العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد, المسلمون في العالم
يوسف بن عبد الوهاب أبو سنينه
القدس
المسجد الأقصى
1-دعاء النبي في العريش يوم بدر. 2- بُعد المسلمين عن دينهم اليوم. 3- سعي أنس بن النضر إلى الجنة يوم أحد. 4- وفاء النبي. 5- تخلي المسلمين عن شعب العراق في محنته.
أما بعد: فيا عباد الله، ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي وهو في قبته يوم بدر: (( اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبَد بعد اليوم ) )فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على الله، فقد ألححت على ربك، وهو في الدرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ ?لْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ?لدُّبُرَ بَلِ ?لسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ?لسَّاعَةُ أَدْهَى? وَأَمَرُّ [القمر:45، 46] [1] ، صدق الرسول الكريم.
تذكّروا ـ يا عباد الله ـ أنّ الهزائم لا تنزل على المؤمنين الصادقين، إنما تنزل على المعاندين المكابرين، تنزل على المنافقين الذين يحاربون الله تبارك وتعالى.
وتذكّروا أن أمة الإسلام لا ترفع إلا راية واحدة كتب عليها:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله". مهما تغيرت الأحداث قبل المعركة وبعد المعركة، الثبات على المبدأ مهما تغيرت الأحداث.
وتذكّروا كذلك أن أحوالنا في هذه الأيام لا ترضي الله ولا ترضي رسول الله، نكاد لا نصدق أن هذه أمة محمد. أهذه أمة التوحيد؟! أهذه أمة الإسلام؟!
أيّها المؤمنون، الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه استعدّ لدخول المعركة يوم أحد، توجّه إلى ميدان القتال، ولقي الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه، فسأله: إلى أين يا أنس؟ قال له: (إني متوجّه إلى أُحد، إنّني أجد ريحَ الجنة دون أحد) [2] .
هذه كلمات صدرت من قلب عامر بحب الله، من قلب عرف الله، فَسَوْفَ يَأْتِى ?للَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ يُجَـ?هِدُونَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلاَ يَخَـ?فُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذ?لِكَ فَضْلُ ?للَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَ?للَّهُ و?سِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] . إلى أين يا أنس؟ إلى أحد، إني أجد ريح الجنة دون أُحد.
هذه نفوس كانت تحمل قلوبًا مطمئنة، قلوبًا صادقة، إن الله علّمهم أن يكونوا أكبر من الأحداث مهما احتدمت الخطوب، ومهما ادلهمّت المصائب والشدائد، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ?لْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ?لاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ?لنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لظَّـ?لِمِينَ وَلِيُمَحّصَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ?لْكَـ?فِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ?للَّهُ ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ?لصَّـ?بِرِينَ [آل عمران:140-142] .
علّمهم الله تبارك وتعالى أن يكونوا أكبر من شدائد الأيام.
إن رسالة الإسلام ليست كلامًا، إن رسالة الإسلام تربية وتركيز وتوجيه، وكيف نربي الرجال إذا غفلنا عن تربية القلوب وبناء النفوس؟! لكي نخوض المعركة لا بد أن نبني القلوب. اسمعوا ماذا قال أنس بن النضر رضي الله عنه، أنس الذي جثا التاريخ على ركبتيه وتمرغت الدنيا تحت قدميه: (إني أجد ريح الجنة دون أحد) . قد نزل إلى المعركة وقاتل قتال الأبطال وقتِل شهيدًا، وجاء الناس ليتعرّفوا على جثمانه، فلم يستطيعوا أن يتبيّنوه، لقد ضرب أكثر من ثمانين ضربة، ما بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح، تغيّرت معالم الشهيد من شدّة ما أصيب من ضربات، وقَلّما طعن بسهم، كان يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
إن هذه الضربات مهما قست، فإنها تنزل على جسم الشهيد كأنها قبلات، لا يشعر منها بألم، إنها تتحوّل إلى برد وسلام.
وجيء بأخت الشهيد لتتعرّف على أخيها، وأخذت تنظر إلى الجثمان الشريف، ولم تستطع أن تعرفه إلا بأصابع يديه.
قالت: إنه أخي، ماذا جرى عندما شيّع جثمان الشهيد؟ إن الذي شيّع جثمانه هم ملائكة الله تبارك وتعالى، فعزّى الله تبارك وتعالى المؤمنين، وحمل العزاء إليهم روح القدس جبريل، وأشاعه نبينا الكريم ، اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلى عزاء الإله القادر للمؤمنين بأنس بن النضر قال الله تبارك وتعالى: مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .
إننا في حاجة إلى رجال يعرفون الله، إن صلاح الدين الأيوبي عندما خاض المعركة ضد جيوش أوروبا كان يقوم قبل الفجر، كان يصلي قبل الفجر، ويدعو الله أن ينصره على أعدائه، وكان يقول: استعينوا بدعاء السحر على أعداء الله.
جلس ذات مرة بين إخوانه حين كان المسجد الأقصى بيد الصليبيين، جلس صامتًا فقالوا له: لم لا تبتسم يا صلاح الدين؟ فقال: أخشى أن يراني الله مبتسمًا، والمسجد الأقصى في يد الصليبيين.
عباد الله، إن أعداء الإسلام يعملون للخراب والتدمير، أما أمة الإسلام فهم يعملون للبناء والتعمير، أصحاب رسول الله لم يتخبطوا في دياجير الظلام، إنهم ساروا على نهج الواحد العلام.
اللهم يا منزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم يا رب العالمين، اللهم أنزل جام غضبك وسخطك عليهم، فإنهم قد طغوا وأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم من عندك سوط عذاب.
اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، واجعل نار قذائفهم ترتد عليهم، واجعلها بردًا وسلامًا على إخواننا في أرض العراق يا رب العالمين.
اللهم شُدّ من أزر إخواننا في أرض العراق، وزلزل الأرض من تحت أقدام عدوهم.
عباد الله، توجّهوا إلى الله تبارك وتعالى بقلوب صادقة، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله.
[1] رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم (2915) .
[2] رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير (2806) ، ومسلم في الإمارة (1903) .
الحمد لله معزّ الإسلام بنصره، ومذلّ الكفر بقهره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدّر الأيام دولًا بعدله، نحمده سبحانه على إظهاره وإظفاره وإعزازه لأوليائه، ونصره لأنصاره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى بها ربه، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي نصر هذا الدين، وقمع كل جبار عنيد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين أيّد الله بهم الإسلام، فمهّدوا قواعد الدين من بعده، وقاموا بنصرته أعظم قيام، صلاة وسلامًا عليه دائمين إلى أن نلقاه بدار السلام.
أما بعد: أيها المؤمنون، بعد عودة رسولنا في الطائف وامتناع أهلها عن اتباع دعوته، وبعد أن آذوه عاد إلى مكة المكرمة ـ زادها الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ـ وطلب النصرة، ودخل في جوار المطعم بن عدي، وكان كافرًا يومها، ورغم أنه كان يعلم خطورة الإقدام على هذه المغامرة، وأنه سوف يعادي قريشًا كلها، وقام المطعم على راحلته وقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا، فلا يتعرض له أحد منكم، وهذا الموقف كان صفعة لزعماء قريش.
وحفظ له النبي هذا الموقف، وقال بعد أسر سبعين من صناديدهم في معركة بدر: (( لو كان المطعم حيًا لوهبتهم له ) ) [1] إنه موقف الوفاء ولو مع غير المسلمين.
أيها المؤمنون، إذا كان هذا موقف واحد من أهل الكفر، فما بال المسلمين اليوم لا يهبون لنجدة إخوانهم في أرض العراق؟!
إن تخاذل زعماء المسلمين وقادتهم والذين يتابعون المجازر البشعة والتي ترتكبها القوات الأمريكية والبريطانية الغازية عبر شاشات التلفزة سيسجله التاريخ لهم، وهو موقف ذلّ وعار وخذلان، دول كافرة لا تدين بالإسلام وقفت موقفًا مشرّفًا، وإن كانت في واقع الأمر تدافع عن مصالحها في المنطقة، وأدانت العدوان، ورفضت عبور القوات الغازية من أراضيها أو مياهها الإقليمية، رفضت قطع علاقاتها مع العراق، أليس للأمة الإسلامية والعربية مصالح مع الشعب العراقي؟! ألم يعطِ من نفطه لبعض الدول العربية وبالمجان؟! وللأسف فقد سمحت دول عربية وإسلامية بعبور قوات التحالف من أراضيها، قواعد عسكرية تتمركز بالبلاد المحيطة بالعراق ممن ينتسبون إلى أمة الإسلام.
ومن المؤسف أيضًا أن زعماءكم قد تأسّفوا لما يجري في أرض العراق، ولم يدركوا أن الدور قادم عليهم، أين تصرف كلمة الأسف؟! هل تصرف في بحر الدماء والخراب والقتل والدمار؟! هل تصرف أمام أشلاء الضحايا من أطفال ونساء وشيوخ؟!
إن أعداءكم قتلة متعطّشون لسفك الدماء، يقتلون البشرية، ويسرقون الخيرات، ويدمرون الحضارة، لك الله يا شعب العراق المسلم، وأنت تواجه العدوان بالإيمان والعقيدة، وقد تخلى عنك زعماء العرب، لك الله يا شعب العراق الصامد، وأنت تواجه أسلحة الدمار الشامل.
وللأسف الشديد، إعلام الدول العربية لا يعكس إلا ما تملي عليه وسائل الإعلام الأمريكية، لا يتحدثون عن صمود العراق، لا يتحدثون عن شعب عانى من حصار دام اثني عشر عامًا، شعب رفض الاستسلام ورفض المذلة والهوان، آثر الاستشهاد لأنه يؤمن أن الموت بشهامة وكرامة أفضل من حياة ذلّ تدوسه فيها نعال المستعمرين.
عباد الله، المدينة المنورة طوّقت في غزوة الخندق من شتى أقطارها، والمسلمون كانوا في حصار شديد وبرد قارس، والمجاعة تكاد تقضم بأنيابها كلّ أخضر ويابس، ومع ذلك كان الأمل لا يفارق المسلمين، لا يفارق الرسول أن أمته ستفتح فارس وتفتح الروم، رغم حصار المدينة.
وأنتم أيها المؤمنون، لا تيأسوا من روح الله، لا تيأسوا من رحمة الله، فإن النصر آت لا محالة، والله تبارك وتعالى هو القائل: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] ، وهو القائل: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] ، لقد آن الأوان أن نعود إلى الله تبارك وتعالى، فإن كثرة الذنوب ضيقت الأرزاق وأفسدت الأخلاق وضيعت المروءات ونزعت الرحمة من صدور العباد.
عباد الله، احفظوا الله يحفظكم، وانصروا الله ينصركم، واذكروا الله يذكركم، واشكروا الله يزدكم، الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله من كفر، وأعز الله من نصر.
أيها المسلمون، أنتم ترون كيف أن أعداء الإسلام يضربون طوقًا وحصارًا مشددين لمنع أبناء فلسطين من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، اسمعوا قول الله تبارك وتعالى وهو يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـ?جِدَ ?للَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ?سْمُهُ وَسَعَى? فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِى ?لدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] ، وأنتم ترون أيضًا وتسمعون في كل يوم عن قتل وتشريد واعتقال وهدم للمنازل دون حسيب ولا رقيب، دون استنكار من قريب أو بعيد، وكأن أمتنا قد استسلمت لهذا الأمر الواقع المشين، فصبرًا يا أهلنا في أرضنا المباركة، مزيدًا من الثبات والرباط، فأنتم في رباط في سبيل الله، فقد اختاركم الله لحماية هذه الأرض المقدسة، والنصر آت لا محالة بإذن الله تبارك وتعالى.
أعاننا الله وإياكم على اتباع أمره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده، إِن يَنصُرْكُمُ ?للَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ?لَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160] .
[1] رواه البخاري في فرض الخمس (3139) .