فهرس الكتاب

الصفحة 1237 من 5777

الفاروق عمر

سيرة وتاريخ

تراجم

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-رؤى رسول الله لعمر. 2- أوليات عمر بن الخطاب. 3- وصية الصديق بتوليه عمر.

4-روائع عمر في خلافته. 5- منع عمر لاستخدام الكفار والاستعانة بهم.

أما بعد:

في الجمعة الماضية كان الحديث عن الصديق أبي بكر ،وهذا حديث عن الفاروق عمر. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قُمص ، فيها ما يبلغ الثديَّ ومنها ما دون ذلك وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين ) ) [رواه البخاري] .

هذا دين عمر ، دين يغطيه ، دين يستره ، فلا يظهر منه إلا كل جميل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الريَّ يخرج في أظفاري ، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب ، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم ) ) [رواه البخاري] .

رجل جمع الله له الدين والعلم ، فأي رجل يكون؟ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (( بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليتُ مدبرًا. فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ ) ) [رواه البخاري] .

بماذا وعن ماذا نتحدث في سيرة عمر ، أنتحدث عن دينه وعلمه ، أو نتحدث عن زهده وورعه وتقواه ، أو عن حكمه وسياسته وعدله ، أو عن شجاعته وقوته وجهاده. حقًا إنك لتحتار وأنت تتحدث عن عمر ، لكن هذه بعض نتف من حياته.

قال ابن سعد في طبقاته: إن أول من سُمي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وإنه أول من كتب التاريخ ، كتبه من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وهو أول من جمع القرآن في المصحف، وهو أول من جمع الناس على قيام شهر رمضان وكتب به إلى البلدان ، وجعل بالمدينة قارئين. قارئًا يصلي بالرجال وقارئًا يصلي بالنساء، وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين ، وهو أول من عسّ في عمله بالمدينة ، وحمل الدرّة وأدب بها حتى قيل بعده: لدرّة عمر أهيب من سيفكم.

وهو أول من فتح الفتوح فتح العراق كله وأذربيجان وفارس والشام ومصر وقتل رضي الله عنه وخيله على الريّ قد فتحوا عامتها.

وهو أول من وضع الخراج على الأرض والجزية على جماجم أهل الذمة. وهو أول من مصر الأمصار: الكوفة والبصرة والموصل، وأنزلها العرب، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

وأول من دون الدواوين ، وكتب للناس على قبائلهم وفرض لهم الأعطيات من الفيء.

وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز، وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشام وحضر فتح بيت المقدس ، ووسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشه بالحصى ، وأمر أن يجاء بالحصى من العقيق. لأنه وادٍ مبارك. هذه بعض منجزات عمر.

لما دنا أجل الصديق رضي الله عنه ، كتب كتابًا في تولية العهد لعمر.

بسم الله الرحمن الرحيم: من أبي بكر إلى عمر بن الخطاب ، وأنا في أول أيام الآخرة ، وآخر أيام الدنيا ، أما بعد: فيا عمر بن الخطاب ، قد وليتك أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أصلحت وعدلت فهذا ظني فيك ، وإن اتبعت هواك فالله المطلع على السرائر ، تعلم يا عمر أن لله حقًا في الليل لا يقبله في النهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل. وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة... حتى قال له في آخر هذه الوصية: فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ، ولابد لك منه ، وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه. يا عمر اتق الله لا يصرعنك الله مصرعًا كمصرعي والسلام.

تولى عمر الخلافة واستلم الحكم في اليوم الذي توفي فيه الصديق ، وبحث عن ميراث أبي بكر ، فإذا هو ثوبان وبغلة ، فبكى وقال: لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر.

تولى عمر ، وصعد المنبر وألقى خطبته العظيمة ، بين فيها سياسته، وأوضح فيها واجباته تجاه الأمة ، وسار في الناس سيرة عمرية ما سمع الناس بمثلها. كان عمر يأخذ الدنيا في يوم ، ويسلمها للفقراء في يوم. تأتيه القوافل محملة بالغنائم والفيء والذهب والفضة على الجمال ، وتدخل المدينة ، وخليفة المسلمين يصلي بالناس في بردته وبها أربعة عشر رقعة تختلف بعضها عن بعض.

قلب إمبراطورية هرقل ، وجعل عاليها سافلها ، وغنم أموالها ، ولا يجد خبز الشعير ليأكله. يقبل الليل ، وتهدأ العيون ، وينام الناس ، فيأخذ عمر درته ويجوب بها سكك المدينة ، علّه يجد ضعيفًا يساعده ، أو فقيرًا يعطيه، أو مجرما يؤدبه.

خرج مرة في سواد الليل فرآه طلحة رضي الله عنه، فذهب عمر فدخل بيتًا، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت وإذا بعجوز عمياء مقعدة ، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا ، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى فقال لطلحة: ثكلتك أمك يا طلحة ، أعثرات عمر تتبع. هذا وعمر خليفة المسلمين.

قدم الأحنف بن قيس مع وفد العراق في يوم صائف شديد الحر على عمر، وكان عمر محتجر بعباءة يهنأ بعيرًا-أي يطليه بالقطران - من إبل الصدقة فقال: يا أحنف ضع ثيابك وهلم ، فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير ، فإنه من إبل الصدقة، فيه حق اليتيم والأرملة والمسكين ، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين ، فهلا تأمر عبدًا من عبيد الصدقة فيكفيك؟ فقال عمر: وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف؟ إنه من ولي أمر المسلمين يجب عليه لهم ، ما يجب على العبد لسيده في النصيحة وأداء الأمانة.

كان راتب عمر من بيت مال المسلمين مقابل أن يتولى الخلافة درهمين كل يوم له ولعياله. وربما احتاج أحيانًا لمزيد ، فيأتي صاحب بيت المال فيستقرضه ، وربما أعسر ، فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه ، فيأتيه به عمر وربما أخرج عطاءه فقضاه.

أخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر مرض مرة فنُعت له العسل ، وكان في بيت المال عُكة بها شيء من العسل ، فخرج يومًا حتى أتى المنبر وقال: إن أذنتم لي فيها ، أخذتها ، وإلا فهي علىّ حرام، فأذنوا له.

وتستمر مسيرة عمر ، ويدخل عام الرمادة ، سنة ثمانية عشر للهجرة ، فيقضى على الأخضر واليابس ، يموت الناس جوعًا ، فحلف عمر لا يأكل سمينًا حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين. وضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتى يباشر بنفسه توزيع الطعام على الناس.

عن طاووس عن أبيه ، قال: أجدب الناس على عهد عمر، فما أكل سمنًا ولا دسمًا حتى أكل الناس قال: أسلم: كنا نقول لو لم يرفع الله سبحانه وتعالى الضائقة عام الرمادة ، لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين.

عن يحيى بن سعد قال: اشترت امرأة عمر لعمر فرقًا من سمن ، فقال عمر: ما هذا؟ قالت: هو من مالي ليس من نفقتك ، فقال عمر رضي الله عنه: ما أنا بذائقه حتى يحيى الناس.

وقف على المنبر يوم الجمعة يخطب الناس ، ببرده المرقع ووالله لو أراد أن يبني بيته بالذهب لاستطاع ، ولو أراد أن يمشي من بيته إلى المسجد على الحرير لاستطاع ، لكنه يقف على المنبر أثناء الخطبة ، فيقرقر بطنه من الجوع فيقول لبطنه: قرقر أو لا تقرقر ، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين.

كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أما بعد: فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته ، وإن أشقى الرعاة عند من شقيت به رعيته. إياك أن ترتع ، فترتع عمالك فيكون مثلك عند ذلك ، مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض ، فرتعت فيها ، تبغي بذلك السمن ، وإنما حتفها في سمنها.

وكتب مرة إلى عتبة بن فرقد وكان قد ولاه على أذربيجان فقال له يا عتبة: إنه ليس من كدّ أبيك ولا من كد أمك. أي إن هذا الذي تأخذه من بيت مال المسلمين ليس من كد أبيك ولا من كد أمك ، ثم قال له: فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ولباس الحرير.

أصدر تعليمات بالمنع من شيء أو نهى عن شيء، وكان إذا جمع أهله وأقاربه وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، والله لا أجد أحدًا منكم فعل ما نهيت عنه إلاّ أضعفت عليه العقوبة.

يأتي الهرمزان مستشار كسرى لابسًا تاجًا من ذهب وزبرجد، وعليه الحرير يدخل المدينة فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: ليس له قصر. قال أين بيته؟ فذهبوا فأروه بيتًا من طين وقالوا له: هذا بيت الخليفة ، قال أين حرسه؟ قالوا ليس له حرس.

وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان

طرق الهرمزان الباب ، خرج ولده ، قال له: أين الخليفة؟ فقال: التمسوه في المسجد أو في ضاحية من ضواحي المدينة ، فذهبوا إلى المسجد فلم يجدوه ، بحثوا عنه ، فوجدوه نائمًا تحت شجرة ، وقد وضع درّته بجانبه، وعليه ثوبه المرقع وقد توسد ذراعه ، في أنعم نومة عرفها زعيم. تعجب الهرمزان مما رأى ، هو الذي فتح الدنيا ودرج الملوك والسلاطين ، ينام بهذه الهيئة ، تحت شجرة ، وقال كلمته المشهورة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

بين الرعية عقلًا وهو راعيها

ببردة كاد طول العهد يبليها

وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

فنمت نوم قرير العين هانيها

وراع صاحب كسرى أن رأى عمرًا

فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملًا

فقال قولة حقٍ أصبحت مثلًا

أمنت لما أقمت العدل بينهمو

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه..

أما بعد:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناسٌ محدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر ) ) [رواه البخاري] . وعنه رضي الله عنه أيضًا قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ فعمر ) ) [رواه البخاري] .

أيها الأحبة: مما اشتهر به عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه الشروط التي وضعها على أهل الذمة من النصارى الذين كانوا يعيشون مع المسلمين في بلادهم التي فتحها المسملون. والتي عرفت فيما بعد بالشروط العمرية. من إلزامهم بإكرام المسلمين ، والتمييز عنهم في اللباس والأسامي وغيرها، وأن لا تكون بيوتهم أرفع من بيوت المسلمين ، وأن لا يظهروا الصليب حتى في كنائسهم ، ومن باب أولى في شيء من طرقات المسلمين ، وأن لا ينشروا كتبهم ، أو يظهروها في الأسواق ، كل هذا وغيرها من دفع الجزية عن يد وهم صاغرون ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولقد كان رضي الله عنه يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة ، أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله ، قال أبو موسى الأشعري قلت لعمر: إن لي كاتبًا نصرانيًا. فقال: مالك قاتلك الله ، أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض.

ألا اتخذت حنيفًا مسلمًا: قال قلت يا أمير المؤمنين ، لي كتابته، وله دينه ، قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدنيهم إذ أقصاهم الله.

وكتب إليه خالد بن الوليد ، إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوم خراج الشام إلا به ، فكتب إليه عمر: لا تستعمله ، فكتب خالد: إنه لا غنى بنا عنه ، فرد عمر: لا تستعمله ، فكتب خالد: إذا لم نستعله ضاع المال. فكتب إليه عمر: مات النصراني والسلام.

لقد كانت هذه السياسة العمرية الحكيمة من منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين ، أو جعلهم مستشارين ، أو حتى كتبة ، هذه السياسة مستوحاة من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ، عندما لحقه مشرك ليقاتل معه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني لا استعين بمشرك ) ).

كان عمر رضي الله عنه يقوم في الناس في مواسم الحج فيقول: إني لا أبعث عليكم عمالي ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم ، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم ، ويحكموا فيكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فمن فُعل به سوى ذلك فليرفعه إليّ.

وما كنت عند وعد الهوى تتأخر

وشابت ليالينا وما كنت تحضر

فإن جيوش الروم تنهى وتأمر

وجيشك في حطين صلوا فكبروا

وفي بيت لحم قاصرات وقصر

وهل شجر في قبضة الظلم يُثمر؟!!

تأخرت عن وعد الهوى يا حبيبنا

سهرنا وفكرنا وشابت دموعنا

أيا عمر الفاروق هل لك عودة

رفاقك في أغوار شدوا سروجهم

نساء فلسطين تكحلن بالأسى

وليمون يافا يابس في حقوله

اللهم رحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ،اللهم رحمة اهد بها قلوبنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت