق غض البصر. 2- من حق الطريق إماطة الأذى. 3- من حقا لطريق رد
السلام. 4- من حق الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 5- من حق الطريق إرشاد
الضال وهداية الأعمى. 6- من حق الطريق قول دعاء كفارة المجلس إذا كان المجلس في
طريق.
أما بعد:
أيها الأخوة والأخوات في الإسلام: روى الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (( إياكم والجلوس في الطرقات ) )فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. فقال: (( فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه ) )قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (( غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
أيها المسلمون: إن للناس أندية ومجالس يجتمعون فيها، ويتحدث بعضهم إلى بعض، وما جلس قوم مجلسًا في مكان لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة، وقد كان السلف الصالح يقولون: المجالس أمانة فكل مجلس جلسه الناس سواء كانوا أفرادًا أم جماعات يعتبر أمانة يحاسب عليها صاحبه يوم القيامة، ومن الأماكن التي يحضرها الخاصة والعامة الطرقات حيث يسلكها الرجال والنساء، ويمر فيها الأشراف والسفهاء، فيظهر للعيان منكر وزور من القول والفعل فلا يستطيع أحد تغييره إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم. ومن أجل هذا ينهى رسول الله في هذا الحديث أول مرة ينهى المسلمين عن الجلوس في الطرقات حسمًا لمادة الشر، وسدًا لأبواب الفساد، ولئن كان في ذلك شيء من المصالح فالقاعدة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإن امتنع أحد إلا الجلوس فلا حرج عليه إذا عرف حق الطريق وقام به.
أيها المسلمون: لقد حذر أصحابه من الجلوس في الطرقات لأنه عليه السلام يدرك خطورة تلك المجالس التي كثيرًا ما ترتكب فيها الحماقات وتدبر فيها المؤامرات، بل وتتردد فيها الإشاعات وتنتهك فيها الحرمات، لذلك حذرهم خوفًا عليهم وتحصينًا لهم ضد أهوائهم وغرائزهم النفسية التي قد تعيدهم إلى ما كانوا عليه في الجاهلية التي أنقذهم منها رسول الله ولكنهم عندما حذرهم طمأنوه بأنهم لم يجلسوا من أجل هدف دنيوي أو شيطاني وإنما قد جلسوا من أجل هدف ديني، كما في حديث آخر عن أبي طلحة قال: كنا قعودًا بالأفنية نتحدث فيها فجاء رسول الله فقام علينا فقال: (( ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات ) )فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس قعدنا نتذاكر ونتحدث قال: (( أما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام ) ).
وهكذا أيها المسلمون منهم أن مجالسهم مجالس خير لا شر فيها أقرهم على هذا، ولكن شريطة أن يعطوا الطريق حقه، وهي حقوق خمسة كما هو ثابت في نص الحديث: (( غض البصر وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
عباد الله: أما غض البصر فد أمر الله تعالى به الرجال والنساء على السواء، فقال عز من قائل: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. إن الإسلام بهذا التشريع الحكيم يريد أن يقطع الداء من أصله، فقد حرم الزنا وحرم كذلك الطرق الموصلة إليه، وأعظمها النظر لذلك، سأل الإمام علي عن نظرة الفجاءة فقال له: (( صرف بصرك فإن الأولى لك والثانية عليك ) ).
وقبل غض البصر أمر الله النساء بالاحتجاب عن الرجال، وإذا خرجن فليخرجن كما أمر الله تعالى: وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ، تخرج المرأة المسلمة لضرورة وإذا خرجت فلتخرج محتشمة في لباسها ومشيها بعيدة عن حركات الريبة ومواضع التهم غير متعطرة ولا متلفتة حذرة كل الحذر من قول الرسول: (( أيما امرأة استعطرت وخرجت على قوم فهي كذا وكذا يعني زانية ) ). وأما كف الأذى الوارد في الحديث الشريف أنه من حقوق الطريق فهو إماطة الأذى وإزالته عن الطريق إن وجد من غيرك وأن لا تتعرض لأحد بما يكره ولا تذكر أحدًا من الناس إلا بخير ولا تهزأ بالمارة، ولا تسخر براكب ولا ماشي، ولا تشر بيديك ولا عينيك إلى رجل أو امرأة بسوء، ولا تحتقر ضعيفًا، لا تضحك من شيخ أحدب ولا عجوز شوهاء، ولا تفعل ما يفعله السفهاء والأراذل من قول فاحش نقد لاذع وتهكم مزر، ومن الأذى المخدرات والمسكرات، واختلاط الرجال بالنساء اختلاطًا أقل ما يقال عنه أنه يشبه اختلاط الحيوانات في الغابات ينزو ذكرانها على إناثها والناس ينظرون، فهذا من أعظم الأذى الذي نهى عنه النبي وأمر بكفه وجعله حقًا من حقوق الطريق. وأما رد السلام فهو شعار المسلم فالله سبحانه من أسمائه السلام وجنته دار السلام وتحية أهل الجنة السلام، لذلك أمر الله بإفشائه بيننا وجعل إلقاءه على المسلمين سنة ورده فرضًا فقال تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما من أعظم الواجبات التي قصر فيها الخاصة والعامة من المسلمين، تهاون بها المسؤولون والعلماء والقادرون على القيام بهما إلا من رحم الله تحت ستار الحرية وحقوق الإنسان، وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الطريق أن يترك الجالس فيها معروفا حاضرًا أمامه كأن يؤذن المؤذن للصلاة فلا يجيبه أحدٌ من الجالسين فإن عليه أن ينادي فيهم أن يجيبوا داعي الله، أو أن يمر أمامه جائع عار فعليه أن يكسوه ويطعمه وإن كان غير قادر قلبيًا أمر الناس الجالسين بذلك، ومثال النهي عن المنكر أن يجلس مع الناس ثم يأتي شربة خمرٍ أو حشيش أو يرى إنسانًا يُسلَب ماله ويُضرَب جلده فعليه أن ينصره ويقف في وجه الظالم في حدود طاقته ووسعه. لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها لقوله:: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) )وإن لم يستطع فليغادر المكان الذي يعصى فيه الله.
نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وأجارني وإياكم من عذابه المهين وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين.
أما بعد:
عباد الله: ومن حقوق الطريق إرشاد الضال وهداية الأعمى ومساعدة المحتاج، ومن الحقوق الواجبة في المجالس استغفار الله تعالى عند القيام تكفيرًا لما عساه أن يكون قد ألم به في مجلسه فقد كان إذا أراد أن يقوم من مجلس يقول: (( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) )فلما سئل عن ذلك قال: (( كفارةً لما سيكون في المجلس ) ).
أيها المسلمون: هذه حقوق الطريق باختصار فأين هي بيننا اليوم لقد أصبحنا نشاهد بعض الشباب والرجال المتسكعين في الطرقات بصورة مزعجة جعلتنا نخشى على بناتنا وزوجاتنا حيث وصل بهم السفه إلى اختطاف الفتيات والزوجات من عرض الطريق وفي واضحة النهار كما نقرأ في الجرائد المحلية. وأصبحنا نرى بعضهم ليلًا ونهارًا في عرض الطريق واضعًا ذراعه كاملًا حول عنق فتاة رفيعة بصورة مثيرة ومخلَّة بالآداب العامة والخاصة بدعوى المدنية الكاذبة، وبعضهم أصبح يجلس في الطريق بصورة مخلة بالآداب حيث يضايق الناس مما يضطرهم إلى المرور بجانب السيارات والدراجات مما يتسبب في حوادث دامية، هذا بالإضافة إلى التعليقات النابية والكلمات الجارحة عندما تمر أمامهم فتاة أو زوجة. وقد يجتمعون في تلك المجالس من أجل التخطيط لجريمة السرقة أو الفتاة أو التزوير أما الأطفال والشباب فأصبحوا يلعبون الكرمان وسط الطريق فيزعجون المارة ويزعجون من كانت نوافذه تطل على تلك الطرقات. فاتقوا الله عباد الله واستمعوا إلى هذه الحقوق وأدوها أحسن أداء تسعدوا في الدنيا والآخرة.