الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, قضايا المجتمع
محمد بن محمد الراجحي
أبها
جامع الموسى
1-تعدد البلاء وتنوعه. 2- مراحل البلاء. 3- حكم البلاء. 4- سؤال الله تعالى العافية. 5- روافع البلاء.
عباد الله، في هذا اليوم أرسل رسالة إلى كلّ مصاب ومصابة، رسالة باعثها الصدق والنصح، وغايتها الذكرى والمواساة، قلمها المحبة، ومدادها الكتاب والسنة، وورقها آذان صاغية وقلوب واعية.
والبلاء متعدّد ومتنوع، فليس محصورًا في شيء واحد، فترى كثيرًا من الناس مصابًا ببلاء يختلف عما أصيب به غيره، وقد تتوالى بعض أنواعه على شخص واحد، وربك عليم حكيم، يقول تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] .
عباد الله، جرت سنة الله تعالى وحكمته بحدوث البلاء للعباد في هذه الدنيا، وللبلاء مع صاحبه مراحل وأحوال، فقد يصاب العبد ببلاء ثم ينفك عنه، وقد يعود إليه، وقد لا يعود، ومن البلاء ما يكون ملازمًا للعبد ما دام على قيد الحياة، وربك عليم حكيم. ومما يشار إليه أن التعزية مشروعة لكل مصاب أيا كان مصابه، لا كما يفعل البعض فيحصر التعزية في الوفاة فحسب.
عباد الله، ليعلم كل مصاب ومصابة وغيرهم من المعافين أن لله في إصابة عبده وأمته حكمًا ونعمًا، علمها مَنْ علم وجهلها من جهل، وبمعرفة ذلك يوفق العبد إلى التسليم والصبر والرضا.
فأولها: علم العبد بسبق القضاء والقدر، وأن ما أصابه مقدر ومكتوب عليه قبل وجوده، فهو واقع لا محالة، فلا مجال للاعتراض والتضجر والحسرة والندب، يقول تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] ، وفي الحديث: (( واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ) ).
وثانيها: أن يعلم العبد أن الذي قضى عليه وقدر ذلك المصاب هو العليم الحكيم، فما نزل به من بلاء فالله يعلمه، وله فيه حكمة، تعالى وتنزه في قضائه وقدره عن الجهل والعبث. واسمع إلى يعقوب عليه السلام، لما قصَّ عليه يوسف عليه السلام الرؤيا، قال في آخر تعبيرها: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6] . ويُخَصُّ المؤمن بأن ربه به رحمن رحيم، فالله أرحم بعبده المؤمن من نفسه، فلا يؤمل إلا خيرًا، ولا يظن إلا حسنًا.
ثالثها: استحضار المؤمن كثرة نعم الله عليه، فإن كان قد أخذ منه قليلًا فقد أعطاه كثيرًا، ولينظر إلى من أسفل منه، فذلك أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه. قال عمر بن الخطاب: (ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم: إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه) .
رابعها: علم العبد بأن البلاء علامة محبة الرب؛ لما فيه من رفع الدرجات ومحو السيئات وتعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فيستيقن العبد أن المحنة تحتها منحة وأن ربه عليم حكيم رحيم. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح". وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) )متفق عليه. وعن أنس قال: قال رسول الله: (( إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ) )، وقال: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من يرد الله به خيرًا يصب منه ) )رواه البخاري، قال سفيان الثوري:"ليس بفقيه من لم يعدَّ البلاء نعمة والرخاء مصيبة". وعن أبي هريرة: قال رسول الله: (( إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يُبَلّغَهُ إياها ) )رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه من طريقه وغيرهما.
خامسها: علم المصاب والمصابة بأن البلاء والصبر عليه سبيل إلى الجنة ونيل ما فيها من النعيم المقيم، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتهون المصيبة ويسلى المصاب. عن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة ) )رواه البخاري. وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) )رواه البخاري. وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء؛ أتت النبي فقالت: إني أُصرع وإني أتكشّف، فادع الله تعالى لي، قال: (( إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيَك ) )، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشّف فادع الله أن لا أتكشّف، فدعا لها. متفق عليه.
سادسها: بروز حقيقة الدنيا للمصابين، وأنها دار أحوالها متقلبة، خلط حلوها بمرها ويسرها بعسرها، فلا تعلق بها، ولا ركون إليها، وأن اللذة الكاملة والنعيم المقيم لا يكون إلا في دار كرامة أرحم الراحمين، فلذلك فليعمل العاملون ويصبر الصابرون.
وقد وصف الله الصابرين بعدما بشرهم بأنهم يقولون معتقدين عند مصابهم: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] ، وهذا القول منهم يتضمن قاعدتين عظيمتين، وإن شئت فقل: عقيدتين:
أولاهما: أنهم لله، خلق من خلقه، وملك من ملكه، في حكمه وتدبيره، يفعل فيهم ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهل يعترض على المالك ويشكى إلى غيره إذا فعل في ملكه ما يشاء؟!
وثانيهما: أنهم إليه راجعون لا محالة، مفارقون لما أُعطُوا، خارجون من الدنيا، ملاقون لربهم وثوابهم إن صبروا، وإنما الأجل المعدود قد يبعد بهم ويقرب.
لما أرسلت بنت النبيّ إليه: إنّ ابني قد احتضر فاشهَدنا، فأرسل يقرئها السلام ويقول: (( إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ) )متفق عليه. وما دام ذلك كذلك فعلام الغمّ والحز ن؟!
واصبر على القدر المحتوم وارض به وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرئ عيش يسر به إلا سيتبع يوما صفوه كدر
قال عيسى عليه السلام للحواريين: أشدّكم جزعًا على المصيبة أشدّكم حبًا للدنيا.
سابعها: أنّ البلاء امتحان للعبد في دينه أيصبر أم يجزع، يقول تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] ، وشدّة البلاء دلالة على عظم الدين، و (( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المراد على قدر دينه ) )، وهذه بشارة ومواساة.
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ويُعرف عند الصبر فيما يصيبه
ومن قل فيما يتقيه اصطباره فقد قل فيما يرتجيه نصيبه
ثامنها: أن البلاء دعوة إلى المحاسبة، فلعل العبد كان مفرطًا في طاعة ربه معرضًا عن سبيله، فيرده الله إليه بذلك البلاء، فيتوب وينيب، فيكشف ما نزل به، وربما صحت الأجساد بالعلل، يقول تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ويقول: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تاسعها: علم المُصاب بقدر النعمة لمَّا يفقدها، وكذلك علم المعافَين بقدرها إذا رأوا فاقدها، فتحصل العبرة والموعظة، وهما طريق الشكر والطاعة.
عاشرها وآخرها: أنه يظهر للناس عامة بالبلاء وأنواعه قدرة الله على خلقه، يصيب من يشاء بما يشاء، ويصرفه عما يشاء، فيورث ذلك عندهم تواضعًا وسكينة وإنابة وخوفًا ورجاء، فيطيعون أمره ويجتنبون نهيه.
عباد الله، ولعل البعض بعد هذا قد يتمنى البلاء لعظم الفضل فيه والصبر عليه والحكم المتعلقة به، وهذا لا ينبغي لمخالفة النصوص الواردة بالنهي عن ذلك بسؤال الله العافية والمعافاة؛ لأن العبد لا يدري ما حاله عند نزول البلاء به أيصبر أم يجزع. عن وسط بن إسماعيل الجبلي قال: خطبنا أبو بكر، فقال: قام رسول الله مقامي هذا عام الأول، وبكى أبو بكر، فقال أبو بكر: (سلوا الله المعافاة ـ أو قال: العافية ـ، فلم يؤت أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة) رواه الإمام أحمد في المسند وإسناده صحيح.
عباد الله، مما يُدفع ويُرفع به البلاء الدعاء والصدقة والتصبر.
فأما الدعاء فيدفع به البلاء ويرفع، في الحديث الصحيح: (( لا يرد القدر إلا الدعاء ) )، فكم من مبتلى دعا الله وألحَّ عليه وتضرع بين يديه فكشف الله ما به وقربه منه.
وأما الصدقة ففي الحديث: (( داووا مرضاكم بالصدقة ) ).
وأما التصبر والصبر فهو البحر الذي لا ساحل له، فلقد أمرنا الله بالاستعانة به، ووعدنا معيته لنا إن صبرنا، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] ، عن أبي يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) )رواه مسلم. ومن حديث أبي سعيد الخدري جاء فيه قول الرسول: (( ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر ) )متفق عليه. وقال في ثوابهم: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ، وقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] .
فالله أسأل لكل مُصاب ومُصابة أن يفرج الهم وينفس الكرب ويرفع الضر ويمحو بالبلاء السيئات ويزيد الحسنات ويرفع الدرجات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.