فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 5777

السوق(شروط البيع)

فقه

البيوع

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-حال الناس اليوم في البيع والشراء

2-شروط البيع وبيان كل شرط وذكر أمثله عليه

أما بعد:

بدأنا حديثنا في الجمعة الماضية عن السوق وقلنا بأنه حديث طويل ، فكان حديثًا عن جملة نصائح وآداب ، أما اليوم ، فالكلام سينصب على شروط البيع.

لكن قبل ذلك ينبغي أن يُعلم بأن كثيرًا من أخلاق أهل الإيمان قد تلاشت عند كثيرين في أبواب البيع والشراء ، فأصبحت تجد المسلمين في بيعهم وشرائهم على أسوأ حالة.كثير من الناس اليوم تذهب بركة بيوعهم وشرائهم لأنهم أناس جشعون ، إذا ذكر القرش والريال طار من ذهنه ذكر الجنة والنار ، أصبحت لا تشعر بالصدق عند بيعك وشرائك ، اسمع أخي الحبيب إلى هذه القصة والتي أنقلها لك من صحيح البخاري ، لترى العجب في الصدق والأمانة والإخلاص في تبايع أولئك وماذا كانت نتائج مثل ذلك البيع.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اشترى رجل من رجل عقارًا له ، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض ، ولم أبتع منك الذهب ، وقال الذي له الأرض، إنما بعتك الأرض: وما فيها - بمعنى أنها لك - فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه ، ألكما ولدٌ قال أحدهما: لي غلامٌ ، وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا ) ).

تأمل أخي الكريم إلى حسن المعاملة ، والأمانة من الطرفين ، ماذا كانت النتيجة ، لقد قرب ذلك البيع والشراء بينهما حتى أصبحا متصاهرين، وفي المقابل تأمل في العلاقة بين الباعة والمشترين في هذا العصر ، منذ أول لحظة يطأ المشتري بقدمه المحل ، والبائع يفكر كيف يضحك عليه ، والمشتري يضع في حسابه أن هذا عدو له يريد نهب ماله ، وعلى إثرها تكون طريقة المساومة بينهما ، ثم إذا قُدر بينهما تبايع تنتهي العلاقة بعد أول خطوة يضعها المشتري خارج المحل.

أما فكرت يا أخي ، في أبواب الحياة الدنيا الأخرى لا يوجد إلا بيع وشراء فقط في المحلات ، لو صدقته أيها البائع ، ثم صدقته أيضًا أنت أيها المشتري بإخلاص وأمانة ، وكانت العلاقة حسنة بينكما ، لربما تكونت صداقة ، ثم مودة ، ولربما تكونت مصاهرة ، مثل ما سمعتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا نفهم البيع والشراء فقط قبض ثمن ودفع سلعة.

أسأل الله جل وتعالى أن يصلح أحوالنا.

أيها المسلمون: ومن كبريات مشاكل أسواقنا قلة فقه الناس بأحكام البيوع ، ورحم الله ذلك الزمن الذي كان لا يبيع أحد في السوق إلاّ وهو متأهل في مسائل البيوع ، عارف لأحكامه ، وقد كان في بعض أمصار المسلمين يمر الفقهاء على أصحاب الدكاكين ، ويسألونهم عن عويص المسائل ، والباعة يجيبون ، والذي لا يجيب يعزل من السوق ، ولا يُسمح له بالبيع ، فماذا عساك أن تقول عن باعة هذا الزمان الذي لا أظن أنه سيجيب لو سألته عن أبسط مسائل الطهارة ، والله المستعان.

وأما عن شروط البيع ، فأرعني سمعك بارك الله فيك:لأنك لا تخلو إما أن تكون بائعًا أو مشتريًًا.

الشرط الأول: التراضي: فلا يصح البيع من مكره بلا حق ، لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما البيع عن تراضٍ ) )أخرجه ابن ماجة. فالرضى شرط من شروط البيع وتمامه ، فلا يجوز غصب إنسان على بيع أرضه أو مزرعته، ولو حصل هذا فالبيع غير صحيح.

ومثل ذلك لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلًا ، أُحرج منك، فباع عليك ، فلا يجوز لك أن تشتري.لأنه غير راضي.

الشرط الثاني: أن يكون كلًا من البائع والمشتري جائزي التصرف مكلفين ، فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن وليه ، قال الله تعالى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم فإذا أذنا لولي سواءً كان أبًا أو زوجًا ، صح البيع ، وكل هذا فيما فيه قيمة مرتفعة ، أما الأشياء اليسيرة ، التي جرت العادة إعطاء الصبي إياه فلا بأس ، كأن ترسل ولدك الصغير ليشتري خبزًا ونحو ذلك مما جرت العادة ، ولهذا لو ذهب الصبي الصغير بغير علم والديه، واشترى أشياء فلك إرجاعها لأن البيع لم يصح أصلًا.

الشرط الثالث: أن يكون المباع طاهرًا مباح النفع ، فيجب أن يكون المباع مباح المنفعة ، وما حرم منفعته ، حرم بيعه ، كآلات اللهو والطرب ، فإنه لا يجوز بيعها ، لأن منفعتها محرمة ، ومثله أشرطة الغناء المسموعة ، وأشرطة الأفلام المرئية ، فإن كل هذا حرام ولا يجوز بيعه ، فليتق الله أولئك الذين لا عمل لهم إلا بيع هذه المحرمات ، أكلهم وشربهم من هذا البيع الحرام ، ألا فليعلموا أن كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به.

وما لا نفع فيه أيضًا الحشرات ، فإنه لا يصح بيعها ، فبذل المال فيها إضاعة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، ويدخل في هذا الشرط أيضًا ، الكلب ، فإنه لا يجوز بيعه ولا شراءه ، لأنه نجس ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومن قتل كلبًا فإنه لا يضمنه لصاحبه ، فثمنه هدر ، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم اقتناءه لثلاثة أمور فقط: الحرث والماشية والصيد. وعند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان ) )وأنا أسأل: هل يجمع الشخص في اليوم قيراطان.

وأيضًا مما لا يصح بيعه ، الميتة لقول النبي صلى الله عليه وسلم، (( إن الله حرم بيع الميتة ) )فأورد الصحابة رضي الله عنهم إيرادًا فقالوا: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ، فإنه تطلى بها السفن أو تدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا. هو حرام ) ). أي مع انتفاع الناس بها فهي ميتة يحرم بيعها ، ويستثنى من الميتة ، السمك والجراد، فيجوز بيعها ولو ميتًا.

الشرط الرابع: أن يكون البائع مالكًا للمبيع يجب أن يكون البائع مالكًا لبضاعته ، وفي قبضته وحوزته ، وفي مستودعه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: (( لا تبع ما ليس عندك ) )رواه الإمام أحمد ، فنهاه أن يبيع ما ليس عنده ، ومما يدخل في هذا الشرط أنه لا يصح بيع ما ينبت في الأرض من كلأ وعشب وشوك ، ومثله مياه العيون والآبار ، لا يجوز بيعها ، لأنها ليست ملكًا لأحد ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار ) ).

فهذه لم تخرج بقدرة الإنسان ، بل بقدرة الله عز وجل.أما إذا أخرجها الإنسان وحازها وملكها وصارت في حوزته فله بيعها.

ومما يدخل في هذا الشرط أيضًا ، وهو شرط ملك المبيع أراضي المسلمين ، فإنها ليست ملكًا لأحدٍ بعينه ، فلا يجوز بيعها ، ولهذا لو أجمع المسلمون كلهم ، من أولهم إلى آخرهم ، عربهم وعجمهم ، واتفقوا على أن يبيعوا أرض فلسطين ، على اليهود ، لا يصح هذا البيع ، ولا يجوز ، لأنهم لم يمتلكوا حتى يبيعوا.وبهذا يُعلم العبارة الباطلة ، التي طالما رددها الجهلة (الأرض مقابل السلام) . بأي حق ، وبإذن من تتصرف ، وتعطي الأرض مقابل السلام - زعموا.

الشرط الخامس: أن يكون مقدورًا على تسليمه. لأن ما لا يقدر على تسليمه ، شبيه المعدوم ، فلا يصح بيعه ، ومثل الفقهاء رحمهم الله لهذا الشرط ، فقالوا كبيع الطير في الهواء ، والسمك في الماء ، فكل هذا غير مقدور على تسليمه ، فلا يصح بيعه ، والبيع في مثل هذه الحالة عده الفقهاء من الغرر ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ، أخرجه مسلم.

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم.

أقول هذا القول...

أما بعد:

الشرط السادس من شروط صحة البيع ، أن يكون المبيع معلومًا عند البائع والمشتري رؤية أو صفة ، فإن لم يكن معلومًا صار جهالة ، وجهالة المبيع غرر ، والغرر منهي عنه ، فالمشتري لابد أن يرى المبيع ، أو يصفه له البائع وصفًا تكون بمنزلة الرؤية ، كأن يقول له ، عندي سيارة لونها كذا ، وصفتها كذا ، وفيها كذا وكذا.حتى يتخيل المشتري وكأنه ينظر إليها ، ويكون الواصف أمينًا ، عندها يجوز البيع ، ولو لم يرها لأن الوصف هنا يتنزل منزلة الرؤية.

ويصح بيع العينة ، كأن ترى عينة من سلعة ، ويكون الباقي مثلها، ولا يشترط أن تراها كلها ، خصوصًا فيما ينضبط كالمصنوعات الحديثة.

ويدخل في هذا الشرط أن بيع العمى وشراءه صحيح ، وإن كان لا يرى فلديه من الحواس ما يغنيه عن البصر.

ومما يدخل في هذا الشرط أنه يجوز بيع ما مأكوله في جوفه ، وإن كان لا يرى ، كالرمان والبطيخ ، والبيض ، فيصح بيع ما مأكوله في جوفه ، لأنه جرت العادة بذلك ، وتعامل الناس به من غير نكير ، ولأن في فتحه إفسادًا له.

الشرط السابع: أن يكون الثمن معلومًا.

فلا يجوز البيع بدون تحديد الثمن ، وبسببه تحصل الإشكالات بين المسلمين. إن تحديد الثمن مهم عند البيع والشراء ، ولهذا عده الفقهاء شرطًا حتى يقطعوا الخصومة بين المتبايعان.

أيها الأحبة: وبعد خطبة الجمعة الماضية والتي تعرضنا فيها لشيء من منكرات الأسواق وما يحصل فيها ، وحذرنا أولياء الأمور من بعض الباعة وذكرنا شيئًا من أوصافهم صار ولله الحمد نوع تفاعل مع الموضوع الذي طرح فجاءتني ورقة من بعض أصحاب المحلات القريبة الغيورين ، وما يجري حولهم ، وهم بلا شك أدرى بأحوال السوق لأنهم يعيشون فيها ويقضون جل أوقاتهم فيها ، أسأل الله أن يعينهم.

اقرأ الورقة عليكم كما وصلتني تمامًا وبخط أصحابها وأحذر مرة أخرى أولياء الأمور أن ينتبهوا على نساءهم ومحارمهم ، فالأسواق فيها فساد عظيم ، وعندما تكلمت في الجمعة الماضية عن منكرات الأسواق ، لم أكن أتخيل بأن الخرق متسع إلى هذا الحد. نسأل الله السلامة والعافية.

أما الورقة فيقول صاحبها:...

ربنا آتنا في الدنيا حسنة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت