الإيمان
الولاء والبراء
أحمد فريد
الإسكندرية
غير محدد
1-وصف الله النصارى بالضلال واليهود بالمغضوب عليهم. 2- وجوب معاداة الكافرين
وبغضهم وتحريم موالاتهم. 3- قصة حاطب بن أبي بلتعة. 4- اضطهاد المسلمين في ارتيريا وأثيوبيا.
ثم أما بعد:
اعلموا عباد الله أن الله عز وجل قد هدى الناس ببركة نبوة محمد ، وما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين به عموما، ولأولي العلم منهم خصوصا، من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة شيئا عظيما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى.
قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله وهو جالس في المسجد - فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، قال: فقام بي فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا، ثم تكلم ساعة ثم قال: إنما يفرك أن تقول الله أكبر أو تعلم شيئا أكبر من الله؟ قال: قلت: لا، قال: فإن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال.
قال: فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا ( [1] ) .
وقد دل الكتاب على معنى هذا الحديث، من وسم النصارى بالضلال، واليهود بالغضب.
قال الله عز وجل في النصارى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة إلى قوله عز وجل: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل [المائدة:72] .
وقال عز وجل عن اليهود: فباءوا بغضب على غضب [البقرة:90] .
ووسم النصارى بالضلال، لأن كفرهم من وجهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ووسم اليهود بالغضب لأن أصل كفرهم عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه قولا أو عملا.
ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة وغيره يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
واعلموا عباد الله أن الله عز وجل قد أوجب علينا معاداة الكفار والمشركين، وأكد إيجابه، وحرم علينا موالاتهم وشدد فيها حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده.
فمن الأدلة على تحريم موالاة المشركين قوله عز وجل في سورة النساء: بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا [النساء:138-139] .
إلى أن قال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا [النساء:144] .
فيقول عز وجل منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: أيبتغون عندهم العزة ثم أخبر أن العزة كلها له وحده لا شريك له، والمقصود التهييج على طلب العزة من جانب الله تعالى، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ومن الأدلة كذلك قوله عز وجل: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء [آل عمران:28] .
فنهى سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين ثم قال: ومن يفعل ذلك أي ومن يوال الكافرين فليس من الله في شيء، أي فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد حفظا للإسلام والتوحيد.
وقال تعالى: ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون [المائدة:80-81] .
فرتب الله عز وجل على موالاة الكافرين سخطه والخلود في العذاب، وأخبر أن ذلك لا يحصل إلا ممن ليس بمؤمن، وأما أهل الإيمان بالله وكتابه ورسوله فإنهم لا يوالونهم، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين [المائدة:51-52] .
فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى، وذكر أن من تولاهم فهو منهم، أي من تولى اليهود فهو يهودي، ومن تولى النصارى فهو نصراني، وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر، قال فظنناه يريد هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء الآية وكذلك من تولى المشرك فهو مشرك، لا فرق بين أهل الكتابين وغيرهم من الكفار.
ثم أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في الدين وشبهة يسارعون في الكفر قائلين نخشى أن تصيبنا دائرة أي إذا أنكرت عليهم موالاة المشركين قالوا: نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلطوا علينا فيأخذوا أموالنا ويشردونا من بلادنا، وهذا هو ظن السوء بالله عز وجل.
ولهذا قال تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين وعسى من الله واجبة، والحمد لله الذي أتى بالفتح فأصبح أهل الظنون الفاسدة على ما أسروا في أنفسهم نادمين.
وقال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين [المائدة:57] .
فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين عن موالاة أهل الكتابين وغيرهم من الكفار، وبين أن موالاتهم تنافي الإيمان.
وقد تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون [التوبة:23] .
فنهى سبحانه وتعالى المؤمن عن موالاة أبيه وأخيه اللذين هما أقرب الناس إليه إذا كان دينهما غير الإيمان، وبين أن الذي يتولى أباه وأخاه إذا كانا كافرين فهو ظالم، فكيف من يتولى الكافرين الذين هم أعداء له ولآبائه ولدينه، أفلا يكون هذا ظالما؟ بلى والله إنه لمن أظلم الظالمين.
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليكم توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [الممتحنة:1-4] . إلى أن قال الله عز وجل في آخر السورة: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور [الممتحنة:13] .
وقد ثبت في الصحاح أن هذه السورة سورة الممتحنة نزلت في رجل من الصحابة رضي الله عنهم يسمى حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي إليهم عام الفتح، وأرسله مع امرأة، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، وأخبر نبيه بخبر الكتاب، فوجده في عقيصة رأس المرأة، فجاء الرجل إلى النبي يعتذر ويحلف أنه ما شك ولكنه ليس له من يحمي من وراءه من أهل مكة، وأنه أراد بهذا يدا عند قريش، واستأذن عمر بن الخطاب في قتله، فقال النبي: (( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) ( [2] ) .
فلولا أنه كان من أهل بدل لقتل لهذا الكتاب.
فهذه السورة مع سبب نزولها من الأدلة على وجوب عداوة الكفار، ومقاطعتهم فنهى تعالى أهل الإيمان عن اتخاذ عدوه - وعدوهم أولياء - وهذا تهييج على عداوتهم، ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى، فقدر نفسك مملوكا، وسيدك له عدو من الناس، فهل يصح عندك ويجوز في عقلك أن تتخذ عدو سيدك وليا، ولو لم ينهك عن ذلك ؟! فكيف إذا نهاك عن ذلك أشد النهي، ورتب على موالاتك له أن يعذبك وأن يسخط عليك، وأن يوصل إليك ما تكره، ويمنع عنك ما تحب، فكيف إذا كان هذا العدو لسيدك عدو لك أيضا، فإذا واليته مع ذلك كله إنك إذًا لمن الظالمين.
ثم قال عز وجل: تلقون إليهم بالمودة فسمى الله عز وجل مجرد إرسال هذا الكتاب إلقاء بالمودة، ثم بين عز وجل ما يدعو إلى عداوتهم وهو كفرهم بالذي جاء من عند الله، وإخراجهم النبي وأهل الإسلام لأجل الإيمان بالله، فقال عز وجل: وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ومما يدعو إلى عداوتهم وبغضهم أيضا أنهم يضمرون في أنفسهم أنهم إذا تمكنوا من المسلمين لا يرقبون فيهم إلًا ولا ذمة فقال عز وجل: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون وهذا مشاهد بالعيان فضلا عن الدليل والبرهان، ففي كل زمان وفي كل مكان تكون الغلبة فيه لليهود أو النصارى ويتمكنون من المسلمين يسموهم سوء العذاب.
لما استولت الحبشة على إقليم إرتيريا المسلم، واستلم هيلاسلاسي الكافر السلطة، وضع خطة لإنهاء المسلمين خلال خمسة عشر عاما، وتباهى بخطته هذه أمام الكونجرس الأمريكي، وسن تشريعات لإذلال المسلمين، منها أن عليهم أن يركعوا لموظفي الدولة، وإلا يقتلوا، وأمر أن تستباح دماؤهم لأقل سبب، وأصدر أمره بإغلاق مدارس المسلمين، وأمر بفتح مدارس مسيحية، وأجبر المسلمين على إدخال أبنائهم فيها ليصبحوا مسيحيين.
وعين حكاما فجرة على مقاطعات إرتيريا، بدأ أحدهم عمله بأن أمر أن لا يقطف الفلاحون ثمار أراضيهم إلا بعد موافقته، وكان لا يسمح بقطافها إلا بعد أن تتلف، وأخيرا نهب جميع ممتلكات الفلاحين المسلمين، وأمر أن تبنى كنيسة عند مدخل كل قرية، ولم يكتف بذلك بل وبنى دورا للعاهرات حول المساجد، ومعها الحانات التي كان يسكر فيها الجنود ليبولوا بها ويراقصوا العاهرات وهم سكارى، وكافأه هيلاسلاسي بأن عينه وزيرا للداخلية.
وقد سجل التاريخ على صفحات سوداء ما حدث للمسلمين في أسبانيا والفلبين والأمثلة كثيرة لا تحصى وسبب ذلك شدة البغضاء للإسلام وأهله.
كما قال الله عز وجل: قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفى صدورهم أكبر [آل عمران:118] .
ثم قال عز وجل: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير [الممتحنة:3] .
فبين عز وجل أن كون الرجل له أرحام وأولاد عند المشركين لا يبيح له موالاتهم، كما اعتذر حاطب بن أبي بلتعة ويجب على المسلم أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
ثم بين تعالى أن عدم موالاة المشركين والبراءة منهم هو الصراط المستقيم الذي عليه جميع المرسلين فقال عز وجل: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه فأمرنا الله عز وجل أن نتأسى بإبراهيم الخليل ومن معه من المرسلين في قولهم لقومهم: إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله وقدم البراءة من المشركين العابدين غير الله على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن البراءة من المشركين تستلزم البراءة من معبوداتهم، كما قال الخليل كذلك: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيًا [مريم:48] .
فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، ثم قال عز وجل في خاتمة هذه السورة المباركة: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور [الممتحنة:13] .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل كلمة الحق والدين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، اللهم العن اليهود والنصارى، وصل اللهم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
( [1] ) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.
( [2] ) رواه البخاري عن علي (6/143) الجهاد: باب الجاسوس.
لم ترد.