فهرس الكتاب

الصفحة 3839 من 5777

لن يحرر القدس تفجير الرياض وقتل المسلمين

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

القتال والجهاد, جرائم وحوادث

عبد العزيز بن محمد القنام

وادي الدواسر

جامع النويعمة القديم

1-ما أهداف الفئة الضالة؟ 2- استنكار تفجيرات الرياض. 3- ما جاء من النصوص في وحدة الصف وجمع الكلمة. 4- التغليظ في شأن الدماء المعصومة. 5- كيف يكون الإفساد إصلاحًا؟! 6- قصة الخارجي الذي قتل علي بن أبي طالب &.

أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى بفعل مرضاته والبُعد عن محرماته تكونوا من عبادِه المتّقين الذين وفَّقهم وأسعدهم ربُّهم في الدنيا، وآتاهم حسنَ الثواب في الأخرى.

عباد الله، إنّ زعْمَ المجرمين أن التفجير والتدمير إصلاح وجهاد يمثل غاية الافتراء على الله وعلى شرعه وعلى سنة رسوله. في خطبة الجمعة الماضية بيّنا أن من صدّق هؤلاء أو عذرهم أو برّر فعلهم فهو مشارك لهم فيما اقترفته أيديهم الآثمة من شر. ولكل فكر إرث، وقد ورث هؤلاء البغاةَ المحاربين قتلةَ الخلفاء الراشدين الأئمةِ المصلحين بحجة القربى إلى الله.

ونقول: إن ما يفعله الأعداء في أي مكان من العالم أمر غير مستغرب ولا مستنكر، فلا ننتظر من العدو إلا مثل ذلك وأكثر منه، والتاريخ شاهد بمثل تلك الفظائع أحيانًا، وأحيانًا أخرى بأفظع منها. ولكن ماذا يريد منّا بنو جلدتنا والمتكلمون بألسنتنا؟! ماذا يريد منّا من نستقبل قبلتهم ونأكل ذبيحتهم؟! ماذا يريد من يزعم الإسلام واتباع منهج من سلف من بلاد شعارها"لا إله إلا الله"ودستورها كتاب الله وأهلها لا يعرفون إلا الإسلام دينًا؟! ماذا يريدون؟! وإلى ماذا يسعون؟! أتُرى قد عادت العزة للمسلمين؟! أتُرى قد دبّت الروح في الميتين؟! أتُرى دحر عدوّ المسلمين إذ وجهت سهمك لجسد الأمة، وجعلت الجهاد فيها لا من أجلها ولا معها؟!

عباد الله، إن الحرب إن وجّهت للمسلمين فإن أول مقصود بها أنتم، وإن حرابًا توجّه لجسد هذه البلاد حتمًا نتيجته نصر تلك الحرب ودعمها، فلن يحرر القدس تفجير في الرياض، ولن يطعِم أهلَ الفلوجة قتلُ المسلمين في هذه البلاد، بل هو والله جزء من تلك الحرب، يسعر نارها أولئك الجهلة الحاقدون؛ ليضعفوا قلب الأمة النابض، وليشغلوا قادتها في أمور فرعية، ويشغلوا أبناءها في أنفسهم فلا يلتفتون لإخوانهم، ولا يشعرون بآلام أمتهم.

أيها المسلمون، إن روعة الرياض الأخيرة خنجر يطعن قلب الأمة، ويضعف قوتها، ويجعلها لقمة سائغة للعدو، إذ به تتفرق الكلمة، وتضعف الهمة، وتصبح المصيبة مضاعفة، إذ إن الجهاد ليس فيه قتل الآمنين، ولا الاعتداء على المسالمين، ولا ترويع عباد الله المسلمين، مشيرًا إلى أن من أراد أن يرفع راية الجهاد خفّاقة في سماء العز والسؤود يجب عليه أولًا أن يجمع الكلمة ويوحّد الصف، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"فهذا إخبار منه تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا اصطفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان"، قال:"وقوله: بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ ملتصق بعضه في بعض، من الصف للقتال"، قال ابن عباس: (مثبت لا يزول) ، وقال قتادة:"ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟! فكذلك الله عز وجل يحب أن لا يختلف أمره". وإن الله صفّ المؤمنين في قتالهم وصفّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عصمة لمن أخذ به.

عباد الله، وعلى هذا فإن من قام بفعلته الشنيعة في الرياض العزيزة لم يرصّ الصفّ أبدًا، بل أراد خلخلته، وأراد تفريقه، وكان ـ شاء أم أبى، علم أو جهل ـ حربة من حراب العدو، وسهمًا من سهامه، وخنجرًا في يده، يفتك به ويقتل، وما فعله ينصر الأعداء ولا يخذلهم، ويقوّيهم ولا يضعفهم، وإن سمّاه جهادًا فهو ـ وايم الله ـ جهاد منكوس، واتجاه معكوس، وتفكير منحوس، فهو جهاد مع العدو لا ضده، وصدق الله إذ يقول: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8] .

عباد الله، وإلا فكيف يقتل امرؤ نفسه وهو يراها مسلمة ويرجو لها الشهادة، ويقتل معها أنفسًا معصومة ويسفك دماءً محرمة بغير حق ظلمًا وعدوانًا، ويسلّط بندقيته على من جعلهم الله له إخوانًا؟! أين هو من وعيد الله تعالى لمن قتل نفسًا مؤمنة متعمدًا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ؟! فإذا نادى المنادي يوم القيامة أن قفوهم إنهم مسؤولون، ووقف هذا القاتل الأثيم بين يدي رب العالمين، وجيء بابنة الثالثة عشرة، تلك الطفلة التي كانت في محضن أهلها، آمنة مطمئنة، ترجو أن تمتد بها الحياة فتتزوج وتنجب رجالًا يعبدون الله ويسبحونه، فقيل لها: قدّمي شكواك، فسألته والرب يسمع، وهو الحكم في تلك الساعة العصيبة: لم قتلتني؟ لم حرمتني الحياة؟ لم أحرقت فؤاد والدي علي حزنًا؟ ما ذنبٌ جنيته؟! ما إثمٌ فعلته؟! فهل أعددت ـ أيها الجاني ـ لذلك الموقف جوابًا؟ّ أتُراك ستحلف بالله إن أردت إلا إحسانًا وتوفيقًا؟! فمن أفتاك؟! فمن علمك؟! أتُراك سألت أهل العلم بالكتاب والسنة، أم اتبعت هواك ونسيت جهلك ومستواك؟! أما علمت أن القضاء في الدماء أول ما يقضى فيه يوم القيامة؟! أما علمت أن زوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم مسلم بغير حق؟! أتُراك جهلت وصية المصطفى وخطبته: (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ) )، وقال: (( وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلاّلًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ).

أيها الإخوة، ألا إنه لا يمكن أن يكون تفجير المباني في بلاد الحرمين جهادًا، بل هو فساد، بل من أعظم الفساد، وإفساد وأي إفساد؟! ومحاربة لله ولرسوله، كما لا يصح أن يكون منهجًا لنبي الرحمة قتلُ الأبرياء وسفك الدماء وتلويث الماء والهواء، وهو الذي نهى أن يشار إلى المؤمن بحديدة أو أن يُروّع، ونفى الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه، وفي الكتاب الذي أنزل إليه هذه الآية: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36] ، فكتاب الله يوصي بالجار ذي القرابة أو الجار اليهودي أو النصراني، كما قال ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم، ويؤثّم من بات وجاره في جواره جائع، أيعقل أن يبيح سفك دمه وترويعه في منزله ونشر الرعب في طريقه وفي مكتبه وعمله؟! وختمت هذه الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أي: مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض، وهذا كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وإن هذه الصفة لا ريب أنها منغرسة في أذهان أولئك المفسدين، إذ لو كانوا يرون الناس بعين الرحمة لما فعلوا ما فعلوه، ولكن أكثرهم يجهلون.

عباد الله، نحن أمة أعزّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلّنا الله، ونحن أمة ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وما فعله الجهلة فتنة للذين كفروا، وصد عن سبيل الله، يمنع الناس من اعتناق هذا الدين ويبغضهم، ولكي يتحقق لنا إخراج الناس من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام وعدله فلا بد من اتباع منهج السلف والسير على صراطهم المستقيم والوقوف عند حدود شرع الله، لا نقترب، ولا نتعدى. وإن قتل النفس بغير حق قرين للشرك في كتاب الله تعالى، كما تقرن الزكاة بالصلاة وبر الوالدين بعبادة الله والحج والعمرة، وسفك الدم الحرام تعد لحدود الله واستهتار بأوامر الله.

فاتقوا الله عباد الله، كونوا على حذر، فلا يزال المرء منكم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، ويوم القيامة يقتص من الشاة القرناء للشاة الجماء نطحتها، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها، فكيف يأمن النار سفاك الدماء؟! وأول دم يسفكه دم نفسه ودم حرمه الله عليه، نبئوني بعلم إن كنتم صادقين، قال تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206] .

وإليكم ـ أيها الإخوة ـ قصة الخارجي عبد الرحمن بن مُلجِِم حيث قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته لعبد الرحمن بن مُلجِم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عن علي، قال:"خارجي مفتر، شهد فتح مصر، وكان ممن قرأ القرآن والفقه، وقرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العباد، وقيل: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاص أن قرب دار عبد الرحمن بن مُلجِم من المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه، فوسع له مكان داره. ذكره ابن يونس في تاريخ مصر". قال الذهبي:"ثم أدركه الكتاب، وفعل ما فعل"، يعني بإدراكه الكتاب ما جاء في حديث ابن مسعود: (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) )الحديث، قال:"وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وكذلك تعظمه النُّصَيْرية. قال ابن حزم: يقولون إن ابن مُلجِم أفضل أهل الأرض، خلّص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره. قال: فاعجبوا ـ يا مسلمون ـ من هذا الجنون". وفي ابن مُلجِم يقول أحد الخوارج:

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره حينًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا

وإن علينا جميعًا أن نحذر دعاة الضلال والفتنة والفرقة، وتحذير من سار في ركابهم، وعلينا السير على الصراط المستقيم المبني على كتاب الله وسنة نبيه. وقى الله بلادنا وجميع بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وكبت أعداء هذه الدولة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى الدين القويم، والهادي إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أيها المؤمنون، كيف تقلب الحقائق في فكر ورثتهم حتى رأوا حسنًا ما ليس بالحسن، وظنوا كما ظن أسلافهم أنهم شهداء، وأن ما يفعلون جهاد ونصرة للدين، وإعلاء لكلمة الله؟! إن يقولون إلا كذبًا، أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14] .

عباد الله، تأمّلوا قصة نبينا مع أسامة بن زيد حين أخبره أنه قتل الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، وهو يقول له: إنما قالها وقاية من السيف، فما زال رسول الله يردد: (( أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟! فماذا تصنع بلا إله إلا الله؟! أشققت عن قلبه؟! فماذا تصنع بلا إله إلا الله؟! ) ).

أيها المغترّون، أتقتلون أناسًا ما زالوا يلهجون بلا إله إلا الله؟! ومجرّد قول: لا إله إلا الله يعصم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وحسابهم على الله، أما سمعتم قول النبي: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )أخرجه الشيخان؟! فأحضروا لربكم جوابكم، وانتظروا يوم العرض عليه كتابكم، وثقوا أن من حرضكم أو استعملكم أو غرر بكم لن يغني عنكم من الله شيئًا، فكل نفس بما كسبت رهينة، إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا.

اللهم اجعل هذا البلد آمنًا رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت