فقه
الصوم
حمود بن عبد الله إبراهيم
الدمام
جامع بلاط الشهداء
1-فضل شهر رمضان. 2- رمضان شهر القرآن. 3- فقه أسرار الصيام.
أما بعد: فكم هو عظيم شهر الصيام، وكم فيه من حكم وأسرار يدرك كلّ صائم منها بحسب علمه وإيمانه وتعبّده لمولاه، ويكفي أنه طريق للتقوى، والتقوى جماع الخير وسبيل الفلاح والنجاح. كم يكسر الصيام شهوة النفس، وكم يحطّم كبرياء المرء. إن الصيام جنة أي: وقاية يتّقي بها الصائم المعاصي والآثام المهلكة والمؤدية إلى النار كما يتقي المحارب بجُنّةٍ أي: بخوذة حين المعركة فيسلم من القتل، كما قال رسول الله: (( الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ) )والحديث في صحيح الجامع.
أيها المسلمون، وفي شهر الصيام فرصة للتخفيف من أثقال السيئات، فيه تطهير للنفوس من الأدران وحماية القلوب من الأخطار، وهذه وتلك لا يحسّ بوطأتها إلا من أثقلت نفوسهم المعاصي، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلما حلّ شهر رمضان وصاموا أحسّوا بانشراح صدورهم وخفّة أرواحهم وانفراجٍ في كربتهم وأنسٍ بدل وحشتهم، وذلك بفضل شهر الصيام.
مضى أمسك الأدنَى شهيدا مسجلا ويومك هذا بالفعال شهيد
فإن تك بالأمس اقترفت إساءة فثنِّ بإحسان وأنت حميد
ولا تُرجِ فعل الخير منك إلَى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد
فبشراكم ـ معاشر المسلمين ـ بشهر الصيام، يرتفع فيه المؤمنون درجات، وتحطّ به الأوزار عن أهل التقصير، ولا يزال الصيام بالمسلم يحوطه ويؤنِسه حتى يكون شافعا له لدخول الجنة والنجاة من النار يوم القيامة، وكذلك يفعل القرآن كما النبي: (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة, يقول الصيام: أي رب، إني منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب، منعته النوم بالليل فشفعني فيه, ـ قال: ـ فيشفعان ) )والحديث في صحيح الترغيب.
أيها المسلمون، ورمضان شهر القرآن، وما أدراك ما شهر القرآن، إن الإنسان بلا قرآن كالحياة بلا ماء ولا هواء، ذلك أن القرآن هو الدواء والشفاء، وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] . شفاء القلوب وشفاء الأبدان، فكلّما ضاق المرء في هذه الحياة وافتقد الصواب وجد القرآن خير الملجأ، لا يملّ حديثه، وترداده يزداد به تجمّلا وبهاء، ويجد في القرآن الملجأ والمعتصم.
فشمر ولُذ بالله واحفظ كتابه ففيه الهدى حقّا وللخير جامع
هو الذخر للملهوف والكنز والرجا ومنه بلا شكّ تنال المنافع
به يهتدي من تاه في معمة الهوى به يتسلى من دهته الفجائع
كان بعض السلف يختم في رمضان في كلّ ثلاث ليال، وبعضهم في سبع، وبعضهم في عشر، وإنما ورد النهي عن النبي عن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث، على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضّلة كشهر رمضان فيستحبّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن ولكن بتدبر وفهم وتفكّر.
هذا الشهر المبارك شهر القرآن، يشدّ الناس إلى الدين، يذكّرهم بحقّ الله، فيظهر فيه إقبال الناس على كتاب الله، يقرؤونه، ويسمعونه، ويتدبرون آياته، والقرآن يجعل في الناس رغبة في تغيير ما في أنفسهم حتى يغير الله ما بهم، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، فلنغير ما في أنفسنا من عادات سيئة حتى يغير الله ما بنا.
أيها الإخوة، ويدرك من فقه سرّ الصيام كم لرمضان من أثر على تربية النفس بقية العام، ذلكم لأن شهر رمضان يدرّب النفس على كثير من خصال الخير، فتحيا المراقبة لله، ويشيع الصدق في النفوس لصدقها مع الله في الصيام واجتناب الآثام، وتتطبع النفوس بالكرم والجود والإحسان إلى المحتاجين والبر بالأقربين، وتتهذب الأخلاق، فلا تسمع الآذان الحرام، ولا تنطق الألسنة بالسبّ ورديء الكلام، وتربى العين على عدم النظر في الحرام، ذلك كلّه يدل على أن بإمكان المرء أن يغيّر من واقعه ويرتقي بنفسه إلى الأفضل والأحسن، ليس فقط في رمضان بل في جميع أيام حياته، متى؟ إذا بذل أسباب الهداية وسعى في تحصيلها واستعان بالله على ذلك، أما أن نتمنى الخير دون عمل وبذل وجد واجتهاد ونرجو الفلاح فهذا محال.
ما أحوجنا ـ أيها الإخوة ـ إلى شهر الصيام يأتي ليشعرنا بقيمة الوقت وأهمية ملئه بالطاعات، والصائم الفطن يقضي يومه في الذكر والتلاوة والصلاة والتحسّر على الوقت الذي يضيع دون فائدة، ومن ثم يتربى المرء على حفظ أوقاته بعد رمضان على الدوام.
وما أحوج الأمة إلى شهر الصيام وهو يجمع الكلمة الواحدة ويوحّد الصفوف ويؤلف بين القلوب، وفِطر أهلِ كلّ بلد في زمان واحد يذكّر بوحدة المسلمين، وهو دعوة إلى تآخيهم وتوادّهم وشيوع المحبة بينهم، (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ). وهذه الوحدة تقلق الأعداء، فتراهم يسعون جاهدين لتفريق صفّ المسلمين، فهل يفقه المسلمون قيمة وحدتهم ويسعون لجمع كلمتهم؟! ذلكم جزء من أسرار شهر الصيام، فجدير بنا أن ندركه.
أيها الصائمون، وشهر الصيام فرصة لمزيد من الاهتمام بتربية الأهل والأولاد على البر والإحسان والتقوى، فحثهم على الصلوات وترغيبهم في الصدقات وتدريبهم على الصيام وتشجيعهم على قراءة القرآن وسائر الطاعات كل ذلك من المسؤوليات الواجبة على عاتق الآباء والأمهات، فرمضان فرصة أكثر من غيره من المواسم لأنّ النفوس لديها استعداد ما لا يتوفّر مثله في سائر الأزمان. والأب الناصح هو الذي يستثمر الفرص ويذكر بفضل رمضان، والأم الحانية هي التي تشجع على الخير وتؤازر الأب في تربية الأبناء؛ حتى تقرّ وتسرّ أعين الأبوين بأولادهم في الدنيا والآخرة.
فانتبهوا لتربية أبنائكم على الدوام، خصوصا في هذا الشهر العظيم بمزيد من العناية والاهتمام، فذلك جزء من واجبكم في وقايتهم من النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، وفي صلاحهم وتوجيههم نفع لكم في الحياة وحين ترحلون إلى الدار الآخرة، فابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها الولد الصالح الذي يدعو له. وكم هي مأساة أن ترى الآباء والأمهات في أيام رمضان مع القائمين والراكعين والساجدين والخاشعين وأبناؤهم يسرحون ويمرحون في الأسواق، أو ربما عكفوا وعكفت البنات على مشاهدة ما لا يحلّ وسماع ما حرم الله والزمان زمان رحمة، الأيام فاضلة، والدعوة مستجابة، ومن تذكّر فإنما يتذكر لنفسه، ومن أساء فعليها.
اللهم اهدنا واهد بنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين أماما.
بارك الله ولكم في القرآن...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فشهر الصيام شهر المواساة، ألا ترون الناس أجمع غنيّهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم يمسكون عن الطعام والشراب وسائر المباحات؟! أفلا يوحي ذلك للقادرين أن بإمكانهم أن يتنازلوا عن بعض ما يملكون للمحتاجين والمساكين؟!
ولئن نسي أهل الغنى حاجة غيرهم طوال العام فشهر رمضان فرصة للتعويض في كثرة إطعام الطعام وإفطار الصائمين، وكم هو مشهد إيماني محبّب للنفس هذه الاجتماعات عند الإفطار، فيشعر المسلم بقرب أخيه منه وحنانه، وترى مشهد التآلف والتواضع والإحسان.
ومن مشهد المواساة في شهر رمضان قضاء الدين عن المدينين وتفريج الكربات للمعسرين، وعلى الأغنياء أن تطيب نفوسهم بما يجودون به من صدقات فضلا عن دفعهم للزكاة الواجبة، ولا مانع من الدقة والسؤال والتحري ولا سيما في أهل الزكاة والمستحقين لها.
وشهر رمضان فرصة للمواساة مع شعوب العالم الإسلامي، تلك التي أثخنتها الجراح وعز فيها الطعام وقل فيها الكساء، حيث الجبال شديدة البرودة وانعدام ما يقيهم البرد القارص، فهذه مسؤولية يتحملها المسلمون القادرون تجاه إخوانهم.
أيها الإخوة، شهر رمضان جدير بتذكيرنا بهذه المعاني وأكثر لمن تفكر وتدبر، أما من ينتهي تفكيره في الصيام عند الإمساك عند الفجر والإفطار عند تحقق الغروب دون إحساس بالحكمة والسر العظيم من وراء ذلك فما فقه حكمة الصيام، وما بالله حاجة أن يدع طعامه وشرابه دون أن يورثه ذلك تقوى تدعوه لفعل الخيرات وتنأى به عن المحرمات وتهذب نفسه وترقّق مشاعره وتخفّف من حدّة الشح والبخل في غياب التقوى.
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتَّى عصى ربه فِي شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهُما فلا تصيِّره أيضا شهر عصيان
واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا فإنه شهر تسبيح وقرآن
كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الْموت واستبقاك بعدهم حيا فما أقرب القاصي من الدانِي
اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيمانا واحتسابا، اللهم اجعل هذا الشهر شهر نصر وعز للإسلام والمسلمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين...