العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القتال والجهاد, غزوات
علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
1-فوائد من الآيات الأولى من سورة الأحزاب: التقوى رأس كل أمر، النهي عن طاعة الكفار وموالاتهم، الأمر بالتوكل على الله عز وجل والإعراض عما سواه. 2- دور اليهود في تجميع صفوف الأحزاب. 3- ثبات رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم. 4- فضح دخائل المنافقين في غزوة الأحزاب. 5- كيف رد الله عز وجل الأحزاب عن المدينة. 6- وقفة مع الأحزاب اليوم.
في هذه الخطبة نأخذ نموذجًا تطبيقيًا، ننظر فيه إلى المبادئ التوجيهية، وإلى التطبيقات والممارسات النبوية، وإلى القيادات العظيمة من أصحاب رسول الله ، وإلى أدوار الأفراد والمجتمع الإسلامي الأول.
وغزوة الأحزاب قد وقعت في شهر شوال من سنة خمس للهجرة، وفي آياتها تنزلت كثير من آيات سورة الأحزاب، والمبادئ القرآنية كثيرة، لكننا نأخذ ما ورد في هذه السورة في مطلعها، لننظر إليه، ثم نعكسه على تلك الأحداث، ونقارن ذلك كله بما يحيط بنا ويجري حولنا ويدبر لنا.
الله سبحانه وتعالى خاطب نبيه والخطاب له ولأمته: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:1-3] .
هذه مبادئ وقواعد للنظر إلى حقائق معانيها، وإلى صلتها الأساسية العظيمة بالمبادئ والعقائد، التي لا بد من استقرارها في النفوس وسكونها في القلوب.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وتقوى الله رأس الأمر كله.
وقد ذكر ابن كثير عن طلق بن حبيب قوله في التقوى فقال رحمه الله:"أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله".
والمقصود بالأمر بالتقوى الدوام عليها، والثبات عليها، ومع هذا الأمر جاء المقصود الموضح له، وجاء النهي عن المعارض والمناقض له.
وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فإن في طاعتهم مخالفة للتقوى، وانقطاعًا عما ينبغي أن يكون عليه أهل الإيمان، من اتباع لأمر الله عز وجل، واجتناب لنهيه.
قال ابن كثير:"وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ لا تسمع لهم ولا تستشرهم".
والقاسمي في تفسيره يقول:"لا توافقهم على أمر، ولا تقبل لهم رأيًا ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله، وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارة والمضادة".
وهو بيان شافٍ، ونص واضح قاطع، لا يحتاج إلى فلسفة في تأويله، ولا تعسف في فهمه وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ يخبرنا الله سبحانه وتعالى بذلك، ويعقب جل وعلا على ذلك بقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة، كما يسوغ أو يسوغ المسلمين بأنفسهم في فترات الضعف والانحراف.
فإن الله هو العليم الحكيم، هو الذي اختار لكم منهجكم وفق علمه وحكمته.
وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ فمنهجه وشرعه وتقواه هي العلم كله والحكمة كلها، فإن نهى عن طاعتهم فذلك الخير كله، وإن نهى عن موالاتهم فتلك الحكمة البالغة، وإن جاء كل أمر أو نهيه عنه سبحانه وتعالى، فإنما هو عن علمه العظيم، الذي لا يحيط به شيء، وعن حكمته البالغة التي لا تبلغها العقول.
ويقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في القاعدة الثانية: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
ونرى هنا التخصيص والتقريب، بالإضافة ما أوحي إليك يا محمد، ووحي الله إنما هو لكم معشر المسلمين، إنما آياته في كتابه سبحانه وتعالى خطاب لنا، إنما أنزلها لهدايتنا، إنما شرعها لتكون دستورنا من ربنا، هو الذي يريد لنا الخير، هو الذي يريد لنا السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، بما أكرمنا به من هذه الشرائع والعقائد التي اختارها لنا، وأكملها وأتمها ورضيها سبحانه وتعالى: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه.
وقال القاسمي:"أي: واتبع ما أوحي إليك من ربك في ترك طاعة الكافرين والمنافقين، وغير ذلك، لأنه جل وعلا العليم بعواقب الأمور والمصالح والمفاسد".
وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
وهو تعليق وتعقيب قرآني بليغ، فمن الناس من يتحايل ويغير ويبدل ويوافق ويوالي، ثم يُظهر صورًا يزعم أنها تتوافق مع شرع الله جل وعلا، أو مع مصالح الأمة، أو تدفع بعضًا من المفاسد، أو نحو ذلك، والله خبير بما في قلوبكم، عالم بما في نواياكم، مطلع على دخائل نفوسكم، وما فيها من وهن وضعف وقلة إيمان، ويقين واستعظام لأعدائكم، وخوفٍ منهم، أو موافقة لهم، وحب لهم، ومجاراة لهم، فلا يخدعنكم من أنفسكم أن تجدوا لها تأويلًا، أو تخدعوا بذلك الناس من حولكم، بما قد تشيعون من هذه الشائعات، أو تقولون من هذه الشبهات، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
ثم يأتي الأمر الثالث: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
وهنا مربط الفرس، ومعقد هذه التوجهات والمبادئ، توكل على الله في جميع أمورك وأحوالك، فإنه سبحانه وتعالى كفى به وكيلًا لمن توكل عليه، وأناب إليه، وكما قال بعض المفسرين، فلا يهمنك إن كانوا معك أو كانوا عليك، أي هؤلاء الكافرين والمنافقين عندما تخالفهم وتوافق أمر الله لا يوافقونك، لا يرضون عنك، لا يقدمون لك ما قد تحتاجه من عون أو مساعدة، بل يكونون ضدك، ويتألبون عليك، ويمكرون بك، ويكيدون لك، فتوكل حينئذ على الله، ولا يهمنك إن كانوا معك أو كانوا عليك، ولا تحفل بكيدهم ومكرهم، وألق بأمرك كله إلى الله سبحانه وتعالى يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته، ورد الأمر إلى الله في النهاية، والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يطمئن إليه القلب، فيعرف عندها حدوده وينتهي إليها، ويدع ما وراء ذلك لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين، فإذا أحاطت المخاطر، وإذا تألب الأعداء، وإذا تحزب الخصوم وإذا عظم الخطب، وإذا تفاقم الكرب، فليس الحل هو إعطاء الدَّنِية في الدين، ولا مهادنة المعتدين، ولا التغيير في أصل الإيمان واليقين، بل الفزع والالتجاء إلى رب العالمين.
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3] .
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية:"فإن وقع في قلبك أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك اعتماد من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك الأمر على أي حال كان، وكفى بالله وكيلًا، وذلك لعلمه بمصالح عبده من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه من حيث لا يقدر عليها العبد، فهناك إن حصل توكلك على الله، واعتمادك عليه، والتجاؤك إليه، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يتسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وحوائج وأحوال تقضى، ونعم تتنزل، ونقم تُدفع، وشرور تُرفع، وهناك ترى العبد الضعيف الذي يفوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا تقوم بها أمة من الناس، وسهل عليه ما كان يصعب على الرجال الأفذاذ، ذلكم هو التوكل الحق".
وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله، واتباع وحيه، والتوكل عليه مع مخالفة الكافرين والمنافقين، هي العناصر التي تقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص من الله، وإلى الله، وعلى الله، وكفى بالله وكيلًا.
تلك صورة من المبادئ المكررة، والمعالم العظيمة الرئيسة، ونحن إذا أخذنا ومضات من هذه الحادثة العظمى في سيرة النبي ، ولسنا بصدد التفصيل فيها وفي أحداثها، وإنما في ربطها بأسباب النهوض، وكيف طبق النبي اليقين بالمبادئ والالتزام بتطبيقها، وكيف كانت قيادات أصحابه في مواقفها العظيمة، وأفراد الأمة ومجتمعها في جملته.
خرج سادة بني النضير الذين طردهم النبي بعد نقضهم للعهد إلى خيبر، خرج ثلة منهم ومن زعمائهم سلام بن أبي الحُقَيق، وسلاّمَ بن مِشكم، وكنانة بن الربيع، اليهود المثيرون على أهل الإسلام والمسلمين، هم نفس اليهود الذين يقومون بنفس الدور تمامًا كما قام به أسلافهم، خرجوا إلى قريش في مكة يدعونهم إلى حرب الإسلام والمسلمين، إلى حرب رسول الله والصحابة الكرام، ويعدونهم من أنفسهم بالنصر والمحالفة، ويقولون: في هذه المرة لا بد أن نستأصل شوكتهم، وأن نبيد خضراءهم، فتوافق قريش، ويمضون إلى غَطَفان، وهي أكبر قبائل نجد فتوافقهم، ويتألب الأحزاب، وتأتي قريش ومعها من تبعها من بني سليم وبني مرة وبني كنانة وأحابيشها، وتخرج غطفان وما هو الوعد؟ وما هو المقابل؟ كما ذكر موسى ابن عقبة، ففي مغازيه: ووعدوهم على ذلك بثلث ثمار خيبر، إنه اقتسام الثروات والوعد بحظوظ الدنيا، والتحكم في البلاد والعباد، والتسلط عليهم، ومحاربة الدين والإيمان والعقيدة.
تألب الأحزاب فكانت أعدادهم تبلغ عشرة آلاف، وربما كانت المدينة بكل من فيها من الرجال والنساء والصبيان لا يبلغون مثل هذا العدد، فجيش بمثل عدد المجتمع الإسلامي، والأمة الإسلامية كلها، ماذا صنع الرسول ؟ مبادرة ويقظة وأخذ بالأسباب، بإشارة سلمان بدؤوا وشرعوا في حفر الخندق المعروف، حتى يحصنوا بلادهم ويحموها، ويأخذوا الأسباب من الوقاية من شر عدوهم.
ثم كان ما هو معلوم عليكم، مما كانت عليه نفوس الصحابة والمؤمنين، مما كان في أهازيجهم، ومما كانوا يقولونه في أثناء حفر الخندق، يبين ما الذي كان في نفوسهم وقلوبهم، ما هي حقائق ما يشيع في مجتمعهم؟ ما هي المسلمات التي تصبح أنشودة على ألسنتهم؟ وليست دروسًا ولا خطبًا، فإن ذلك كان عندهم أعمق وأعظم من ذلك:
اللهم لولاك أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إنّ الأُلى قد بغا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
كان كذلك يرتجز أصحاب النبي ، ونعرف الصخرة التي عرضت، وكيف فتتها النبي ، وكيف بشَّر ـ وهم محاصرون في شدة جوع وشدة برد وشدة خوف ـ بشر بالفتوح هنا وهناك، تفتح الشام، وتفتح بصرى، وتفتح اليمن، ذلك المحاصر يفتح الآفاق ويبعث الآمال، لا من الوهن والخيال، بل من حقائق الاعتقاد والامتثال.
يعلم قوله جل وعلا: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُم [محمد:7] ، يعلم قوله: إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160] ، يعلم قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] ، حقائق مستقرة بداهة في النفوس وفي العقول، وليست أشياء ولا معلومات موضع الاختبار أو موضع النظر كما هو حال كثير من المسلمين اليوم.
ثم جاء ما هو معلوم فيما تعرفونه من عرض غَطَفان، عندما عرضت على النبي أن تأخذ ثلث ثمار المدينة وتنصرف، فكان النبي عليه الصلاة والسلام وقد رأى ما أحاط بأصحابه، أدركته شفقة، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وهذا دور القيادات الذين قلنا، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام ذلك العرض وبينه لهم، فقالوا كما في رواية الطبراني: يا رسول الله، أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله؟ وانظروا إلى نوعية هؤلاء الرجال، انظروا إلى الفقه والإيمان، وانظروا إلى الأدب الذي كان معه، أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أم هو رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لرأيك وهواك، وإن كنت إنما تريد به الإبقاء علينا، إن كان هذا الاجتهاد لنا نحن، وللتخفيف عنا، فوالله لقد رأيتنا ونحن وإياهم سواء، لا ينالون منا ثمرةً إلا قرى أو بيعًا، لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام، ليس لنا حاجة بذلك، عندنا مستعصم أعظم، وعندنا ملجأ أكبر، وعندنا يقين ترسو عليه همومنا، وتتبدد فيه غمومنا، ويعظم فيه اعتمادنا على الله سبحانه وتعالى، فلسنا في حاجة إلى ذلك. وبعد هذه الحادثة نقض يهود بني قريظة ـ بسعي إخوانهم ـ العهد، فأُحيط بالمسلمين من كل جانب، وخاف المسلمون على أنفسهم أن يباغتهم اليهود وقريش والحلفاء من ورائهم، أو أن يتخللوا إلى ديارهم وأزواجهم وأبنائهم.
والآيات تصور عظمة ذلك: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ [الأحزاب:10] .
فهل وصف أبلغ من هذا؟! وهل كرب أشد من هذا؟! وهل إحاطة وتألب وتحزم وكيد ومكر أعظم من هذا؟
فماذا كان الأمر؟ انظروا إلى المواقف، انظروا إلى الأصناف، انظروا إلى الأنواع، انظروا إلى الأمر الأول: وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ أي شيء كان حالهم؟ وكيف كان وصفهم بعد هذه الآية مباشرة؟
َإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب:12] .
ألم يعدنا الله بالنصر وبالفتح؟ ألم يقل الرسول ستفتح فارس وتفتح كذا وكذا؟ أين نحن من هذا، وأحدنا كما قال بعض المنافقين: لا يستطيع أن يقضي حاجته، لا يستطيع أن يذهب ليقضي حاجته من شدة ما كان حولهم من الحصار والخوف؟
َإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا.
وكأني بهذه الأقوال نكاد نسمعها وإن تغيرت ألفاظها، من المرجفين والمنافقين والضعفاء، أصحاب الذل وضعف الإيمان واليقين.
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب:13] .
لماذا تبقون في هذه المرابطة، وفي هذه المواجهة، ارجعوا إلى بيوتكم، إلى دياركم، ليس هذا مقامكم.
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا [الأحزاب:13] .
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا [الأحزاب:16] .
وهكذا يبين الله سبحانه وتعالى حقيقتهم، ويبين أن مواقفهم لا تغنيهم شيئًا إن اعتمدوا على غيره، إن نافقوا غيره، إن اتقوا وخافوا غيره سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله عز وجل: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [الأحزاب:17] .
في مقابل ذلك، وبعد ذكر المنافقين وتفصيل حالهم، وتعويقهم لغيرهم، وإرجافهم في الصفوف، وتعظيمهم لقوى الأعداء، وذكرهم عدم وجود مخرج ولا سبيل إلا بالنفاق والمداهنة، وإعطاء الدنية في الدين، بعد ذلك التصوير القرآني البليغ، تأتي لنا تلك الأسباب التي ذكرناها لتبين لنا كيف كانت المواجهة والخروج من النقوص إلى النهوض.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] .
التطبيق المثالي، القدوة العظمى، سيد الخلق ، ثم ماذا بعد ذلك؟ ولما رأى المؤمنون الأحزاب، رأوا شدة وكربًا، وعلموا بكل هذه الملابسات، وبنقض اليهود وبمن يحيط بهم من القبائل، وما عندهم من القوة، وما لهم من العدة.
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] .
انظر إلى هؤلاء المؤمنين، انظر إلى تربية الإيمان: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
ثم انظر إلى القيادات المتقدمة، وإلى المعالم التي تنهض في الأمة، والتي تقيمها وتردها إلى صوابها، عندما تطيش عقولها، عندما يضل سعيها، وينحرف نهجها، يقوم الأعلام والأثبات وأهل الإيمان والحق فينتصبون في الأمة، منارات هادئة، وعواصم بإذن الله عز وجل واقية، وهنا نستمع إلى الآية العظيمة: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .
لما وقف الصحابة وقياداتهم من الأنصار ذلك الموقف، لما ثبتوا على تقوى الله، وعلى مقاطعة الكافرين والمنافقين، لما ألقوا بكل همهم وغمهم وكربهم إلى الله عز وجل، ما هي النتيجة؟ هل استبيحت المدينة؟ هل أبيدت خضراؤهم؟ هل انتكست راياتهم؟ هل هزمت جيوشهم؟
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] .
وفي سياق ذلك: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [الأحزاب:27] . سبحانه وتعالى بين أن النتيجة كانت على خلاف كل المؤشرات المادية والقوة الأرضية.
وما الذي سلطه عليهم، ريح هي جند من جند الله سبحانه وتعالى، حتى قال أبو سفيان وقد أكفئت قدورهم، وأطفئت نيرانهم: (يا أهل مكة لا مقام لكم فارجعوا) ورجعوا وبقي أهل الميثاق، وبقي اليهود، ونالوا مصيرهم العظيم على يد الرسول الكريم وبحكم سعد ذلك البطل الأشم.
مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
رأينا المبادئ وتطبيقها، والرجال ومواقفهم، وسنرى من غير القيادات من يكشف ذلك.
الأمر الأخير في دور الأفراد، الذين هم تكوين المجتمعات، وقد قلنا إن على كل فرد واجبًا، وإن في عنق كل فرد أمانة فليس الدور المنتظر أن يكون من القائد العسكري، ولا من الحاكم السياسي، ولا من العالم الشرعي وحده، بل منك أنت، ومني ومن هذا ومن ذاك.
أدرك المسلمون ذلك وعرفوه، وهذا نموذج واحد في هذه الغزوة أيضًا، نعيم بن مسعود، جاء إلى النبي وهو يعلن إسلامه وإيمانه، في ظل هذه الظروف العصيبة، من ذا الذي يسلم والإسلام محاط به؟ من الذي يدخل مع المسلمين وهم الآن على وشك أن يدمروا وأن يبادوا؟ ذلك قدر الله يسوق لدينه من يشاء، قال: يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك لرسول الله، مرني يا رسول الله بما شئت، أعطني مهمة، اجعل لي دورًا، لأنني أريد أن أسهم وأن أكون سببًا من أسباب نصرة الدين، وإعانة الأمة، وكشف الغمة، ولا أريد أن أنتظر من هذا وذاك، فقال له النبي: (( إنما أنت رجل واحد فخذِّل عنا ما استطعت ) )اجتهد، فكان لهذا الفرد الوحيد، أو الواحد كان له دور عظيم، فأخفى إسلامه، وأوقع الوقيعة بين اليهود وبين قريش، وأوقع بين قريش وغطفان.
وقال لليهود: إن قريشًا يوشك إذا طال الأمر بها في هذا الحصار، أن ترجع وتترككم، فلا تكونوا إلا وحدكم في مواجهة محمد والصحابة، قالوا: فما الرأي يا نعيم؟ قال: خذوا من أشرافهم، من أبناء أشرافهم رهائن، يكونون عندكم حتى لا ينفضوا عنكم ويتركوكم وحدكم، ثم ذهب إلى قريش وقال: قد بلغني أن قريظة رأت رأيًا وراجعت محمدًا ، وإنهم قد أعطوه أن يسلموه أبناء أشرافكم، ثم جاء الوقت، فإذا بقريظة تطلب، وإذا بقريش تقول: قد صدق نعيم، وأبت قريش، فقالت قريظة: قد صدق نعيم، واختلت الصفوف، وكان لذلك أثره ومبلغه من فرد واحد، لم ينم، لم يتقاعس، لم يقل: لا شأن لي، ولا حول، بل لا بد أن يكون لكل دور، وعلى كل واجب ولو بكلمة، ولو بتأييد، ولو بتكثير سواد، فإن الكروب إذا حلت، وإن الخطوب إذا اجتمعت، لا يكفي أن يبحث الناس عن من يلقون عليه اللوم، بل لا بد من الاجتماع والوحدة، وأن يؤدي كل دوره.
وفي سياق أحداث هذه الغزوة أحداث كثيرة، حتى المرأة المسلمة، حتى صغار من الصحابة وغيرهم، كل له دور، لأن الكرب والخطب كان عظيمًا.
ولعلنا ونحن نتحدث بهذا الحديث، لا نذكر صفحات قديمة، بل نقرأ صفحات حديثة، لا نرى أحداث سالفة، وإنما نرى وقائع تجد وتستجد، فالأحزاب اليوم كأنما أحزاب الأمس، واليهود المؤجِّجون كأنما اليوم هم هم، تغيرت أسماؤهم، ولكن حقائقهم موجودة، والمنافقون والمرجِفون والضعفاء والمتخاذلون، نرى كيف يميلون لأعداء الله، كيف يتركون تقوى الله، كيف يطيعون الكافرين والمنافقين، كيف لا يتوكلون إلا على الصواريخ والمعاهدات، وعلى الأسلحة والجيوش، ويزعمون أن ذلك من مراعاة المصالح وغير ذلك، كيف بنا ونحن نعرف المخرج وتطبيق هذه الأسباب، من المبادئ العقدية، والحقائق الإيمانية المسلَّمة، وتطبيقها والتزامها، وتشربها، والقيادات المؤثرة، والأفراد العاملين الباذلين، فإن أخذنا ذلك والتفتنا إليه، كان هو نموذجًا لما سبق أن أسلفنا القول فيه.
لم ترد.