فهرس الكتاب

الصفحة 1664 من 5777

حديث بني الإسلام على خمس

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

رضا بن محمد السنوسي

مكة المكرمة

السنوسي

1-منزلة الشهادتين. 2- الصلاة والمحافظة عليها. 3- الزكاة حق الفقراء في أموال الأغنياء.

4-الصيام وباب الريان. 5- الحج ومظاهر العبودية لله. 6- دعوة لاجتناب المحرمات.

أما بعد:

أحبابنا في الله: من أجل كرامة الإنسان وسعادة الناس أرسل الله تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلوات الله وسلامه عليه ليكون رحمة للعالمين، فنهض بالرسالة، وهدى الناس إلى الطريق السليم، وأرشدهم إلى الصراط المستقيم، ودعا بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين لهم معالم الدين، وأظهر لهم أركانه التي يقوم عليها، ويرتكز بها.

أخرج مسلم: (16) بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله: (( بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ) ).

هذا الحديث من جوامع الكلم التي نطلق بها ، فقد أبان فيها عن أركان الإسلام، تلك الدعائم التي يقوم عليها هذا الدين الشامخ القوي، فأول هذه الدعائم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويالها من شهادة تعطر بها الأفواه، وتنشرح بها القلوب، وتتهيج بها الأرواح، وتسمو بها نفوس الموحدين. إنها كلمة التوحيد، يقول: (( ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار ) ) [متفق عليه] .

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: (( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه ) ).

إخوة الإيمان: إن شهادة أن لا إله إلا الله عنوان الإسلام، وهي بعينها نور الإيمان، وآية التوحيد، ومعناها لا معبود في الكون بحق إلا الله، ولا خالق ولا رزاق ولا معطي ولا مانع سواه، ولا يفرج كربًا، ولا يغيث ملهوفًا، ولا يجيب مضطرًا، ولا يشفي مريضًا إلا الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يحيي ويميت، ويرفع ويضع، ويعز ويذل، ولهذا وجب علينا - وقد نطقت ألسنتنا بشهادة أن لا إله إلا الله - أن نحققها في واقع حياتنا في كل أمورنا، نخرج من قلوبنا الشرك، فلا نعتمد في أمورنا إلا على الله، ولا نذل أنفسنا لغير الواحد الأحد، الذي يملك خزائن السموات والأرض، إذا سألنا سألناه سبحانه، وإذا رجونا رجوناه، فإن من شهد لله بالوحدانية أسعده وهداه، ومن اعترف له بالربوبية أعزه وحباه، ومن خضع له بالعبودية قربه ونجاه.

فإذا حقق العبد هذه الكلمة وجب عليه أن يتم ما بعدها من أركان هذا الدين، ألا وهي الصلاة، لقد فرض الله علينا الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، وجعل مفتاحها طهارة البدن والثوب والمكان، فيقف فيها العبد فارغًا من الشواغل موجهًا وجهه وقلبه إلى مولاه، نظيف الظاهر والباطن يناجي ربه، ويثني عليه بما هو أهله، خائفًا من عذابه، طامعًا في رحمته، قد حافظ على هذه الصلوات الخمس في المسجد مع الجماعة إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ?للَّهِ أَكْبَرُ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] .

والمسلم مطالب بالمحافظة على هذه الصلوات، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ ) )قالوا: لا يبقى من درنه. قال: (( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) ). فكن - يا عبد الله - ممن حافظ عليها في أوقاتها وأدائها كما أمر الله. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه.

وأما الركن الثالث فهو الزكاة، فلقد فرض الله في أموال الأغنياء حقًا معلومًا للفقراء، سدًا لحاجتهم، وجبرًا لخاطرهم، وتفريجًا لكربتهم، وعونًا لهم على مصالحهم، وهي كذلك تغرس في قلب المنفق فضيلة السخاء، وتطهر نفسه من رذيلة الشح، وتخرج الأحقاد من قلوب اليائسين، يقول مولانا في محكم التنزيل: خُذْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَو?تَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:103] .

والزكاة أمرها عظيم، فهي من ركائز هذا الدين، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي ، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: (( تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان ) ).

قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي: (( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) ).

فطب نفسًا أخي المسلم بإخراج زكاتك للفقراء والمحتاجين، وتلمس المستحقين الذين لا يسألون الناس إلحافًا.

وأما الركن الرابع فهو الصيام، ذلك الركن الذي يربي الإنسان على الصدق والقناعة والعطف على الجائعين، ليعرف مقدار نعم الله، فيشكرها حق الشكر يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .

والصيام أجره عظيم وفضله كبير، أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - عن النبي قال: (( إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد ) ).

إن أجر الصيام عظيم، فأجره مدخر عند الله، وما أعظمه من أجر!.

أما الركن الخامس: فهو الحج وَللَّهِ عَلَى ?لنَّاسِ حِجُّ ?لْبَيْتِ مَنِ ?سْتَطَـ?عَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ?لله غَنِىٌّ عَنِ ?لْعَـ?لَمِينَ [آل عمران:97] .

الحج ذلك الركن الخامس من أركان الإسلام.

إن الحج قد جمع في معانيه وأهدافه كل أركان الإسلام، فهو توحيد خالص لله، يعلنه الحاج في ندائه الخالد: (( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ) )، وهو بذل وإنفاق في سبيل الله، فالنفقة فيه كالنفقة في الجهاد، والحسنة بسبعمائة ضعف.

وفي الحج تظهر العبودية التامة لله تعالى والاستجابة له، والسير على طاعته من إحرام وطواف، ووقوف في عرفة، ودعاء والتجاء وصلاة، ورمي للجمار، وغير ذلك من أمور الحج التي يفعلها المسلم طائعًا لله، ملتمسًا منه الأجر العظيم الذي أعطاه الله لمن حج فلم يرفث ولم يفسق.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) )، وفي رواية عنه قال: (( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ).

إنه جزاء عظيم يسعى إليه كل مؤمن صادق. اللهم اجعلنا من الذين غفرت لهم، وهيأت لهم في الجنة موضعًا.

عباد الله: إن الاعتصام بالدين والتمسك بعروته الوثقى، يهذب النفوس، ويطهرها من الرذيلة وسوء الخلق، ويظهر أثر ذلك في معاشرة وحياة المسلم وفي كل أقواله وأفعاله، إنه مسلم كامل الإسلام، قد عرف حقيقة دينه، فوقف عندها، إيمان وإذعان، تصديق وإحسان، حب وأخوة وإيمان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَيُؤْتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَذَلِكَ دِينُ ?لقَيّمَةِ [البينة:5] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وسلك بي وبكم طريق عباده الصالحين، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين، اللهم ردنا إلى دينك ردًا جميلًا، واجعلنا من المتبعين لنبيك.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا... أما بعد:

أحبابنا في الله: إن الدين كما أمرنا بطهارة القلوب وتهذيب النفوس، كذلك حرم على الناس كل ما يفضي إلى الشقاء، ويوقع العداوة والبغضاء، أو يفسد العقل، أو يحط كرامة الإنسان، ويذهب بحياته وماله، كالقتل والزنا وشرب الخمر، وأكل الربا، وأخذ الرشوة، وحرم الغيبة والنميمة والخيانة والحسد، يقول: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ) [متفق عليه] .

فكن - يا عبد الله - من أولئك النفر الذين حققوا إيمانهم، واتبعوا نهج النبي ، وإياك من النكوص على عقبيك، فقد وقفت بعرفات، وأعلنت الوفاء لله والطاعة له، وحققت ذلك في تلبيتك وطوافك وسائر أفعال حجك، فحافظ على هذا العهد، وأدِّ الأمانة؛ فإن الله خلقك لعبادته، فحقق العبادة كما يحب الله ويرضى، وليكن لك من الحج وأعماله والإسلام وأركانه ما يشد همتك، ويقوي عزيمتك على الاستمرار في طاعة الله وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:99] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت