سيرة وتاريخ
غزوات
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-أحداث غزوة حُنين. 2- الوصية بالاعتناء بدراسة السيرة النبوية.
أما بعد: جاء في كتب الحديث والسير والمغازي أن النبي بعد أن فتح مكة ذهب لقتال ثقيف التي حشدت له قواتها، ومعها جمع من القبائل خرجوا بأموالهم ونسائهم وذراريهم، فقال النبي بعد أن سمع بذلك: (( تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله ) )، وخرج النبي في جيش قِوامه عشرة آلاف رجل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، وألفان من طلقاء قريش، والتقى الجمعان بين مكة والطائف بواد حنين في أول النهار في غلس الصبح، وكان المشركون قد كمنوا للمسلمين، فلما اقتربوا منهم رشقوهم بالنبال من الشعاب والمضايق والمداخل على حين غفلة من المسلمين، ثم حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد وهم مصلتو السيوف، فانجفل المسلمون مدبرين وانشمروا راجعين لا يلوى أحد على أحد، حتى فرح مسلمة الفتح فقالوا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، ألا بطل السحر اليوم، فهرب جميع المسلمين، وثبت سيد المرسلين ، ولم يكن على فرس سريع أو جمل شديد، بل كان على بغلته البيضاء لثقته بنصر الله له، فلما رأى جموع المسلمين مدبرة وفلول المشركين مقبلة طفق يركز بغلته قِبَل المشركين وهو يصيح بأعلى صوته: (( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) ). فما هرب وما ولى، وما تحرف لقتال وما تحيز إلى فئة، وكان عمه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحارث ممن ثبتوا معه، يمسكان بغلته يكفانها أن لا تُسرع، فأمر النبي العباس أن ينادي في الصحابة وكان جهير الصوت، قال العباس: فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟! يقول: فوالله، لكَأنَّ عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، فلما اجتمع إليه مائة استقبلوا الناس واقتتلوا، ثم صُرفت الدعوة إلى الأنصار، وقُصرت على بني الحارث من الخزرج، وعندما تجالد الفريقان مجالدة شديدة وقد عاد المسلمون قال عليه الصلاة والسلام: (( الآن حمي الوطيس ) )، ثم أخذ قبضة من تراب فرمى بها القوم قائلًا: (( شاهت الوجوه ) )، فما خلق الله إنسانا إلا مُلئت عيناه ترابا من تلك القبضة، وهُزم الجمع وولوا الدبر، وخلفوا وراءهم أموالهم وأنعامهم ونساءهم وذراريهم، وكانت الغنائم كثيرة جدا.
فمن السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، فبدأ النبي بعد ذلك بتوزيع الغنائم، وكان للمؤلفة قلوبهم النصيب الأوفر، فأعطى أبا سفيان أربعين أوقية ومائة من الإبل، وأعطى ابنيه معاوية ويزيد ورؤوس قريش مثل ذلك، وأعطى حكيم بن حزام ضعف ذلك، حتى شاع بين الناس أن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، إلا أنه لم يعط الأنصار شيئا، فتكلم أقوام منهم حتى قال قائلهم: غفر الله لنبينا، يقسم بين قريش الغنائم وسيوفنا تقطر من دمائهم، فأمر النبي أن يُجمع الأنصار في حظيرة، ثم جاءهم فقال: (( يا معشر الأنصار، مقالةٌ بلغتني عنكم، وجِدَة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وأعداء فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟! ) )، فقالوا: بلى، الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل، فقال: (( ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟! ) )فقالوا: بما نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله الْمَنُّ والفضلُ، فقال: (( أما لو شئتم لقلتم، ولَصَدَقتُم ولصُدِّقتم: أتيتنا مُكَذَّبا فصدَّقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك. أوجدتم ـ يا معشر الأنصار ـ في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟! ألا ترضون ـ يا معشر الأنصار ـ أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرؤا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ) ). فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله.
أما بعد: إن سيرة النبي قبل أن تكون علما يُدرس هي موضوع شيق محبب إلى النفوس، وما ذلك إلا لأن النبي هو أحب الخلق إلى قلوب المؤمنين، فكلما قرأ المؤمن شيئا من سيرته ازداد له حبًا وشوقًا إلى رؤيته ولقائه، فهو أجود الناس وأشجعهم وأحلمهم وأجملهم، ولا شك أن في مغازي النبي من الفوائد والعبر وترقيق القلوب وربطها بالله تعالى ما لا يوجد إلا في القرآن الكريم. إلا أن الملاحظ أن أكثر الناس أعرضوا عن دراسة سيرته ومغازيه، كما أعرضوا عن القرآن وهجروه، ولهذا السبب زادت الغفلة بين المسلمين وقلت محبة الله ومحبة رسوله في قلوب الناس، حتى ظهر ذلك جليا في ترك الانصياع لأوامر الله وفي الإعراض عن سنة المصطفى.
ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى تعليم أبنائنا ونسائنا بل وأنفسنا سيرة النبي ، عوضا عمّا يحشى في أدمغتنا من تقديس للكرة وتقدير للفن الهابط وكل ما يُسخط الله ولا يرضيه، ولو أن أحدنا سُئل عن مقدار محبته للنبي لعجز عن وصف مشاعره، ولكن تهافته على الدنيا وتعامله بالربا وأكله أموال الناس بالباطل وتهاونه في الصلاة وعدم اهتمامه بدين أبنائه وبناته وتهاونه في حدود الله كل ذلك يكذب زعمه محبة النبي ، وإنه من المؤسف أن ترى جهل الناس بسيرة نبيهم وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم، حتى إنه يندر أن نسمع ببيت توجد فيه كتب تفسير القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة، فضلا عن أن تجد فيه سيرة المصطفى.
فاتقوا الله عباد الله، وبادروا بتعلم سيرة خير خلق الله، عسى إن نحن فعلنا ذلك أن يرد الله علينا عِز الإسلام وكرامته.