الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
محمد الحكمي
الطائف
جامع الجفالي
1-ذكر شهادة الزور وأنها خطر على الأفراد والجماعات 2- ثم ذكر تعريف شهادة الزور
وذكر بعض صورها 3- ثم حذّر مما يفعله بعض الناس من التعرّض لشهادة الزور
4-ثم بيّن أن من شهِد شهادة الزور فهو آثِم وكذلك من كتم الشهادة فهو آثم
5-ثم بين أن رسول الله حذّر من قول الزور كما حذّر من فعل الزور
أيها المؤمنون
وللحديث عن آفات اللسان تتمة واتصال.
بينما الحبيب جالس بين أصحابه يومًا إذ به يقول لهم: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) )؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: (( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ) )وكان متكئًا فجلس ثم قال: (( ألا وشهادة الزور وقول الزور ) )فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وكيف لا تكون شهادة الزور كذلك وهي من أفحش الأقوال، وأقبح الأفعال، وأخطر الظواهر على المجتمعات والأفراد، فكم بها - ظلمًا - أكلت أموال، وانتزعت أملاك، وانتهبت حقوق، كم برّيء بسببها متهم، واتُهم بريء، بل كم زورت بها قضايا، وانتُقضت أحكام، ونيل من مظلومين، وأودع السجن أبرياء، وعُذب صلحاء.
عن أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله الكبائر فقال: (( الشرك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس ) )وقال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور ) )أو قال: (( شهادة الزور ) ).
والزور: مأخوذ من الإزورار، وأصله تحسين الشيء، ووصفه على خلاف حقيقته، ويأتي بمعنى الميل ومنه قوله تعالى: وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا.
وكما هو في الأقوال فينجرّ كذلك على الأفعال، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور ) ).
ولأن الزور عمومًا يُضلل به على الناس فقد قدم معاوية المدينة فخطب في أهلها، وأخذ كُبّة من الشعر فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعله إلا اليهود وإن رسول الله بلغه فسماه"الزور".
معاشر المسلمين
ويخطيء كثير من الناس عندما يظنون أن شهادة الزور قاصرة على التي هي في المحاكم فحسب، بل إن أماكن وجودها منتشرة في الإدارات والأسواق والمناسبات وحال الشهادة لأحد أو عليه بأنه على خير أو سوء عند إرادة خطبة أو نكاح أو مجاورة أو شفاعة له في وظيفة أو دراسة أو نحو ذلك.
ولئن حذر النبي أصحابه رضي الله عنهم من الوقوع فيها، فلقد جعل لهم من نفسه قدوة وأسوة كما هو الشأن في سائر أحواله وأخلاقه صلوات ربي وسلامه عليه، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سألتْ أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي ، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال: (( ألك ولد سواه ) )؟ قال: نعم قال: فأراه قال: (( لا تُشهدني على جور ) )وفي رواية: (( لا أشهد على جور ) ).
فكيف بأناس يرضون لذممهم أن تُشترى بشهادة يشهدها من ورائها طمع مال يتحصله أو عوض دنيوي يأكله، بل بعضهم يعرض نفسه عند أبواب المحاكم: تريد شهادة، تريد أحدًا يشهد معك.
فأين خوف أولئك من الله وخشيتهم من عذابه وعقابه فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
ولقطع دابر هذا التساهل المقيت في الإقدام سراعًا على الشهادة جاء في الحديث الحسن المرفوع للنبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا زانٍ ولا زانية ) ). وذو الغمر: الحاقد المبغض. وقد رد رسول الله شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. والقانع: هو من كان في نفقة قوم كالخادم والتابع لم تقبل شهادته لهم، وقال بعضهم: الأجير.
عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه - وهو من الصحابة - أن النبي ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ليقضيه ثمن فرسه - أي قال: له اتبعني - فأسرع رسول الله المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي ابتاعه - أي لم يكونوا يعلمون بذلك - فنادى الأعرابي رسول الله فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته. فقام النبي حين سمع نداء الأعرابي. فقال: (( أو ليس قد ابتعته منك ) )؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه. فقال النبي: (( بلى قد ابتعته منك ) )فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا. فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي على خزيمة فقال: (( بم تشهد ) )؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله.-مع أنه ما حضر المبايعة- فجعل رسول الله شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
أخي الشاهد بالخير
وكما أن من أظهر الشهادة زورًا قد اقترف كبيرة من الكبائر، فكذلك من كتمها وهو يعلمها لغرضٍ من الأغراض ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون
والساكت عن الحق شيطان أخرس.
قال: (( ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها ) ). رواه مسلم
وهذا الحديث لا يتعارض مع قوله: (( إن بعدكم قومًا يخونون ولا يُؤتمنون، ويشهدون ولا ُيستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن ) )رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: وقد ذُكر عدة تأويلات منها:-وهو أشهرها-: الجمع بينهما: أن الذم في ذلك لمن بادر بالشهادة في حقٍ لآدمي هو عالم بها قبل أن يسألها صاحبها، أما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لآدمي ولا يعلم صاحبها، فيخبره بها ليستشهده بها عند القاضي إن أراد.
جاء أحدهم فقال: إن لي حقًا عند فلان ولم يعطنيه، فتوسطت عنده بفلان من الناس - وأحسبه قال إن الوسيط كان قريبًا لمن كان عنده الحق، فلم تجدِ وساطته شيئًا في استرداد حق المظلوم. قال له المغلوب على أمره: اشهد معي في المحكمة. فقال الوسيط: ولكنه عيب عندنا أن يشهد أحدنا على أحد قرابته.
يا سبحان الله!!!!
فأين نحن من قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون.
إنه بناء متكامل للعدل المحض في كيان كل مسلم شهادة وحكمًا قضاءً وعدلًا... وبذلك تحفظ الحقوق فلا تُهدر، وتصان الحرمات فلا تُسلب، وتُوفى الذمم فلا تُخفر..
ذكر ابن القيم - رحمه الله - في"الطرق الحكمية"أن عليًا سمع يومًا وهو جالس في مجلسه ضجة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل سرق ومعه من يشهد عليه فأمر بإحضارهم فدخلوا، فشهد شاهدان عليه أنه سرق درعًا، فجعل الرجل يبكي ويناشد عليًا أن يتثبت في أمره، فخرج علي إلى مجمع الناس بالسوق فدعا بالشاهدين، فأشهدهما الله وخوفهما، فأقاما على شهادتهما، لما رآهما لا يرجعان أمر بالسكين وقال ليمسك أحدكما يده ويقطع الآخر، فتقدما ليقطعا، فهاج الناس واختلط بعضهم ببعض، وقام علي عن الموضع، فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا، فقال علي: من يدلني على الشاهدين الكاذبين؟ فلم يقف أحد على خبر، فخلى سبيل الرجل.
وكان عمر يتحرز كثيرًا في قبول شهادة أو تزكية أحد حتى يتثبت، أُتي إليه بشاهدين. فقال لهما: لست أعرفكما ولايضركما إن لم أعرفكما جيئا بمن يعرفكما. فأتيا برجل فقال له عمر: تعرفهما؟ قال: نعم. فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي تبيّن فيه جواهر الناس. قال: لا. قال: كنت جارًا لهما تعرف صباحهما ومساءهما. قال: لا. قال: يا ابن أخي لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما.
ألا فلنتق الله عباد الله، ولنحاذر شهادة الزور، ولا نقدم على شهادة في شيء إلا إذا كان كالشمس في رابعة النهار، ولا نتأكل من ورائها فهي ظلم للنفس وللمشهود له وللمشهود عليه فهي قرينة الشرك وعقوق الوالدين وقتل النفس.
وقد كان القاضي شريح إذا أتي بشاهد زور أمر به فيُطاف به في أهل المسجد وسوقه، ويقول: إنا قد دفعنا شهادته. وقد ضرب مرة تعزيرًا شاهد زور عشرين سوطًا.
اللهم اجعلنا ممن يشهد بالصدق والحق، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وخذ بأيدينا إلى أن نكون ممن قلت فيهم مادحًا ومكرمًا والذين هم بشهاداتهم قائمون
ونعوذ بك من أن نكتمها أو تخرس ألسنتنا عنها.
الحمد لله يمحو الزلل ويصفح، ويغفر الخطل لمن تاب ويسمح، القائل وأقيموا الشهادة لله.
والصلاة والسلام على جاد من بنفسه وماله وأبان الحق وأوضح القائل: (( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ).
صلى الله عليه وعلى أله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المؤمنون
وكما حذر المصطفى من شهادة الزور فقد حذر من قول الزور، وهو شامل لكل قول وفعل حاد فيه صاحبه عن الحق إلى الباطل؛ من غيبة ونميمة وكذب وقذف وغناء ولعن وفحش قول وبذاءة لسان والقول على الله بغير علم والتنابز بالألقاب والسخرية والاستهزاء والتعيير إلى غير ذلك مما هو معلوم.
وكما أن الزور يكون في الأقوال فكذا الأفعال، فمن الزور فعلًا وعملًا حضور مواطنه التي تُرتكب فيها المحرمات، وتُشاهد فيها الموبقات، ويُسهر فيها على حرام من مشروبات ومسموعات. والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأُ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم فلا يحضرون مجالس أهل السوء ولا يكثرون سوادهم، بل يفارقونهم وينصحون لهم.
يقول المصطفى - مؤكدًا هذا المعنى - (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة تدار عليها الخمر ) ).
والذين لا يشهدون الزور ذكر بعض أهل العلم أن الزور المراد به: الشعانين. قال مجاهد: هو أعياد المشركين.
وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله- كاشفًا الأستار عن أهل البوار-:ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة.
فكيف إليهم نطمئن، وبعهودهم نثق، وبمعسول قولهم نخدع، وبوعودهم الكاذبة نطمع، وهم من هم في عقيدتهم المنحرفة وإيمانهم الباطل؟
أخي في الله
وتكثر شهادة الزور وقوله عند إثبات الأملاك، وتحديد الأراضي، والمزارع، وعند إقرار الوصايا والحقوق، وعند المخاصمات والمنازعات، وقد تغلب على الإنسان نفسه وهواه فيشهد بزور نتيجة لحسد أو عداوة أو مراعاة لصداقة أو قرابة أو ثقة دون تثبت أو رحمة بمن شهد له بغير علم، وهذا من أكبر الكبائر وأبشع الموبقات.
فهل لنا من إيماننا ما يردع وبكلمة الحق والعدل نصدع، ولمن بغى وظلم ممن ينهى ويردع...
اللهم إنا نسألك ذلك يا حي يا قيوم.