فقه
الصلاة
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-صلاة النافلة قبل الجمعة وبعدها. 2- فضل الصدقة وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة. 3- اغتنام ساعة الإجابة يوم الجمعة.
معاشر المسلمين، إليكم تمام الكلام على وظائف وخصائص يوم الجمعة.
14-ومن خصوصيَّات ومزايا يوم الجمعة مشروعيَّة صلاة النافلة قبل الزوال في المسجد إلى حين خروج الإمام زيادة على الركعتين المعروفتين بصلاة تحيَّة المسجد، فيصلِّي أحدكم إذا دخل المسجد بعد ركعتي التحيَّة ما بدا له، وما شاء الله له من الركعات، لما رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبيِّ ، وفيه: (( ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له ) )، ولما رواه البخاري عن النبيِّ ، وفيه: (( ثمَّ يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ويصلِّي ما كتب له ) ).
ومن المؤسف أن يجلس الواحد منكم في المسجد ينتظر الإمام ويستبطئ مجيئه، ولا يشتغل بشيء من هذه الوظائف من صلاة وذكر وتسبيح وتلاوة للقرآن والصلاة على النبيِّ ، فهو جالس في المسجد بجسمه، وعقله وفكرُه يجول في غير ذكر الله تعالى، وربَّما اشتغل باللغو من الكلام، فلا جرم أنَّ للشيطان منه نصيبًا.
15-وليس لصلاة الجمعة صلاة راتبة قبلها، بل يصلِّي ما شاء، وأمَّا بعدها فكان النبيُّ يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وقال: (( إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعات ) )رواه مسلم. قال ابن تيمية:"إن صلاَّها في المسجد صلَّى أربعا، وإن صلَّى في بيته صلَّى ركعتين".
16-ومن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم: الصدقة.
قال ابن القيِّم:"إنَّ للصَّدقة في يوم الجمعة مزيَّةً عليها في سائر الأيَّام. والصدقة في يوم الجمعة بالنسبة إلى سائر الأيَّام كالصدقة في رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور".
17-ومن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم: قراءة سورة الكهف، وفي ذلك فضيلة، فقد روى النسائي والبيهقي والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبيَّ قال: (( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) ).
18-ومن أعجب الخصائص والوظائف المتعلِّقة بيوم الجمعة أنَّ فيه ساعةً مرتجاة، وذلك ما سأفصِّل لكم فيه البيان بعد الجلسة.
والله المستعان وعليه التكلان.
18-وبعد فمن الوظائف التي خصَّ بها هذا اليوم: اغتنام الساعة المرتجاة في يوم الجمعة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عرضت الجمعة على رسول الله ، جاءه بها جبريل عليه السلام في كفّه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: (( ما هذا يا جبريل؟ ) )قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك.. الحديث، ثمَّ قال: وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه، أو يتعوّذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ذكر يوم الجمعة فقال: (( فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه ) )وأشار بيده يقللها. رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
وأما تعيين الساعة فقد اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا، وأرجحها قولان:
أحدهما: أنَّها من حين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. وحجَّة هذا القول ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أنَّ عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدِّث عن رسول الله في شأن ساعة الجمعة شيئًا؟ قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: (( هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ) ).
وهذا القول ضعيف لأنَّ حجَّته ضعيفة، فالحديث وإن رواه مسلم فهو من الأحاديث القليلة التي انتقدها الحفاظ عليه كالدارقطني وغيره، وصوَّبوا أنَّه موقوف.
والقول الثاني: أنَّها آخر ساعة بعد العصر قبل المغرب. وهذا هو الصواب في تعيينها، لأنَّ به وردت الأحاديث الصحيحة.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي قال: (( التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس ) )رواه الترمذي والطبراني وزاد في آخره: (( وهي قدر هذا ) )يعني قبضة. ويشهد له ما يلي.
فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قلت ورسول الله جالس: إنا لنجد في كتاب الله تعالى يعني التوراة: في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله بها شيئا إلا قضى الله له حاجته، قال عبد الله: فأشار إليه رسول الله: (( أو بعض ساعة ) )، فقلت: صدقت أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: (( آخر ساعات النهار ) )، قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: (( بلى إن العبد إذا صلى ثم جلس لم يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة ) )رواه ابن ماجه وإسناده على شرط الصحيح.
وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد عبد مسلم يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر ) )رواه أبو داود والنسائي واللفظ له والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم".
وأنت إذا تدبَّرت في فضائل هذا اليوم وجدت من المناسبة بين فضائله في الآخرة ووظائفه في الدنيا تشابهًا عجيبا، قد نبَّهت على بعضه فيما يتعلَّق بالدنوّ من الإمام؛ لأنَّ على قدر ذلك يدنو من ربّ العزة في الجنة، وعلى الصلاة على النبي لأنَّ به تحصل النجاة في الدنيا والآخرة، وعن التهجير كتهجير أهل الجنة للموعد الذي يضربه الله لهم في الجنَّة يوم الجمعة، ومن ذلك أيضًا هذه الساعة في آخر يوم الجمعة قبل المغرب، هي ساعة دعوات مستجابة من خير الدنيا والآخرة، وكذلك في يوم الجمعة يسأل أهل الجنَّة ربَّهم ما يرغبون فيعطيهم فوق ما كانوا يرغبون وما لا يخطر في بالهم من النعيم.
ما لي أذهب بعيدًا، وأسرد لكم من فضائل هذا اليوم سردًا عديدا، ولو تتبَّعنا هذا لطال الأمر جدًّا، فحسبكم هذا الذي سمعتم، فهو كاف لحمل ذوي الألباب منكم على تعظيم هذا اليوم وتخصيصه بما خصّ به من العبادات والقرب، وفّقني الله وإيَّاكم، وغفر لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.