فهرس الكتاب

الصفحة 3689 من 5777

لماذا لا نلتزم بشرع الله؟! 1

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

الكبائر والمعاصي, قضايا دعوية

عبد الرحمن بن عبد الجبار هوساوي

الظهران

جامع جامعة الملك فهد

1-حقائق نتجاهلها كثيرًا. 2- أسباب عدم الالتزام بشرع الله تعالى: ضعفُ الإيمان، ضعفُ الشخصية، عدمُ القناعة العقلية، تتبع سقطات العلماء، التعلقُ بالأوهام، المفاهيمُ الخاطئة، الحياةُ سبهللا بلا هدف، الأمنُ من مكر الله، اليأسُ من رحمة الله، التعرضُ للفتن وأوكارها.

أيّها الإخوة، أليس اللهُ خالقنا ورازقنا؟! أليس بيده حياتُنا وموتُنا؟! ألسنا عبيدًا له وملكًا له؟! إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] ، أليس هو الذي اختار لنا الإسلامَ دينًا؟! الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، أليس أعداؤنا يرهبوننا فقط إذا تمسكنا بديننا؟! أليس اللهُ قد ربط نصرَنا بالتزامنا بديننا؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] . الجواب على كل هذه الأسئلة بالإيجاب، فإذا كان الجواب: بلى فلماذا إذًا لا نلتزمُ بديننا؟! وما الذي يمنعنا ويعيقنا والثمرة نجدها في الدنيا قبل الآخرة؟! لا أجد لنا مثلًا أصدق من قول المعرّي:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماءُ فوق ظهورها محمولُ

تأملت في نفسي وتساءلت ثم سألت إخوةً من الرجال والنساء ومن الأطفال والشباب: لماذا لا نلتزم بشرعنا مع أنه هو الأصل؟! فالأصل في المسلم أن يكون مسلمًا، أي: مستسلمًا لله ولأمره في منشطه ومكرهه، عَقَله أو لم يَعْقِلْه. أضف إلى ذلك أننا ـ معشرَ البشر ـ أضعفُ مخلوقات الله وأعقلُها، لكننا أكثرها تمرّدًا على الله، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18] ، وقال تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54] ، وجدتُ أن الأسبابَ ثلاثةٌ إجمالًا وعشرون تفصيلًا.

أسبابٌ تعود إلى الفرد نفسه، وأخرى يشترك معه في المسؤولية المجتمعُ والبيئةُ، وثالثة تتحمل مسؤوليتها المؤسساتُ المتنوّعةُ. وهذه الأسبابُ متداخلة، لكن أهمّها وأخطرها ما يعود على الفرد نفسه، لماذا؟ لأن مسؤوليةَ إنقاذِ الإنسانِ نفسَه من النار مسؤوليةٌ فردية لن يُسألَ عنها ابتداءً المجتمعُ ولا المؤسّسات فضلًا عن الأعداء، بل: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] . ولو أن الإنسانَ حَصَّنَ نفسَه لكان أثرُ هذه الصوارفِ والأسباب خفيفًا أو منعدمًا، وكما سترونَ معي أن هذه الأسباب رغم أنها حقيقيةٌ لكنها ليست مبررًا مقبولًا، بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14، 15] . وما أجملَ هذه القاعدة: قبلَ أن تطالبَ الناسَ بحقوقك أدِّ واجباتك.

وإليك الأسبابُ مفصلة: ضعفُ الإيمان واليقين، ضعفُ الشخصية، عدمُ القناعة العقلية، التعلقُ بالأوهام، المفاهيمُ الخاطئة، الحياةُ سبهللا بلا هدف، الأمنُ من مكر الله، اليأسُ من رحمة الله، التعرضُ للفتن وأوكارها، خداع النفس بتتبع سقطات العلماء. تلك عشرة كاملة لمن كان مع نفسه صادقًا.

أيّها الإخوة، أما ضعفُ الإيمانِ فلا شك أنه سبب مباشرٌ، بل هو أبو الأسباب في عدم الالتزام، ولأهميّته بدأ القرآنُ التربيةَ به، ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت: (إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصّل وفيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أولُ شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا) . فالعلاقة طردية بين قوة الإيمان والتزام شرع الله، لكن من المسؤول عن ذلك؟ أليست مسؤوليتك الفردية؟! أليس الناس يتفاوتون في الجنة على أساس الإيمان قوة وضعفًا أم أنك زاهد في المنافسة على درجات الجنة؟! وإذا ضعف الإيمانُ واليقينُ سهل الوقوعُ في المعصية، بل ألفها وأصبح عبدًا للشهوات الصادّة ولم يصبر عنها، وغدَا أسيرًا للشيطان يتلاعب به كيف يشاء. صحيح أن الشهواتِ مزينةٌ وتميلُ إليها النفس، لكن طريقَ الجنةِ محفوف بالمكاره؛ ليُعلَمَ الصادقُ من الكاذبِ، كما قال: (( حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ) )أخرجه البخاري.

وكذلك ضعفُ الشخصيةِ عائقٌ آخرُ؛ فهو يؤدّي بهذا الإنسانِ أن يكونَ إمّعة؛ إن أحسن الناسُ أحسنَ، وإن أساؤوا أساء، فهو أبدًا في التقليد الأعمى، وضعفُ شخصيته وذلتُه جعلت قرناء السوء يؤثرون عليه سلبًا، فأصبح مجاملًا على حساب دينه، وهذا الضعف يجعله ـ رغم قناعتِه بالاستقامة ـ مُحْجِمًا عنها وخائفًا من البشر أن ينسبوه إلى التزمُّت والتطرف والإرهاب.

كم من إنسان حدثته نفسه بالتزام شرع الله والتمسك بسنة المصطفى ، لكنه خاف أن ينسب إلى التطرف والتزمت، وكم من امرأة عرفت أن الإسلام وحده هو الذي أعزها ورد إليها كرامتها المسلوبة في كل الجاهليات القديمة والحديثة، فأرادت أن تلبس لباس الحشمة والحياء والعفة والوقار، لكنها خافت من كلام البشر وسخريتهم، فآثرت مشاقة الله على مخالفة رغبات البشر وشهوات النفس بسبب الذلة وضعف الشخصية.

يا عبد الله، ويا أمة الله، أليس لكم في رسول الله أسوة حسنة؟! فقد قيل عنه: مجنون وساحر.. فهل ضره ذلك أو انتقص من مكانته؟! ثم كيف تخشى من البشر وهم مساكين ولا تخشى من رب البشر؟! وهؤلاء الذين هِبتهم في الدنيا اعلم أنهم سيكونون أول المتبرئين منك وهم بين يدي الله أذلاء صاغرين، وصدق الله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ [البقرة:166] .

وسببٌ آخرُ هو عدمُ القناعة العقلية ببعض الأحكام، من المكابرة وسوء الأدب مع خالقك أن تقول: أنا غير مقتنع بهذا الحكم، سواءً قلته بلسان الحال أو المقال. يجب أن تعلم ابتداءً أنه لا تعارض بين العقل والدين؛ لأن المصدرَ واحدٌ، فهو خالقُ العقلِ ومنزلُ الوحي، فمن أين يأتي التعارض؟! لكن العقلَ لقصوره قد تغيبُ عنه أشياء، لذلك فإن إقحامَ العقلِ المجردِ دون ضوابط شرعية سوّغ للبعض عدمَ الالتزامِ بحكم الله؛ لأن عقله هو المقياس، واستمع كلامَ من ألغوا العقل عند ورود النص، يقول علي بن أبي طالب: (لو كان الدينُ بالرأي ـ أي: العقل المجرد ـ لكان أسفل الخُف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله يمسحُ على ظاهر خُفيه) أخرجه أبو داود.

وفي الغالب إقحامُ العقل لردِ الحكم أو الفتوى سببه مخالفةُ الحكم للواقع، لكن غاب عن العقلانيين أن الواقع بيد الله يقلبه كيف يشاء ومتى شاء، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] .

تتبّعُ سقطاتِ العلماءِ: لا يخلو عالم من هفوة واجتهاد مرجوح لا يعتدّ به، فتجد غيرَ الجاد يتلمس هذه الهفوات والمرجوحات، يخادع نفسه باتخاذها عذرًا ومبررًا، زاعمًا أن له دليلًا، وقديمًا قال العلماء:"من تتبع الرخص تزندق"، أي: رخص العلماء وليس رخص الرسول ، فالأخذ بها فضيلة واتباع لمرضات الله، وفي الحديث: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه ) )أخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.

ويقال لمتتبعي الرخص المرجوحة قول الرسول لوابصةَ بن معبد: (( استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفسُ واطمأن إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ).

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة...

ومن هذه الأسباب المفاهيمُ الخاطئةُ أيّها الإخوة، القرآن نزل بلسان عربي فهو يفهم من جهة كلام العرب، ومع كونه عربي فالحجة في فهم النبي وتطبيقه وأصحابه من بعده.

ومن المفاهيم التي يتلاعبُ بها من يريد تبريرَ عدمِ التزامه بحكم الله إلا على هواه دعوى الوسطية وأن الدين يسر، وهو كذلك لكن كثيرًا ما ينطبق عليه قول علي: (كلمة حق أريد بها باطل) . فاستحلالُ المحرمات أو التفريطُ في الواجبات ـ وليس الكلام في المستحبات والمكروهات ـ بحجة أن الدين يسر لن يغير الحكم، وقد بوب البخاري رحمه الله:"باب: ما جاء فيمن يستحلُّ الخمر ويسميه بغير اسمه"، واستشهد بقول النبي: (( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الْحِرَ ـ الفرجَ أي: الزنا ـ والحريرَ والخمرَ والمعازف ) ).

ومن هذه المغالطات يقول لك: الدين المعاملة، ولا أعلمه حديثًا بل هو قول، وعلى افتراض أنه حديث فالمعاملة الحسنة وهي مطلوبة لا تغني عن الالتزام، ومثله الحديث الصحيح: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ).

الأمن من مكر الله واليأس من رحمته خلقان مذمومان صدّ أناسًا عن التزام شرع الله، بعضهم غَلَّبَ جانبَ الرجاء دون أي عمل بدعوى أن الله غفور رحيم، ونسي أو تناسى أنه شديد العقاب، وهذا الأمن أدى به إلى تسويف التوبة، وزعم أن قلبه نظيف ونيته صادقة، لقد رد الحسن رحمه الله على مثل هذا فقال:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وإن قومًا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم قالوا: كنا نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".

ثم اعلم أن من الفِرَق المنحرفة عقديًا (المرجئة) كانت هذه دعواهم، العمل غير مهمّ، المهمّ النية الطيبة وحسن الظن بالله. ويقابل هؤلاء أهلُ اليأس بسبب إفراطهم في المعاصي، أين هم من قول رسول الله: (( ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد ) )رواه مسلم؟! أما سمعوا حوار اللّعين مع ربه؟! قال رسول الله: (( إن الشيطان قال: وعزتك ـ يا رب ـ لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ) )أخرجه الحاكم، أفبعد هذين الحديثين يكون يأس وقنوط؟!

ومنها اللامبالاة، فتجدُ الواحدَ يعيش سبهللا بلا هدف، في غفلة عن المصير، فأنىّ لمثله أن يفكر مجرد تفكير في الالتزام؟!

التعرضُ للفتن، يقود الإنسان نفسه طوعًا إلى مواطن الفتن، سفرًا أو مشاهدة، فيشغل قلبه بتلك الصور التي تجعله أسيرًا مكبلًا بلا قيد، صريعًا بلا ثمن، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [ الحج:11] ، وأنىّ لصريع الهوى أن يلتزم بشرع الله والهوى قد ملأ قلبه وفكره؟!

التعلق بالأوهام: ظن بعضهم أن الالتزام يحرمه الملذات ويجعله مكبوتًا، فآثر السلامة من الكبت. وما عرف أن المكبوت والمكبّل من استرقته الشهوات، أما أهل الطاعة فوالله لا يتحسّرون على شهوة فاتَتهم، بل يحمدون الله على السلامة وأنها لم تفتِنهم، وكما قال أسلافهم:"والله، إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".

ثم من الذي حرم الشهواتِ الحلالَ؟! قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32] ، أما تركُ الالتزام خوفًا من فوات الشهوة المحرمة بالالتزام فيا له من عذر أقبح من فعل.

أخي في الله، كن صادقًا مع نفسك وتجرد لله يوفقك، ادعُه أن يشرح صدرك للالتزام بدينه، ويثبّتك إن كنت مستقيمًا.

فوالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

وصدق القائل:

ما لم يكن عون من الله للفتى فأوّل ما يجني عليه اجتهاده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت