الرقاق والأخلاق والآداب
أخلاق عامة
خالد بن صالح باجحزر
مكة المكرمة
جامع السندي
1-الإسلام دين العزة والجد والعمل. 2- معنى علو الهمة. 3- فضل علو الهمة. 4- الحث على علو الهمة. 5- مواقف لأصحاب الهمم العالية. 6- أسباب علو الهمة.
وبعد: فالإسلام دين العزة والمجد، دين المحبة والجد، فلا كسل ولا خمول ولا ذلة في الإسلام، ومن هنا فإنّ ديننا الحنيف يحثّ على علوّ الهمة ورفعة العزيمة وقوة الإرادة، ففي الحديث الصحيح عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول: (( إن الله تعالى يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها ) )رواه الطبراني في الكبير. هذا الحديث فيه إعلاء لهمم المسلمين لكي يتّصفوا بما يحبّه ربُنا عز وجل من معالي الأمور؛ حتى تزكو النفوس، وترتقي إلى الدرجات العلا، وتبتعد عن سفاسف الأمور وسيّئِ الأخلاق، قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 7 -10] .
ولا بد للمرء أن يتعرف على هذا الخلق الجميل، ألا وهو علو الهمة، فما الهمة إذًا؟ جاء في لسان العرب لابن منظور:"الهمة واحدة الهمم، والمهمات من الأمور: الشدائد المحرقة"، وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط:"الهمة ما هُمّ به من أمر ليُفعل".
أخي الغالي، معالي الأمور لا يبلغها إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية، فالجنة محفوفة بالمكارة، قال ابن القيم رحمه الله:"كمال الإنسان بهمة ترقّيه وعلمٍ يبّصره ويهديه، فمراتب السعادة والفلاح تتحقّق للعبدِ من هاتين الجهتين".
وأعلى الناس همة وأرفعهم قدرا من لذتهم في معرفةِ الله تعالى ومحبته والشوق إلى لقائه، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58] .
فالهمة العالية خُلقٌ سام ومسلك رائع، تحبه النفوس، وتهفو إليه القلوب، وكما أن الطائر يطير بجناحيه كذلك يطير المرء بهمته، فتحلقُ به إلى أعلى الأفاق.
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتِي العزائم وتأتِي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وتكبر في عينِ الصغير صغارُها وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
إن عالي الهمة يجودُ بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته وتحقيق بغيته؛ لأنه يعلم أن المكارمَ منوطة بالمكارة، وأن المصالحَ والخيراتِ واللذاتِ والكمالات كلها لا تُنال إلاّ بالمشقة، ولا يُعبر عليها إلا على جسرٍ من التعب، قال ابن القيم رحمه الله:"وقد أجمع عقلاء كُلّ أمةٍ أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، فلا فرحةَ لمن لا همّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا راحةَ لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا، وإذا تَحمّل مشقةَ الصبر ساعة قادته لحياةِ الأبد، وكل ما فيه أهلُ النعيم المقيم فهو صبر ساعة".
أحبتي، قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: متى يجدُ العبدُ طعم الراحة؟ فقال: عند أولِ قدمٍ في الجنة.
أحزانُ قلبي لا تزولْ حتى أُبشّرَ بالقبولْ
وأرى كتابي باليمينْ وتُسَرّ عيني بالرسول
وديننا الحنيف يدعوُ المؤمنين إلى علو الهمة، فمن أسمائه سبحانه وتعالى العليّ، قال ابن الأثير رحمه الله:"العليّ الذي ليس فوقه شيءٌ في الرتبة".
أخي الحبيب، لقد علَّم الرسول صحابته الكرام علوّ الهمة في كل شيء حتى في الدعاء، جاء في الحديث يقول رسول الله: (( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ) )رواه البخاري. ويوجه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام سؤاله لربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه: (( سل يا ربيعة؟ ) )فلم تكن همّة ربيعة لتنصرف إلى سقط الأرض ومتاع الدنيا الدنيء، بل كانت همته أعلى ومقاصده أسمى، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة. رواه مسلم.
وذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابهِ صيدُ الخاطر:"من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدونِ دنيّ". ومن أجمل ما قيل في فضل الهمة ما جاء في كتابِ الفوائد لابن القيم رحمه الله قال:"النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العليَّة لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك، والنفوس الحقيرة بالضد من ذلك"، يقول أيضا رحمه الله:"الحياة الطيبة إنما تُنالُ بالهمةِ العالية والمحبةِ الصادقة والإرادةِ الخالصة، فعلى قَدْرِ ذلك تكونُ سعادةُ المرء". قال بعض السلف رضوان الله عليهم: قدر الرجل على قدر همته، فمن الناس من همته في الثرى يعني التراب، ومنهم من همته في الثريا يعنى أعالي الأمور.
إذا أظمأتك أكفُ الرجالِ كفتك القناعةُ شبعًا وريّا
فكن رَجُلًا رِجْلُه في الثرى وهامةُ همَّته في الثريَّا
ولذلك كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يردّد هذه الأبيات الجميلة ويقول:
إذا ما ماتَ ذو علمٍ وتَقوْى فقد ثلمتْ من الإسلامِ ثُلمه
وموتُ الحاكم العدلِ المولَّى بِحكمِ الأرض منقصةٌ ونقمه
وموتُ فتًى كثيرُ الجودِ محلٌ فإنّ بقاءه خصبٌ ونعمه
وموتُ العابدِ القوَّام ليلًا يناجي ربه في كلِ ظلمه
وموتُ الفارسِ الضّرغامِ هدمٌ تشهدُ له بالنصرِ عزمه
فحسبك خَمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تَخفيفٌ ورحمه
وباقي الْخلق هَمجٌ رُعاعٌ وفي إيجادهم للهِ حِكمه
وإليك أخي الحبيب بعض المواقفِ لأصحاب الهمم العالية ملؤوا حياتهم بجلائلِ الأعمال، فشهدتْ لهم الأمة بعلو الهمة، وسجَّل لهم التاريخ تلك المآثر: فهذا نوح عليه السلام عالي الهمة بقدر ما بينته الآياتُ في كتابِ الله تعالى، يقول الحق سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت: 14] ، فقد مكث يدعو قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاما، ومع ذلك لم ييأس ولم يتعب، حتى إن بعضَ أهلِ التفسير ذكروا أنه لم يستجب له إلا في حدود المائتين على أكثر تقدير، وقال بعضهم: الذين استجابوا لدعوته ثمانون شخصا، وإذا قلنا: إن الذين استجابوا له مائتا فرد فإن نوحًا عليه السلام يكون قد أمضى خمسَ سنوات مع كلِ فرد منهم حتى يستجيب لدينِ الله تعالى. وأما الإمام الشافعي رحمه الله فقد سُئل يوما: كيف طلبتَ العلم؟ فقال: طَلبُ المرأةِ المضلّة ولدها ليس لها غيره.
معشر الكرام، صاحبُ الهمة العالية يتطلع إلى جنة وارفة الظلال، ويأمل في قبرٍ يكون له روضةً من رياضِ الجنان؛ لذا فهو في عبادة لا تنقطع، صلاةٌ خاشعة، وعينٌ دامعة، وقراءةٌ للقرآن دائمة. أصحاب الهمم يترفعون عن سفاسف الأمور، قال بعض الحكماء:"الهمةُ راية الجد".
أحبتي، أختم حديثي بذكر بعض الأسباب التي تساعد على كسب علو الهمة نذكر منها:
أولًا: قوةُ الإيمان باللهِ عز وجل وسلامة العقيدة.
ثانيًا: تلاوةُ القرآن الكريم بتدبرٍ وتعقل.
ثالثًا: قراءةُ سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأفضل ذلك سيرة الحبيب الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.
رابعًا: حضورُ مجالس العلم وحلقات الذكر.
خامسًا: الدعاءُ والتضرع إلى الله بأن يرزقه همةً عالية.
سادسًا: البعدُ عن الترف والنعيم الذي يلهى المرء عن طاعة ربه عز وجل.
سابعًا: قبولُ النقد البنَّاء والنصيحةِ الهادفة.
ثامنًا: حُسنُ النية وإخلاصُ العمل لله تعالى.
تاسعًا: البذلُ والسخاء.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الهمم العالية، وأن يصلح قلوبنا ويتقبل منا، ويتجاوز عنّا بعفوه وكرمه وجوده.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
لم ترد.