فهرس الكتاب

الصفحة 5247 من 5777

معالم في تربية الشباب

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

الأبناء, التربية والتزكية

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-أبناؤنا فلذات أكبادنا. 2- التنبيهات الأساسية في تربية الشباب. 3- كلمة خاصة للشباب.

أما بعد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 5] .

أيها الناس، يظل الشباب والشببة هم عماد الأمة وتاجها وعزها وحضارتها، فلا نكير إذ هم صناع الحضارة وعُدّة التقدم وذخيرة المواجهة، بهم مراقي الفلاح ومدارج العز ومعالي الطموح، والشباب هم ثمرة نعمة الأبناء التي بها فَخار الآباء وعزهم ومكانتهم، فالأبناء للآباء السعد والمدد والبر والإحسان والرعاية والمتابعة.

إنَّ الأبناء أكباد الآباء، يعيشون أفراحهم وأحزانهم، ويصنعون هممهم وبطولاتهم، وهم يبذلون لأجلهم أرواحهم وعواطفهم ومشاعرهم، ولا يرخصونهم من التعب والكثرة.

مُحمّدُ ما شيءٌ تُوهِّم سلوةً لقلبِي إلا زاد قلبِي من الوجدِ

أرى أخويك الباقيين فإنما يكونان للأحزان أورى من الزّندِ

وأولادنا مثلُ الْجوارح أيها فقدناه كان الفاجعَ البينَ الفقدِ

لكلٍ مكانٌ لا يسُدُّ اختلالَه مكانُ أخيه من صبورٍ ولا جَلْدِ

أيها الإخوة، إنَّ صلاح الابن صلاحٌ لأبيه، وربحه أرباح لأبيه، فهو نوع من بقاء العمل الصالح واستمراره ونمائه، وفى الحديث الصحيح: (( أو ولد صالح يدعو له ) ). فلنحرص جميعًا على استغلال هذه النعمة وحراستها بأسباب الحفظ والرعاية. وقد روى الإمام النسائي في سننه بسند على شرط الصحيح عن قُرَة بن إياس قال: كان نبي الله إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فقال له رسول الله: (( أتحبّه؟ ) )فقال: أحبَّك الله كما أحِبّه، ففقده، وفي رواية: فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي ، فقال: (( ما لي لا أرى فلانًا؟! ) )قالوا: يا رسول الله، بُنيّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي فسأله عن بُنيه، فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثم قال: (( يا فلان، أيّما كان أحبُّ إليك: أن تمتَّع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ ) )قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إليَّ، قال: (( فذاك لك ) ).

أيها الآباء والمربون، هل استشعرتم قول الله تعالى: المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46] ، هذه الزينة وتلكم البهجة لا تطيب وتحسن إلا بمتابعتها ورعايتها وتهذيبها. لقد فاز أبٌ اصطفى المعدِن وسقى الغرس وتابع النمو وأصلحَ الخلل وصنع الهم والاهتمام، فاهتزت تلك الثمرة وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.

إن شباب الإسلام أبناؤنا وفلذات أكبادنا، عزهم عزنا، وضعفهم ضعفنا، وخسارتهم خسارتنا، فماذا أعددنا لشبابنا يا معشر الآباء والمربين؟! فاسمعوا وعوا هذه الكلمات اللطيفات والتنبيهات الأساسيات في تربية الشباب.

فهذه معالم حية أسوقها إليكم، ومن خلالها نرسم المنهج الصحيح الأقوم لتربية شباب الإسلام، وهي: المدد الإلهي، وصناعة الشخصية، والمسار الصحيح، وإبراز الهمم والعزائم.

إن شبابنا ـ يا مسلمون ـ شباب مفطورون على عبادة الله وحده، فليكن أول ما يعتقدون من أدبكم وتربيتكم تعظيم الله تعالى وإجلاله، فلا بد من إذكاء العاطفة الدينية وتأجيجها؛ بمحبة الله فيهم وتعظيم شرعه والمحافظة على فرائضه وحقوقه، فليكن أول طريق وسفر يسلكه الشباب المسلم هو طريق المسجد الذي به يرتفع نسبة الإيمان بربه، ففي المسجد يؤدي الصلوات الخمس، ويقرأ القرآن، ويسمع الدروس، ويرى اجتماع المسلمين، ويدرك الأخوة الإسلامية، وفي المسجد تشع عليه الأنوار، ويطهر من الأوزار، ويعرف ركب الأخيار من الأشرار، وفي المسجد يصبح الحس إسلاميًا والفكر دينيًا، فيقوّم الناس وأفعالهم من خلال المسجد وأنواره وبركاته.

وليتُعن الأب والمربي بتقريب القرآن لذلك الشاب وإبراز أهمية القرآن في حياته، وأنه منهاج الحياة وهداية الناس ونور البشرية، وانضمامه لحلقة قرآن من صغره مما يسهل القضية ويثبت أركان الفتوة ويصلح الخلل والاعوجاج، وقد قال: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) )، وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ونحن في الصفة فقال: (( أيكم يحبّ أن يغدو كل يوم إلى بُطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كَوماوين في غير إثم ولا قطع رحم؟ ) )فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: (( أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيَعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، وأعدادهن من الإبل ) ).

وأما بناء الشخصية فكلنا يتمنى أن يرَى ابنه تام الرجولة حسنَ الأخلاق عظيم الفائدة، ولكن ذلك لا يحصل إلا بجهد مبذول وحسّ معقول وحرص مسلول، فعلى الأب الناصح تربية الابن على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، فليبث في روحه خصال الصبر والجلد والشجاعة، وليجنبه مسالك الجبن والنعومة والرفاهية، وليعرض له سير الأبطال والمجاهدين من أهل الإسلام، فإن لها بالغ الأثر وأعظمه في التربية على الشجاعة وزراعة الثقة وطلب المعالي والأمجاد.

فإن سن الفتوة أو ما يسمى بالمراهقة فيه صور مشرقة لأبطال الإسلام الذين تربوا على الإيمان الوهاج، الذي يصقل النفوس ويدفعها للعلاء ويجنبها الخواء، فسماع الأبناء لقصة مصعب بن عمير الشاب اليافع الذي يبعثه النبي سفيرًا إلى المدينة يعلم القرآن وينشر الدعوة، أو قصة علي رضي الله تعالى عنه الذي أسلم صغيرًا ويشبّ على حمل السيف ومحبة الفدائية ويُسقِط رأس الكافر في الخندق وهو في سن تسمى هذه الأيام بالمراهقة، أو يسمع أبناؤنا بطولة محمد بن القاسم فاتح السند والهند وعمره سبع عشرة سنة، أو يسمعون قصة محمد الفاتح البطل العثماني رحمه الله فاتح القسطنطينية الذي كانت ترتعد منه أوروبا فَرقًا وأذعنت لحكمه وسياسته، ولما أتاها خبر وفاته أمر البابا أن يُحتفل بعيد وأن تقام صلوات الشكر مدة ثلاثة أيام فرحًا وابتهاجًا بموته.

إن هذه القصص والأخبار كافية في صياغة شخصية مؤمنة، تطلب السمو والعلاء، وتأبى الجبن والخورَ، وهى خير من غثاء مبثوث هذه الأيام، يعكس البطولة، ويرفع من قيمة اللعب والسفاهة في ملهيات فارغة وتنشيطات تافهة، فإلى الله المشتكى.

أيها الآباء الكرام، ومن صناعة الشخصية رسمُ معنى القدوة الحسنة في حياة الشباب قولًا وفعلًا وتطبيقًا، فلا يراك أبناؤك إلا في خير، ولتطبق لهم بعض هذه الخصال الطيبة في الحياة، فإن الولد سر أبيه، يحذو مثله، ويرتسم فعاله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ومسألة القدوة الحسنة من أعظم المؤثرات في شخصية الشاب، فاحرصوا أن يحمل الشباب عظيم الخصال ومعالي الأمور وآفاق الاعتزاز.

مشى الطاووسُ يومًا باختيالٍ فقلّد شكل مشيته بنوهُ

فقال: علام تَختالون؟ قالوا: سبقت به ونحن مقلَّدوهُ

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوهُ

والمسار الصحيح ـ يا مسلمون ـ أن يتقي الآباء الله في أبنائهم، فإنهم رعاة مسؤولون، وقد حملهم الله أمانة التربية وضمانه الرعاية والإصلاح، فليعتنِ الأب بجرّ الأبناء لمسالك الهداية وأسباب السلامة، بالدعاء لهم بالصلاح ودفعهم للمساجد وتسجيلهم في الحلق وتعويدهم الخير وتقريبهم من الأخيار البررة، وليحذر أن يصرفهم لمسالك الغواية، من تركهم هملًا في الشوارع والمقاهي السيئة، أو زجهم في عصابة السوء أو حمالي المخدرات، أو عرضهم على الفكر المنحط من الروايات الساقطة والمجلات الخليعة والفضائيات الوقحة الهادمة المؤججة لنار الفاحشة والقامعة للأخلاق والمروءة.

وإن من أعظم الغش للشباب أن يُسكَّنوا أو يسكَّتوا بالانغلاق على الفضائيات الممسوخة، وإن الأب ليأثم بذلك إثما عظيمًا، فأين غيرتكم يا أصحاب الغيرة ويا أرباب الثقافة ورواد التربية؟! وقد ثبت في المتفق عليه من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي قال: (( ما من راعٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) )، وفى رواية: (( فلم يُحطها بنصحه لم يجد رائحةَ الجنة ) ).

فاتقوا الله معاشر الآباء، وخذوا بأيدي الشباب إلى مساعي الخير والهدى والفلاح، فإنكم أصحاب المسؤولية، وعليكم الضمانة والتبعية.

الحمد لله، والشكر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: فأما المعْلَم الأخير فهو إبراز الهمم والمواهب، فإن شبابنا طاقات متأججة وهمم حارقة وعزائم صاعقة، لكنها تحتاج لمن يفك سوارها ويلهب فتيلها ويهديها طريقها؛ لهذا فقد خصها النبي بأنها من المسؤول عنه يوم القيامة، فقد روى الترمذي في سننه بسند حسن عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: (( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسألَ عن خمس: عن عمره: فيم أفناه؟ وعن شبابه: فيم أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمِل فيما علم؟ ) ).

ففي شبابنا قوى عقلية تصلح للعلم والفقه والإبداع والاختراع، وفي شبابنا همم تتطلع للمجد وتأبى الضعَة والهوان، متعلقة بسِيَر الأبطال والأفذاذ من أهل الإسلام، وفي شبابنا طاقات تصلح للعمل والمجاهدة والبناء. فالمهم أن يقوم الأب بإبراز همة الشباب أو إلهابها أو إعدادها أو صناعتها وتوجيهها.

إنكم ـ يا معاشرَ الآباء ـ ترون واجبًا عليكم وظيفة الطعام والكساء، وكذلك البناء الفكري السليم والقاعدة الثقافية الصحيحة لا تقلّ أهمية عن ذلك، في عصرٍ اجتاحته الأفكار المختلفة والمغريات الفتانة، فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ [الحشر: 2] .

مثل هذا المعْلَم لا يتأتى إلا بالمتابعة الحسنة والتشجيع الدائم والرفق الأليف والعزلة الاجتماعية، ونقصد بالعزلة الاجتماعية توفير المناخ الجاد للشاب الجاد، فإن عصركم ـ يا مربون ـ حُشي بدناءة الهمم وتفاهة الأحداث وضعف النفوس، فجنبوا أبناءكم هذه الموارد وأصحابها وشعاراتها، فإنها شرَك الشباب ومَصيدة العقول والبصائر، (( فالمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ) ). ولما رأى النبي أمانة ابن مسعود وحسن تأهله للعلم قال له: (( إنك غلام معلَّم ) )، فصار الغلام إمامًا يقتدى به، ويقصده الناس للعلم والتفقه.

فالمهم ـ يا أيها الآباء ـ أن لا نستعجل الثمرة، وأن نمتلك مقدارًا واسعًا من الصبر والحلم والرفق، يكتنفه المثابرة والجد والاهتمام، وكلما كانت الرعاية حكيمة كانت الثمرة يانعة بإذن الله تعالى، وكما قيل:"بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى". وفق الله الجميع لمحابه ومراضيه، وجنبنا وإياكم مكارهه ومعاصيه.

عباد الله، هذا هُتاف مخصوص ونداء ميمون لإخوتي الشباب، أخص به قلوبهم، وأنادى به هممهم، فأقول: أين رسالتكم يا شباب الإسلام؟! وأين مبادؤكم؟! وما تحملون؟! هل ترضون أن تكونوا أتباعًا للغرب وأسمارًا للشهوة والرذيلة؟! هل أنتم أحفاد معاذ وزيد وطارق، أم أنكم فئام جئتم بلا هدف ولا رسالة؟! هل فكرتم في الأوقات المبذولة في الضحك والسمر والتوافه؟! وهل ذقتم حلاوة الضياع والسفه والبطالة؟! لقد مُتعتم بالقوة والعافية والعقل والتضحية، فأين هي منكم لدينكم وأمتكم؟! خاب وخسر أقوام همهم بطونهم وحياتهم شهوتهم ومناهم لذتهم.

ألم تسمعوا المكتشف العالمي الكافر الذي ملأ البشرية باختراعاته، عندما سئل عن العبقرية فقال:"واحد في المائة وراثة، و99 في المائة عَرق جبين"، ولم يكن له عقل مزكّى بصير. وهل مرَّ عليكم ذاك الجاهلي الذي يطلب المجد والرفعة وليس له دين يهديه فيقول:

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ

ولكنما أسعى لمَجد مؤثّل وقد يدرك المجدَ المؤثل أمثاليِ

وقد قال مصلحنا ونبينا في بيعة العقبة الثانية عندما قالت له الأنصار أو أبو الهيثم بن التيّهان: يا رسول الله، إنه بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها، فهل حسبت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ثم قال: (( بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ) ).

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت