العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-شرح الآيات الأُول من سورة البقرة. 2- بيان بعض أحوال المؤمنين. 3- بيان بعض
أحوال الكافرين. 4- بيان مطول لأحوال المنافقين. 5- فضل سورة البقرة. 6- فضل آية
الكرسي.
الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.
أيها الإخوة: (الم) من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه... وهي من كلام الله المعجز والذي تحدى به فصحاء العرب.
(ذلك الكتاب) : أي هذا الكتاب القرآن العظيم، (لا ريب فيه) : لاشك من أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق.
(هدى للمتقين) : رشد وبيان للمتقين وكما قال تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمى.
والمتقون هم الذين يجتنبون ما حرم الله ويعملون بطاعته... الذين يؤمنون قولًا واعتقادًا وعملًا بالغيب، يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وبالجنة والنار والقيامة وكل ما أخبر الله عنه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب.
(ويقيمون الصلاة) : أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها، من تلاوة وركوع وسجود وتشهد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
(ومما رزقناهم ينفقون) : على الأولاد والأزواج والفقراء والمساكين وفي سبيل الله ويؤدون الزكاة وينفقون في ما أحل الله لهم دون إسراف ولا تبذير ولا مخيلة والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ويؤمنون بالقرآن وبالكتب السماوية وبالأنبياء والرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وباليوم الآخر والصراط والميزان هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون على رشد وبصيرة وهم الفائزون والناجون. هذه أربع آيات مرت في صفات المؤمنين: أهل التقوى، الناجون بإذن الله يوم القيامة، وهم أهل الجنة.
ثم جاءت الآيتان اللتان تبينان حال الكفار... أهل النار والعياذ بالله. قال تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون فهؤلاء متساو لديهم تخويفهم أو عدمه، لأن الله قد حكم بعلمه السابق بكفرهم وبقائهم في الشقاوة والعياذ بالله، فطبع على قلوبهم فلا تفهم خيرًا ولا تعيه، ولا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وعلى أبصارهم غطاء فلا يرون نور الهدى ولهم عذاب عظيم: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم.
والكفر أيها الإخوة: على أربعة أحوال كفر إنكار، وهؤلاء هم الملاحدة، وكفر جحود، ككفر إبليس وفرعون، وكفر عناد، ككفر أبى طالب حيث قال:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا
وكفر نفاق كمنافقي المدينة الذين ظهروا في عهد النبي صل الله عليه وسلم ويظهرون في كل عصر ووقت. والنفاق هو الإقرار باللسان وعدم الاعتقاد بالقلب، فالمنافقون يظهرون الإسلام ويؤدون الشعائر ولكنهم يبطنون الكفر وهذه الحالة ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات الثلاثة عشر التالية.
قال تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.
يعتقدون بجهلهم أنهم بذلك يخدعون الله عز وجل وأن ذلك ينفعهم كما يخدعون المؤمنين. فيعتبرونهم من المؤمنين ويجرون عليهم أحكامهم، ولكنهم يوم القيامة يكونون مع الكفار في النار فما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.
في قلوبهم مرض ، شك، فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون لأنهم يظنون بفعلهم هذا من الخداع والنفاق، وما يستفيدون منه في الحياة الدنيا أنه صلاح فلا يشعرون بما هم فيه من الفساد ولا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب جزاء كفرهم ونفاقهم والعياذ بالله. يستهزئون بالمتمسكين بالكتاب والسنة ويعتبرونهم أنهم هم السفهاء ويتندرون بهم في مجالسهم وخلواتهم، فإذا قيل لهم: آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ، فلكل واحد منهم وجهان: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون فهذا جواب لهم ومقابلة على صنيعهم حيث يأتون يوم القيامة خلف المؤمنين فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون ، أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال ثم طفئ ذلك النور وبقيت نارًا تأجج ذات لهب واشتعال، فهم بتلك النار معذبون وفي تلك الظلمات يعمهون أو كصيبٍ من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين.
صاب عليهم صيب الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وضعفت بصائرهم عما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه وعجزت أسماعهم عن تلقي ما فيه، فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التيه والعمى والعياذ بالله.
أيها الإخوة: هؤلاء هم المنافقون المذبذبون المراءون، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ولا يذكرون الله إلا قليلًا، لهم من الفصاحة والبلاغة وجمال في الأجسام كأنهم خشب مسندة، أحدهم يشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.
هذه صفات المنافقين الذين ينتشرون بين المسلمين ويتكلمون بلغتهم ومن بني جلدتهم، وهم أشد على الإسلام من الكفار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ) )لأنه يستخدم هذه اللغة والفصاحة في تضليل الأمة وكل واحد منهم يتلون بألوان عدة، وله وجهان يأتي لكلٍ بوجه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين ) )ومن كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار والعياذ بالله كما جاء عن النبي صل الله عليه وسلم.
أقول هؤلاء خطر على الأمة لأنهم يتكلمون لغتنا، وأسماؤهم مثل أسمائنا، وزيهم مثل زينا، ويصلون ويصومون ويحجون. ولكن من رأى مجالسهم ومقالاتهم وآراءهم لعرفهم في لحن القول يتحاكمون إلى الطاغوت ويوالون اليهود والنصارى ويشاركونهم في أعيادهم ويصرفون اهتمام الأمة إلى التوافه من الأمور كالاهتمام بالآثار والتفاخر بها والاهتمام بالتاريخ الجاهلي وسيرتهم، كل ذلك حتى يفصلوا الأمة عن سيرة نبيهم والخلفاء الراشدين وإماتة روح الجهاد في نفوس الشباب والاستسلام لليهود والنصارى. نسأل الله العافية والسلامة.
إن سورة البقرة من السور العظيمة، يقول أهل العلم: إن فيها ألف أمر وألف نهي وألف خبر، وفيها أعظم آية في القرآن ألا وهي آية الكرسي التي من قرأها في يوم لا يقربه شيطان، ومن قرأها دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت، هذه السورة العظيمة من قرأها في بيته فإن الشيطان لا يدخله كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم فإن الشيطان لا يدخل بيتًا يقرأ فيه سورة البقرة. اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركه وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة ) ). كما أن الآيتين اللتين في آخرها من قرأهما في ليلة كفتاه، كما ثبت عن النبي صل الله عليه وسلم بذلك، وأنه حض على قراءتها حيث قال: (( اقرءوا هاتين الآيتين اللتين في آخر سورة البقرة فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش ) ).
أيها الإخوة: إن في هذه السورة حصن من الشيطان وحصن من السحر فلماذا لا نحصن بيوتنا وأنفسنا بقراءة هذه السورة داخل البيوت؟ لماذا هذا التهافت من الناس على الدجاجلة والمشعوذين، لماذا نسهل دخول الشيطان في بيوتنا بالاستماع إلى المعازف وتعليق الصور وفعل المعاصي والمنكرات، فإذا ما أصاب أحدنا شيء من المس أو السحر... هرعنا إلى السحرة.. فنقع في مصيبة عظيمة، مصيبة في الدين، حيث من ذهب إلى كاهن وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ونترك الشفاء والعلاج الذي بين أيدينا وكأننا لا نصدق نبينا صل الله عليه وسلم في ذلك والعياذ بالله.
إخواني احذروا من الوقوع في الموبقات وعليكم بفعل الطاعات واقرءوا هذا القرآن في بيوتكم وحفظوه أبناءكم واتبعوا ما فيه من الأحكام تسعدوا في الدارين وتفوزوا برضى رب العالمين. اللهم وفقنا لفعل الطاعات وترك المنكرات، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.