فهرس الكتاب

الصفحة 2029 من 5777

عيد الفطر 1414هـ

العلم والدعوة والجهاد

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

محمد بن عبد الله السبيل

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1ـ دعوة للتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. 2 ـ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3 ـ الأمر بالمعروف واجب الجميع. 4 ـ خطورة القنوات الفضائية. 5 ـ تسرع بعض طلاب العلم في الفتوى>. 6 ـ أحوال المسلمين في العالم وآلامهم. 7 ـ نصائح عامة للرجل ثم للمرأة المسلمة.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله؛ فإن تقواه هي الحصن المنيع من المخاوف والدرع الواقي من المهالك، من اتصف بها أوتي فرقانًا يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد، وحصلت له الشهادة في الدنيا وفاز بالنعيم المقيم في الأخرى، يقول الله عز وجل: يِـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ?للَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَ?للَّهُ ذُو ?لْفَضْلِ ?لْعَظِيمِ ، واشكروه سبحانه على ما أنعم به من إكمال عدة الصيام وما من به عليكم من الغبطة والسرور في هذا العيد السعيد، الذي يتفضل فيه إلهكم على الصائمين ويكمل لهم الأجر الجزيل، فهو عيد سعيد لأهل طاعته، يفيض عليهم من جوده وكرمه وبره وإحسانه.

واذكروا الله وكبروه على ما هداكم وما حباكم من نعمة الإسلام، فإنه لا سعادة للبشرية ولا هناء للإنسانية إلا في ظل التمسك به والعمل بأحكامه وتطبيقها في جميع الشئون فالتزموا بها أيها المؤمنون، وافرحوا بهدايتكم له قُلْ بِفَضْلِ ?للَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ.

حققوا أركانه التي لا يتم الإسلام إلا بها، حافظوا على صلاتكم وأدوها في أوقاتها بطمأنينة وخشوع، وأخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم، أخلصوا عملكم لله وتمسكوا بهدي رسوله الناصح الأمين، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، اسلكوا سبيله في الدعوة إلى الله؛ فهي من أهم واجبات الدين ومن أفضل الأعمال التي فرض الله على الأمة القيام بها، إنها فريضة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين، فيجب على العلماء الدعوة إلى الله بالحكمة واللين امتثالًا لقوله سبحانه: ?دْعُ إِلِى? سَبِيلِ رَبّكَ بِ?لْحِكْمَةِ وَ?لْمَوْعِظَةِ ?لْحَسَنَةِ ولا بد للدعوة أن تكون على بصيرة، وفق سبيل المصطفى الذي سار عليه هو وأصحابه، نبراسهم في ذلك وقدوتهم التوجيه الإلهي الكريم في قوله عز وجل: قُلْ هَـ?ذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى? ?للَّهِ عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ?تَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ ?للَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ.

دعوة إلى الله، لا لدنيا ولا لطلب جاه أو محمدة عند الناس ولا لحزبية أو قومية أو طلب زعامة، بل دعوة إلى الله وإلى دينه بالحكمة التي سار عليها نبينا الكريم وصحابته الأبرار وجهابذة علماء الأمة المصلحين.

عباد الله، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من أنواع الدعوة إلى الله، وهو من أعظم واجبات الدين إنه سبب لدفع العذاب والعقاب عن الأمة ومن أسباب النصر على الأعداء، إنه سبب لرضاء الله عن خلقه، وتركه سبب لغضبه وأليم عقابه، كم أهلك الله من أمة ولعنها حين تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول سبحانه: لُعِنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْر?ءيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ?بْنِ مَرْيَمَ ذ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـ?هَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ.

ولذا جاء الأمر الإلهي الكريم لنا أمة الإسلام في قوله سبحانه: وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ?لْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُفْلِحُونَ ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي والقيام به يقتضي الالتزام بحدوده وشروطه وقيوده حسب التوجيه النبوي الكريم بقوله: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )فالتغيير باليد لولاة الأمور أو لمن يسندون له القيام بذلك، وعلى العلماء بما حباهم الله من علم وبصيرة تبيين المنكر والنهي عنه باللسان دون تجريح للمأمورين أو تشهير بهم، بل يكون بحكمة ولين ومحبة لهداية الناس، وستر لما قد يقع والبعد عن إشاعة الفاحشة في عباد الله المؤمنين، وبدون أن يكون التغيير سببًا لحدوث منكرًا آخر قد يكون أعظم جرمًا مما يراد تغييره، فأوامر الشرع مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن فاته تطبيق هذه القاعدة العظيمة كان فساده أكثر من صلاحه، وضرره أكثر من نفعه.

عباد الله، إن أناسًا أدت بهم غيرتهم الدينية إلى التجاوز بحدود الشرع بقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنجم عن ذلك فساد عريض وعداوة وبغضاء وخروج على ولاة الأمور وسفك للدماء وهتك للأعراض ونهب للأموال وقطع للسبل، وكل من قرأ تاريخ هذه الأمة واطلع على ما حدث من المنكرات أو سفك دماء الألوف من المسلمين أدرك أن من أسبابه عدم الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الله عز وجل قيد لتلك المآسي المحزنة، والأمور المؤلمة أئمة كانوا هداة مهتدين، أعطاهم الله علمًا وبصيرة في الدين وحكمة في التصرف، وقوة في التنفيذ فوضحوا للناس الحق وأعادوا الأمور إلى نصابها، وردوا من خرجوا عن الصواب بالبيان والسنان حتى استقام الدين واتضح الأمر اليقين وتبصر الناس بدينهم فكان هؤلاء الأئمة مثالًا يحتذى به إلى يوم الدين، وكم وكم حدثت أمور مشابهة في كل زمان ومكان، وكل صحوة وإقبال في الدين لا تخلو من وجود نادة تند أو شادة تشد في غالب الأحوال.

فنسأل الله عز وجل أن يقيد لهذه الصحوة الدينية التي يشهدها عالمنا الإسلامي اليوم من يقودها إلى أقوم السبيل ويرشدها إلى الطريق المستقيم والسير بها على نهج النبي الكريم ومن سار على نهجه من الصحابة والتابعين وسلف الأمة الصالحين والأئمة في الدين.

وإن مما يؤسف له ألا يجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبولًا لدى البعض، فهم يريدون أن يتركوا وشأنهم، يعرضون عن الحق ويسخرون من أهله، عجبًا لأولئك يطلبون من المجتمع الإسلامي أن يعطل واجبًا شرعيًا قرنه سبحانه بالإيمان به، فيريدون رفع الخيرية التي خص الله بها سبحانه هذه الأمة وهي خيرية مشروطة بالقيام بهذا الأمر كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ فعلى من أُمر بمعروف أو نُهي عن منكر أن يتقي الله عز وجل وأن يقبل الحق ممن جاء به، وأن يستجب لأمر الله ورسوله ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ?لْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَ?تَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ.

إن على العلماء والأفراد في بلاد الإسلام القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل على قدر استطاعته ومسئوليته، أما قادة الأمة الإسلامية فالواجب عليهم أكبر، والمسئولية أعظم؛ فعليهم تطبيق شرع الله وتحكيم كتابه والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إن الشعوب المسلمة لا تريد لدين الله بديلًا، ولا ترضى بغير الإسلام حكمًا أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?للَّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

إنه لأمر يندى له الجبين أن تظل كثير من بلاد المسلمين بعيدة عن منهج الإسلام غير حاكمة بما أنزل الله.

أيها القادة المسلمون حكموا شرع الله في بلاد الله على عباد الله تسعدوا بالخير والأمان في دنياكم، وتنعموا بالأجر والنعيم المقيم في أخراكم.

وإننا نحمد الله عز وجل ونشكره ثم نشكر قادة هذه البلاد على ما يقومون به من تطبيق لشرع الله وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله الشرعية حتى عم الأمن في أرجاء هذه البلاد وربوعها.

عباد الله، إن العالم الإسلامي اليوم قد ابتلي بكثير مما تبثه وسائل الأعلام في أنحاء العالم مما فيه خطر على الدين والأخلاق مما يُرى ويسمع، فإن كثيرًا منها يتنافى مع تعاليم دين الإسلام وآدابه، فالله الله في حماية أبنائكم وأسركم أيها الأباء والأمهات، إنكم مسئولون أمام الله عن تربية أبنائكم وأهليكم ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ.

إن أجهزة الإعلام في الدول الإسلامية تتحمل مسئولية كبيرة، فعليها تقع ضرورة الالتزام بمنهج إسلامي بعيد عما يخالف شرع الله، وعليها أن تقدم المنهج السليم الذي يتمشى مع تعاليم ديننا القويم.

إن ثقافة الأجيال المسلمة تعتمد في غالب أحوالها على مناهج التعليم ووسائل الإعلام، فالمسئولية كبيرة والمهمة جسيمة، فعلى رجال الفكر والصحافة والإعلام والتعليم أن يتقوا الله ويراقبوه وأن لا يقدموا للأمة إلا ما يتفق مع تعاليم دينها وأن يكونوا على حذر مما يخطط لها أعداؤها وأن يكونوا سدًا منيعًا يحمي الإسلام وأهله.

وإنا لنشكر لخادم الحرمين على ما وجه به في ختام هذا الشهر الكريم من منع استيراد وتصنيع بعض الأجهزة الإعلامية التي تلتقط ما يبث على نطاق واسع من العالم، مما يحدث البلبلة ويفسد الأديان والأخلاق ويغير الفطر والأفكار، فجزاه الله كل خير على ما يقوم به من إصلاح ودرء للفساد، وحفظه ومتعه بالصحة والعافية.

أيها المسلمون، لقد انتشرت العلوم في هذا العصر وكثر طلاب العلم الشرعي بفضل الله غير أن البعض لم يسلك الطريق الأقوم والسبيل الأسلم في طلب العلم، بل زهد هذا البعض بأمهات الكتب الشرعية كتب التفسير والحديث والفقه والتوحيد والأئمة الأعلام وفقهاء الإسلام، التي بنيت على أساس من الكتاب الكريم وهدي المصطفى الأمين، لقد هجر بعض طلاب العلم ذلك أو بعضه واتجهوا نحو النشرات والأشرطة التي يقوم بعضها على الارتجال، وتبث بين الناس دون تحرير لها أو تثبت عما يرد فيها، فجاء بعضها يناقض البعض، وبعض أصحابها من أولئك الذين لم يصلوا في علمهم الشرعي إلى درجة تؤهلهم للفتوى أو إصدار الأحكام الشرعية في القضايا النازلة والأمور الحادثة، مما تسبب في حيرة البعض وصد الكثيرين عما هو أهم وأنفع، إنها وإن كانت نافعة في الجملة وربما يستفيد منها بعض عامة الناس إلا أن طلاب العلم ينبغي أن يحرصوا على حفظ المتون والتفقه في الدين ومعرفة القواعد والضوابط التي حررها المحققون من أهل العلم خصوصًا في أصول التوحيد والعقائد وأصول الأحكام والمعاملات.

فالله الله أيها الطلاب في أخذ العلم من معينه الصافي، عليكم بالكتاب والسنة وكتب السلف الصالح الموضحة لهما، خذوا العلم من العلماء الراسخين في العلم إياكم أن تلتفتوا إلى بنيات الطريق ومعسول القول والعبارات اللامعة في مبناها القليلة في معناها، أخلصوا نيتكم لله، وألحوا في السؤال والابتهال إليه سبحانه بالدعاء المأثور (( اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ) ).

عباد الله، إنه لمما يؤلم كل مسلم ويدمي قلب كل مؤمن، ما يحدث بين إخواننا في أفغانستان، أولئك الذين حرروا بلادهم، وضربوا أروع الأمثلة في الجهاد، لكن وقع بينهم ما كان سببًا في اختلافهم وتفرق كلمتهم، إن الجموع المسلمة في هذه البقعة المقدسة لتناشد القادة الأفغان بضرورة الاعتصام بحبل الله وتحكيم الشرع والعقل فيما شجر بينهم، والعودة إلى ما تم بينهم من وفاق قبل عام في هذه الديار المباركة على يدي ولاة أمور هذه البلاد، إن عليهم أن يتقوا الله عز وجل ولا ينقضوا الميثاق؛ فإن الله عز وجل يأمر بالوفاء بالعهود واحترام المواثيق كما قال سبحانه: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ?للَّهِ إِذَا عَـ?هَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ?لاْيْمَـ?نَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ?للَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ ?للَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.

إن المسلمين في هذا المجتمع الكريم وهذا المكان الشريف يرفعون أيديهم إلى الله ويتضرعون إليه سبحانه أن يعيذ الإخوة الأفغان من نزغات الشيطان، وأن لا يجعلهم شماتة لأعداء الإسلام وأن يجمع كلمتهم على الحق ويصلح ذات بينهم ويوحد صفوفهم ويحقق الوفاق فيما بينهم ويهديهم إلى طريق الهدى إنه على كل شيء قدير.

أيها المسلمون إن المتأمل لحال الأمة الإسلامية اليوم ليشعر بالأسى الكبير والألم الشديد لما آلت إليه هذه الحال، لقد أصبح أعداء الله وأعداء دينه يسيطرون على مصالح المسلمين، ويسيرون كثيرًا من أمورهم السياسية والاقتصادية بما يخدم مصلحة غير المسلمين، لقد تحول الأمر من الخفاء إلى العلن، ومن السر إلى الجهر، ها هم الأعداء يتحكمون في مصير إخوان لنا في مواطن كثيرة من هذا العالم الواسع، تغتصب أرضهم وتسلب حقوقهم، هذا هو المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين نبينا محمد لا يزال مغتصبًا من قبل فئة معتدية آثمة دنست مقدسات المسلمين واغتصبت أرضهم، تقتل إخواننا في فلسطين وتسلب حقوقهم وتسيطر عليهم وتتحكم بهم منذ زمن طويل.

وها هي المجازر يرتكبها اليهود الغاصبون في أقدس البقاع، بيوت الله، وفي أشرف عبادة، تأدية الصلاة، وفي أفضل الشهور شهر رمضان المبارك، وفي أفضل الأيام يوم الجمعة، إنه لحادث جلل روع المسلمين وأدمى قلوبهم وأكد لمن عميت بصائرهم هذا الحقد الدفين الذي يكنه هؤلاء الأعداء لأمة الإسلام، وفي مكان آخر من عالمنا الإسلامي نرى إخواننا في البوسنة والهرسك يعانون أنواع الظلم، تسفك دماؤهم ويُتم أطفالهم وتهتك أعراضهم من قبل الصلبيين الحاقدين ومن يعينهم من أعداء الإسلام، وإخواننا المسلمون في الصومال وفي الهند وفي كشمير وفي الجمهوريات الإسلامية وغيرها من البلاد، يعانون أنواعًا من الظلم والاضطهاد والفاقة والجوع، كل ذلك يحدث والعالم المتحضر يقف متفرجًا في معظم الأحوال، أين ما يتشدقون به من حقوق الإنسان وضمان حرية الشعوب، أم أن هذه الأمور تخص شعوبًا دون أخرى.

عباد الله، كيف يرتاح لنا بال ويهنأ لنا عيش وهذه أحوال إخواننا في كثير من البلاد، إن مسئولية الأفراد كبيرة في الدعم المادي والمعنوي لنصرة إخواننا المضطهدين في دينهم في كل مكان لتحقيق الإخوة الإيمانية التي عقدها القرآن الكريم بين المؤمنين إنما المؤمنون إخوة.

أما القادة والحكام المسلمون فعليهم تقع المسئولية الكبرى المتمثلة في الوقوف مع إخوانهم المسلمين الذين يعانون من الجور والظلم والعدوان والمجاعات في بلاد كثيرة، وفي بذل جهد أكبر واستخدام الوسائل السياسية والاقتصادية وغيرهما من أجل إيجاد حلول لمشاكلهم، ووضع نهاية لمآسيهم، ولنا أمل كبير في قادة هذه البلاد أن يستمروا في بذل مساعيهم الخيرة المعتادة منهم من أجل نصرة الإسلام والمسلمين.

نسأل الله عز وجل أن يحفظ ولاة أمور هذه البلاد، ويعينهم على ما تحملوا من أمانة وخدمة للإسلام ومواساة لإخوانهم المسلمين واهتمام بشئونهم وإصلاح ذات بينهم وما يقومون به من عناية ورعاية للحرمين الشريفين وخدمة لهذه البلاد المقدسة وما يبذلونه في سبيل راحة المواطنين وغيرهم من قاصدي هذين الحرمين الشريفين زادها الله تشريفًا وتعظيمًا.

كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرع الله على عباد الله، وأن يدلهم على ما فيه الخير للإسلام والمسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نفعني الله وإياكم بالذكر الحكيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله، له الحمد في الحال والأزل، أنعم على عباده وتفضل، وواصل فضلهم علينا وأجزل، نحمده على نعمة الأمن والإيمان، ونشكره على آلائه التي تتوالى علينا كل عام، ونحمده على إتمام شهر الصيام والقرآن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، تفرد بالخلق والتدبير وتعالى عن المثيل والنظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أزكى الورى وأفضل البرية منتدى، وأعلاهم سؤددًا، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد أفضل الخلق درًا وأعلاهم قدرًا وعلى عترته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الأكرمين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله أيها المؤمنون، حققوا إيمانكم بتقوى الله سبحانه وتعالى، اعبدوه حق عبادته واذكروه واشكروه ولا تكونوا من الغافلين، لا تكونوا ممن حذر الله منهم ومن طاعتهم واتباعهم وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَ?تَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا لا تتشبهوا بمن كان قبلكم من الأمم ممن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ونسوا ربهم أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ?للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ?لْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ?لأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـ?سِقُونَ.

ائتمروا عباد الله بأمر ربكم، وانتهوا عما نهاكم عنه واقتدوا بهدي نبيكم واعملوا بسنته وعليكم ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام، أسعفوا المعوزين وتذكروا إخوانكم المضطهدين والمشردين في كثير من البلاد ممن يعانون من شظف العيش وسوء الحال فأعينوهم كما حباكم الله من خير عميم، يسيروا على المعسرين وأعينوا المدينين (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) )إن الصدقة تدفع البلاء وميتة السوء، وبسببها يحفظ المرء في نفسه وولده وأهله وماله.

وعليكم بالصبر الجميل على الأقدار واحذروا الموبقات والأوزار، وإياكم وأكل أموال الناس بالباطل أو المماطلة في حقوقهم، واحذروا الغش والخداع في المعاملات ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين.

أدوا الأمانات كما أمركم الله بها؛ فإنه لا إيمان لمن لا أمانة له، وقروا اليمين بالله في خصوماتكم وفي جميع أحوالكم، وابتعدوا عن الربا فإنه يمحق البركات، ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا، وإياكم والغيبة والنميمة والإفك والبهتان وشهادة الزور وعليكم بالتواضع فإن من تواضع لله رفعه، ومن استكبر وضعه، لا تزدروا من هو دونكم ولا تسعر خدك للناس....فخور أفشوا السلام بينكم وأظهر البشر والابتسام في وجوه إخوانكم لا سيما في يومكم هذا، فهو يوم عيد وسرور وبهجة وحبور.

أيها المسلمون، حسنوا أخلاقكم مع آبائكم وأمهاتكم ومع أزواجكم وأولادكم وأقاربكم وجيرانكم ومع سائر إخوانكم المؤمنين.

أيتها المرأة المسلمة، اعملي بطاعة الله وطاعة رسوله، وقومي بأداء أمانتك في حق زوجك وبيتك وأولادك، التزمي بالحشمة والوقار وابتعدي عن مزاحمة الرجال، ولا تظهري زينتك أمام الأجانب وغضي بصرك عما حرم الله عليك، واحرصي على عدم الخروج من بيتك من دون حاجة، أدي حق الجوار من بذل المعروف وكف الأذى والصبر عليه؛ لتنالي بذلك سعادة الدنيا والآخرة، مُري أولادك بالصلاة، عوديهم على الأخلاق الفاضلة من أداء الأمانة والصدقة والبعد عن الكذب والنميمة؛ فإن الأبناء أمانة في أعناق الوالدين فعليهم أن يحوطوهم ويحموهم عما يؤثر عليهم في دينهم وأخلاقهم.

عباد الله، إن من تمام نعمة الله علينا أن وفقنا لاستكمال شهر رمضان، فينبغي لنا الإكثار من ذكره والقيام بشكره والاستجابة إلى توجيه نبيه الكريم لما ندبنا إليه من صيام ستة أيام من شوال لقوله: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ) )فداوموا رحمكم الله على فعل الطاعات ولا تعرضوا عن إلهكم بعد إقبالكم عليه في شهر الفضائل والحسنات.

واستجيبوا لأمر ربكم بقوله: وسارعوا.... العاملين [آل عمران: ] .

ألا وصلوا عباد الله على الرسول المصطفى، والنبي المجتبى؛ فإن الله أمركم بهذا بقوله: إن الله... تسليمًا اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت