فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 5777

الأمر بحفظ حدود الله

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

أحمد فريد

الإسكندرية

غير محدد

1-شرح حديث: احفظ الله يحفظك. 2- كيف يحفظ الله عباده. 3- منزلة الاستعانة بالله. 4- كل ما هو كائن مكتوب.

ثم أما بعد:

عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (( كنت خلف النبي يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).

رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي: (( احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ) ) ( [1] ) .

هذا الحديث عباد الله شريف القدر، عظيم الموقع، يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني حتى كدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه. قوله: (( احفظ الله ) )يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه فقال عز وجل: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ [ق:31] . وفسر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها، وقوله: (( يحفظك ) )يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [البقرة:40] .

وقال: إن تنصروا الله ينصركم [محمد:7] ، وحفظ الله لعبده نوعان: أحدهما حفظه في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وأهله وماله قال الله عز وجل: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11] . قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه.

ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وقوته وعقله. وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو متمتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته، كما قيل في قوله تعالى: وكان أبوهما صالحًا [ الكهف:82] . الآية أنهما حفظا بصلاح أبيهما، قال سعيد بن المسيب لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: وكان أبوهما صالحًا.

قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه والله غني عنه.

والنوع الثاني: من الحفظ هو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، وقد لا يشعر العبد بذلك الحفظ، وقد يكون كارها له قال تعالى في حق يوسف عليه السلام: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف:24] . وقال ابن عباس في قوله تعالى: أ ن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفال:24] . قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.

وقال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول: للملائكة اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبني فلان وأهانني فلان. وما هو إلا فضل الله عز وجل.

وقوله: (( احفظ الله تجده تجاهك ) )وفي رواية: (( أمامك ) )معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده، قال تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل:128] . قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام والهادي الذي لا يضل.

وكتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف، وإن كان عليك فمن ترجو.

والمعية نوعان: معية خاصة، ومعية عامة، فأما المعية الخاصة ففي مثل قول الله عز وجل لهارون وموسى: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى [الشعراء:62] .

وفي قوله عز وجل حاكيا عن رسولنا الكريم: لا تحزن إن الله معنا [التوبة:40] .

وهي معية النصر والتأييد والحفظ والإعانة، والمعية العامة كما في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا [المجادلة:7] .

وقوله: ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [النساء:108] ، وهي معية الإطلاع والمراقبة، فالمعية الأولى معية الأنس بالله عز وجل والرضا به والتسليم لأمره ونهيه وقضائه وقدره، والمعية الثانية معية الخوف والحذر.

قوله: (( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) )وهذا كقوله: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة:5] ، فالسؤال هو الدعاء والدعاء كما قال النبي هو العبادة.

وقال الله عز وجل: واسألوا الله من فضله [النساء:32] .

وسؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الإعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر، ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.

ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواه، كما قال: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله [يونس:107] وقال: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده [فاطر:2] .

والله سبحانه يحب أن يسأل، ويرغب إليه في الحوائج، ويلحّ في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله، يكره أن يسأل، ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته لذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعوني استجب لكم [غافر:60] .

ويقول بعضهم:

لا تسألنّ بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركت سؤاله وإذا سألت بني آدم يغضب

وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول.

إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده

ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولا، كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك إليه.

قوله: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) )والمراد أن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدور عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له، وقد دل القرآن على ذلك في قوله تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [التوبة:51] . وقوله: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [الحديد:22] . وقوله: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم [آل عمران:154] . واعلموا عباد الله أن هذا مدار الوصية كلها، وما ذكر قبل ذلك وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له إفراد الله عز وجل بالعبادة، والسؤال والتضرع والخوف والرجاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه وإن كان فيه سخط الخلق كلهم، فيعلم العبد عند ذلك أن الأمر لله عز وجل والخلق لله عز وجل كما قال تعالى: ألا له الخلق والأمر [الأعراف:54] .

ويعلم أن الله عز وجل بيده خزائن كل شيء، وأنه عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن نواصي الخلق كلهم بيد الله عز وجل، كما قال تعالى: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [هود:56] .

ويعلم كذلك أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فمدار الوصية على التوحيد وبيان أن الله عز وجل وحده هو المستحق للعبادة، قال تعالى: قل أفرأتيم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هنّ كاشفات ضره أو أرادني برحمةٍ هل هنّ ممسكات رحمته [الزمر:38] .

وقوله: (( رفعت الأقلام وجفت الصحف ) )هو كناية عن تقدم المقادير كلها، والفراغ منها من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا فرغ من كتابته ورفعت الأقلام عنه وطال عهده، فقد رفعت الأقلام وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحف التي كتب فيها بالمداد المكتوب بها فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنن الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير [الحديد:22] .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي قال: (( إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ) ( [2] ) .

وفيه أيضا عن جابر أن رجلا قال يا رسول الله: (( فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر ) ) ( [3] ) .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي قال: (( إن أول ما خلق الله القلم ثم قال: اكتب فكتب في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة ) ) ( [4] ) .

( [1] ) رواه أحمد (4/286،288) ورواه الترمذي (9 /319،320) في أبواب صفة القيامة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وقال ابن رجب رحمه الله: أصح طرق الحديث طريق حنش الصنعاني التي أخرجها الترمذي وهو إسناد حسن لا بأس به - بتصرف من نور الاقتباس في شرح حديث ابن عباس لابن رجب.

( [2] ) رواه مسلم (16/203) القدر: باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام والترمذي (9/321) أبواب القدر.

( [3] ) رواه مسلم (16/197) القدر: باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه.

( [4] ) رواه أبو داود (12/468) السنة: باب القدر ، والترمذي (9/320) القدر ، ورواه أحمد في المسند (5/317) وصححه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت