الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الإيمان بالجنة والنار. 2- تذكير الله عبادة بالجنة ليعملوا لها. 3- صفة الجنة ونعيمها. 4- الحث على العمل الصالح والاستقامة على الهدى.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن من الإيمان باليوم الآخر الإيمانَ بالجنة والنار، فالمؤمن يؤمن بالجنة التي وعد الله بها المتقين، ويؤمن بالنار التي أعدها للكافرين، يؤمن بهما، وأنهما حقيقتان موجودتان، كما دلَّ القرآن والسنة على ذلك، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي قال: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) ) [1] . فإيمان المسلم بالجنة يقتضي منه بذل الجهد والسبب بالأعمال الصالحة، عسى الله أن يتفضل عليه برحمته، فيجعله من سكانها فضلًا منه وكرمًا، والله ذو الفضل العظيم. ولن يدخل أحد منا الجنة بعمله، وإنما الأعمال سببٌ، ورحمةُ الله جل وعلا فوق ذلك.
أيها المسلم، لقد ذكَّر الله عباده المؤمنين بهذه الجنة ونعيمها: وَبَشّرِ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَـ?ذَا ?لَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـ?بِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْو?جٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [البقرة:25] ، إِنَّ ?لْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ فِى جَنَّـ?تٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَـ?بِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَـ?هُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـ?كِهَةٍ ءامِنِينَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ?لْمَوْتَ إِلاَّ ?لْمَوْتَةَ ?لأُولَى? وَوَقَـ?هُمْ عَذَابَ ?لْجَحِيمِ فَضْلًا مّن رَّبّكَ ذَلِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [الدخان:51-57] .
إن إيمان العبد بهذا النعيم المقيم يقتضي منه العمل والجد والاجتهاد، في الحديث: (( ألا من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) ) [2] ، وَ?للَّهُ يَدْعُو إِلَى? دَارِ ?لسَّلاَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يونس:25] ، وقد أمرنا الله بالمسارعة إلى العمل لأجلها: وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَ?لضَّرَّاء وَ?لْكَـ?ظِمِينَ ?لْغَيْظَ وَ?لْعَـ?فِينَ عَنِ ?لنَّاسِ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] ، سَابِقُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ [الحديد:21] .
أيها المسلم، فإن إيمانك بها الجازم يقتضي منك دائمًا وأبدًا أن تكون الجنة نصبَ عينيك، تسأل الله دخول هذه الجنة، تسأل الله الفوزَ بدخولها والتمتع بنعيمها، فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
في هذه الجنة ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. مفتاحها لا إله إلا الله، أسنانُ ذلك المفتاح شرائع الإسلام، فمن أتى بالمفتاح بأسنانه فُتح له، ومن أتى بمفتاح لا أسنان له فيوشك أن لا يدخلها. أبوابُها ثمانية، من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي: يا عبد الله هذا خير، من كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، من كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، من كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، من كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، وربما دُعي العبد من هذه الأبواب كلها لمن وفَّقه الله للمسابقة في الأعمال الصالحة.
أيها المسلم، ما بين المصراعين من مصارع باب الجنة كما بين مكة وهَجَر، وليأتين عليه يومٌ وهو كظيظ من الزحام. بناءُ هذه الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، بلاطها المسك، حصباؤها الياقوت واللؤلؤ، ترابها الزعفران، في الجنة غرفٌ يُرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها باطنها. للمؤمن فيها خيمةٌ من لؤلؤة واحدة مجوّفة طولها ستون ميلًا. في الجنة شجرة يسير الجواد المضمَّر فيها مائة عام ما يقطعها، يلتقي في ظلها أهل الغرف، يتحدثون فيما بينهم. غراسُها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. جنتان فِيهِمَا مِن كُلّ فَـ?كِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52] ، وجنتان فِيهِمَا فَـ?كِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] ، الأسماء كالأسماء في الدنيا، والمسمى غير المسمى. ذُللت قطوفها تذليلًا، يأكل منها المسلم فيها وهو قائم بسهولة، ويأكل منها وهو جالس بسهولة، ويأكل منها وهو مضطجع بسهولة، ما قُطع منها خلفه غيره، يُعطى المؤمن قوة مائة في الأكل والشرب ليتمتَّع بما هيَّأ الله من ذلك النعيم المقيم والخير الدائم الكثير. أَمنوا من الموت، وأمنوا من الهرم، وأمِنوا من المرض، وأمنوا من الخوف، فلا ينقص نعيمهم، ولا يخشون من زواله، هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [المجادلة:17] . يناديهم مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحِّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. أنهارها: نهرٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ لا يتغير، نهر مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فلا يلحقه حموضة أو فساد، نهرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـ?رِبِينَ لا يصدِّع الرأسَ ولا يفسد العقل، نهر مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى [محمد:15] . تجري تلك الأنهار من غير سواقٍ ولا أخدود، يصرِّفونها كيف يشاؤون. يطوف على خدمتهم وِلْد?نٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان:19] ، يطوفون عليهم بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ بَيْضَاء لَذَّةٍ لّلشَّـ?رِبِينَ [الصافات:45، 46] ، بآنية مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:16] . إنهم في نعمة عظيمة وفضل كبير، أزواجٌ مطهرة من الحيض والنفاس وكل قذر، عُرُبًا أَتْرَابًا لأَِصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ [المعارج:37، 38] ، عُرُبًا متحببات لأزواجهن، أَتْرَابًا في سن واحد. هذه نعمة عظيمة هم فيها، وأعظم ذلك كونُ الله راضيا عنهم، وَرِضْو?نٌ مّنَ ?للَّهِ أَكْبَرُ ذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [التوبة:72] . وأعلى نعيمهم وأكبره وأفضله نظرُهم إلى وجه الله في دار كرامة الله، فينظرون إلى وجه الله، يناديهم مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيِّض وجوهنا؟! ألم يسكنَّا الجنة؟! ألم ينجنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إلى وجهه، فما أعطوا نعيمًا أكثر من هذا النعيم. ينادون أهلَ النار مذكِّرين لهم نعمة الله عليهم: وَنَادَى أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ أَصْحَـ?بَ ?لنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا [الأعراف:44] . إذا استقر بها قرارُهم قالوا: الحمد لله، حمدوا الله على هذه النعمة التي هم فيها، دَعْو?هُمْ فِيهَا سُبْحَـ?نَكَ ?للَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [يونس:10] .
فيا أيها المسلم، ارغب فيما عند الله من الثواب، إنها دار الكرامة، إنها دار النعيم المقيم، تحتاج منك في هذه الدنيا إلى أعمال صالحة خالصة لله، محافظةً على فرائض الإسلام، بعدًا عن نواهيه، قيامًا بالواجب، أخذًا بكل سبب يوصلك إليها، ورحمةُ ربك فوق كل هذا.
فارغبوا فيما عند الله، واطمعوا في فضل الله، فإنها دار النعيم المقيم التي لا انقضاء ولا زوال لنعيمها.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من سكانها، وأن يمنَّ علينا باللقاء فيها جميعًا على أحسن حال، إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3435) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (28) .
[2] أخرجه الترمذي في الزهد (2450) وعبد بن حميد (1460) من طريق يزيد بن سنان التميمي عن بكير بن فيروز عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر"، وصححه الحاكم (4/343) ، لكن تُعقِّب، فإن يزيد بن سنان ضعيف، وبكير بن فيروز مقبول، قال ابن طاهر ـ كما في فيض القدير (6/123) ـ:"الحديث لا يصح مسندًا، وإنما هو من كلام أبي ذر".غير إلا أن للحديث شاهدًا يتقوى به، ولذا صححه الألباني في الصحيحة (2335) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن الله يقول: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ خَـ?لِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف:13، 14] ، قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ، واستقاموا على العمل الصالح، استقاموا على الهدى، فإن العمل الصالح إذا استقام العبد عليه ودام عليه يُرجى له برحمة أرحم الراحمين أن يوفَّق للخير. وقال: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت:30-32] .
سأل النبي رجلًا من أصحابه فقال: (( ما دعاؤك في صلاتك؟ ) )قال: يا رسول الله، إني أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال: (( حول هذا نُدندن ) ) [1] .
فغاية المسلم طاعة ربه، والتماس رضاه، والطمع فيما وعد الله به عباده المتقين من هذا النعيم المقيم.
فارجوا رحمة ربكم، ارجوا رحمة ربكم، وجدُّوا في العمل الصالح، واسألوا الله الثبات على الحق والاستقامة عليه، فربكم أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه ابن ماجه في الإقامة (910) وفي ا لدعاء (3847) من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (868) . وأخرجه أحمد (3/474) ، وأبو داود في الصلاة (792) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ، وذكره الألباني في صحيح أبي داود (710) .