الرقاق والأخلاق والآداب
مساوئ الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-طلب المؤمن للرّزق. 2- غريزة حبّ المال. 3- حقيقة الشحّ. 4- ذمّ الشحّ وبيان مفاسده. 5- مظاهر الشحّ: المماطلة مع القدرة على الوفاء، الخصومة في الباطل، التصرف في أموال المساهمين، أخذ المقابل على الشفاعة، الخيانة في توزيع الحقوق، الغشّ في المعاملات، الرشوة، منع الزكاة.
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.
عبادَ الله، المؤمنُ يسعَى في طلبِ الرّزق جُهدَه امتثالًا لقولِه تعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17] ، وقوله: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15] . ثمّ المؤمنُ مع سعيِه يأخُذ بالأسبابِ النافعة المأذونِ فيها شرعًا ليتحقَّقَ بتوفيقِ الله له مقصودُه ومرادُه، وفي الحديثِ عنه: (( احرِص على ما ينفَعُك، واستعِن بالله، ولا تعجزَن ) ) [1] . ومع السَّعي والأخذ بالأسباب هو علَى يقينٍ جازمٍ أنَّ الأمر كلَّه بيَد الله، وأنَّ اللهَ جلّ جلاله فاضَل بين النّاسِ في عُقولهم، في أخلاقهم، في أرزاقهم، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62] . ثمّ هو بعدَ هذا يرضَى بقَسْم الله له، وتطمئنُّ بذلك نفسه، ويقنَعُ بهذا، في الحديث: (( قد أفلَحَ من أسلَم ورُزِق كفافًا وقنَّعه الله بما أعطاه ) ) [2] .
أيّها المسلم، وكلُّ مسلمٍ على يقينٍ بأنّ حُبَّ المال غَريزةٌ في النفوس، لا يستطيع أحدٌ منَّا أن ينكرَ ذلك، الله يقول لنا: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20] ، ويقول لنا جل جلاله في حقِّ الإنسان: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] . هذا أمرٌ مستقِرّ في الفِطَر، وإنكارُه مكابرةٌ وجدالٌ بالباطل، لكنَّ المسلمَ مع حبِّه للمال وسَعيِه في طلبه إلاَّ أنّه بعيدٌ كلَّ البعدِ عن الشحِّ.
وحقيقةُ الشحِّ شَرَهُ النَّفس والحِرص على المال وجَلبه بأيِّ طريقٍ حِلٍّ أو حرام. والشحُّ أيضًا التطلُّع إلى ما لا يحلّ للعبد أن يتطلَّع إليه، لكن مرضُ القلب أدّى إلى ذلك.
وربُّنا جل وعلا أخبرنا أنَّ من وُقِي شُحَّ نفسه فهو دليل على فلاحِه وسعادته في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] .
أجَل أيّها المسلم، مَن وُقِي شحَّ نفسه كان من المفلحين، كان من المطمئنّين، كان ممن يعيش راحةً وانشراحَ صدر وقرَّة عين، لا يتطلَّع إلى ما بِيَد الغير، ولا يتعدَّى ما حُدَّ له، بل هو يسير على طريقٍ مستقيم ومَنهج قويم في طَلبِ المال وسائر الملذَّات.
أيّها المسلم، الشحُّ خُلقٌ ذميم، من نجا منه نجا من بلاءٍ عظيم، يقول نبيّنا: (( إيّاكم والشحَّ، فإنّه أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرَهم بالظُّلمِ فظَلَموا، وأمَرَهم بالفُجور ففجَروا ) ) [3] . تلك آفاتٌ ثلاث ترتَّبت على الشحّ: القطيعةُ للرّحم، الفجور، وثالث ذلك ظلْمُ العباد والتعدِّي عليهم، فشحيح النَّفس قاطعٌ لرَحِمه، سَيطَر البخلُ على نفسِه فمنَع الواجباتِ، سيطر الشحُّ على نفسِه فظلم العبادَ وبخَسَهم حقوقَهم وجَحد ما في ذمَّته لهم، سيطر الشحُّ عليه ففجرَ في أخلاقِه وسلوكه ولم يقنَع بما أباح الله له، في الحديث الآخر: (( اتَّقوا الشحَّ، فإنه أهلَكَ مَن كان قبلكم؛ حَمَلهم على أن سَفَكوا دِماءَهم واستحلّوا محارمهم ) ) [4] .
أخي المسلم، لعلَّك أن تقولَ: ما هي صُوَر هذا الشحّ؟ ونريد صُوَرًا لحقيقةِ هذا الشحّ، حتى يكونَ المسلم مبتعِدًا عن هذا الخُلُق الذَميم، عن هذا الخُلُق الرذيل.
نقول: يا أخي، من مظاهِر الشحِّ مماطلةُ من عليهِ الحقّ وعدمُ وفاءِ الديون مع القدرةِ والتمكُّن من ذلك، فمَن في ذمَّته حقوقٌ للآخرين واللهُ قَد بسطَ عليه وأعطاه لا يمكِن أن تطيبَ نفسُه أن يدفعَ إلى أهلِ الحقوق حقوقَهم، لماذا؟ لأنَّ شحَّ نفسه يمنعُه من ذلك، حقٌّ مستقِرٌّ في ذمّته يعلَمه حقًّا، لكن مع هذا يثقُل عليه أن يسدِّدَ ما في ذمّته من حقوقِ الآخرين، لماذا هذا الامتناع؟ شَرَهٌ في النَّفس، وحِرصٌ على المال، وطمعٌ عسى أن يسأَم ذلك الغريمُ ويملَّ الخصومَةَ ويتعب فيتركَ الذي له ويذهَب، أو عساه أن يتنازلَ عن بعض ما لَه مِنَ الحقوق ليغتنمَ الحصولَ على جزءٍ من المال، فهذا الشّحيحُ لا يُعطي الناسَ حقوقَهم، يماطِلهم، ويترافعون إلى المحاكِم ضدَّه، لكنه عنده ممارسةٌ في المماطَلاتِ والأكاذيب والأباطيل وإخلاف المواعيد، فعسى الغريم أن يسأم فيذهب ويترك حقَّه، وعساه أن يساوِم ويفاوض حتى يقتطع [بذلك] جزءًا من مال الحقِّ ظلمًا وعُدوانا.
مِن مظاهر الشحِّ الخصومةُ في الباطل وإقامةُ الدعاوى الكيدية التي لا أصلَ لها، بل هي ظلمٌ وعدوان، فربما أقامَ دعوى على إنسان وهو يعلَمُ في حقيقة نفسه أنَّ دعواه كَذِب وافتراء، لكن لعل وعسى أن ينالَ منها شيئًا، ولذا في الحديث عنه قال: (( من خاصَمَ في باطلٍ لم يزَلْ في سَخَط الله حتى ينزِع ) ) [5] . هذه الدعوى الكيدية التي يُبرمها مرضَى القلوب والذين سيطَر الشحُّ عليهم ليأخذوا أموالَ الناس ظلمًا وعدوانا، يجدون من يعينهم على باطلهم ومَن يساعِدهم في ظلمِهم ومن يمهِّد لهم الطريق، ألا وهم بعضُ المحامين الذين لا إيمانَ ولا عهدَ عندهم، هؤلاء المحامُون بالباطل وراءَ كلِّ دعوًى كيديّة لا أصلَ لها ولا صحَّةَ لها، ولكنها دعوى باطلة يقيمها من يقيمها ويتولَّى كِبرَها المحامي الذي لا يخاف اللهَ ولا يرجوه، وما يزال بحِيَلِه وأساليبه وخِداعه حتى ربما ظفر ببعض الأشياء وأربَك الناسَ وحصَل ما حصل لينال شيئًا من هذه المادّة، والله يعلم أنه يعلَم أنّ ذلك كذبٌ وافتراء، لكن حبُّ المال رأسُ كلِّ خطيئة، حُبُّه الذي [هو] خلافُ ما شرع الله وأذِن فيه، فالذين يحامون عن المجرمين ويدافعون عن الكذَّابين ويترافعون في المحاكِم دِفاعًا عن الظالمين والمفترين ومن يَعلم الله أنهم كاذبون فيما يقولون، هؤلاء مِنَ الذين أُصيبوا بالشُحِّ في أعمالهم، إلى أن جَعَلوا المحاماةَ التي هي في مُعظمِها باطلةٌ ليتوسَّلوا بها إلى ظلمِ العباد، قد يقيم دعوًى على مُلكٍ ما، وقد ينازِع في أمرٍ ما، وإن كان له شبهةٌ من حقّ، لكنَّ المحاميَ الذي لا يريد سِوى المصلحةَ المادّية يطوِّر هذه الدعوى ويجسِّدها ويبدي ويعيد ويستعمِل أساليبَ المكرِ والخداع والأكاذيب والتزويرِ للحقائق حتى ربَّما ظفر بشيء من ذلك، وأُعطِي اتّقاءً لشرِّه، قَلَب الحقائقَ وزوَّر الوثائق وأتى بكلِّ قولٍ باطل.
مِن مظاهر الشحِّ تصرُّفُ بعضِ رؤساءِ المساهمات في أموالِ الناس، فهم ائتمَنوهم على هذه الأموال وعلى هذه المساهمات، ولكنَّ بعضَهم هدانا الله وإياهم ليس عندهم أمانةٌ، أو عنده أمانةٌ لكن ليس دقيقًا في حساباته وأموره، فربَّما باعَ المساهماتِ وجاء رِبحٌ عظيم فيها، لكن شحُّ النفسِ حمله إلى أن يبخَسَ الناسَ حقوقَهم. يأتيه الشيطانُ بتأويلاتٍ باطلة، ويزيِّن له القبيحَ، حتى يقتطعَ من أموال المساهمين أمرًا ليس له فيه حقّ تحت ستار احتياطٍ للأشياء أو خوفًا من حدوثِ أمورٍ جادّة، فتمضي السنون، وينسَى الناس حقوقَهم، ويظفر هذا بأموالِ الناس، وسيندم عندما تفارِق الروحُ الجسد.
مِن مظاهر الشحِّ أنّ بعضَهم لو احتجتَ إليه في حاجة أو قَضى لك غرضًا أو حقَّق مصلحةً وهو يقدِر عليها لم تطِب نفسه حتى يساوِمَك على هذه الشفاعةِ بمبلغٍ من المال يحقِّق به مطلوبَك، فيقول لك: إن أردتَ نفعَك في أيِّ أمرٍ ما من الأمور؛ وظيفة أو غير ذلك مصلحة ما أنت تستحقُّها، وهو مسلِم أخٌ لك في الإسلام، يقول: لا يمكِن النفعُ ولا يمكن الشفاعةُ إلاَّ أن نتَّفِق على جزءٍ من المالِ قبلَ أن نبدَأ في الشّفاعة. وهذا من الشّحِّ لأنّ هذا أخذُ مالٍ بغير حقّ، وفي الحديث: (( من شَفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديّةً فقبِلها فقد أتى بابًا من أبواب الربا ) ) [6] .
مِن مظاهر الشحِّ أنّ بعضَ من يُعهَد إليهم بتوزيعِ بعض الأشياء وإعطاءِ بعضِ مَن لهم حاجات واستحقاقات، أنّ هذا المتولِّي لا يمكِن أن يُمضِيَ وينفِّذَ ما أُمِر بتنفيذِه إلاَّ أن يساومَ صاحبَ الحقِّ عليه، فيقول له: أُمِر لك بمبلغٍ من المال لكن لا يمكن إلاَّ الثلثُ أو النّصف أو الرّبع لنا والباقي لك، إن وافق هذا مضَت الأمور في يومٍ واحد، وإن أبى وامتَنع وقال:"هذا حقٌّ أتاح الله لي فما لَكَ شيء فيه، أنت عاملٌ وموظَّف لا حقَّ لك في هذا الشيء"وضَع العراقيلَ أمامَك حتى ربما نُسِي مالُك، أو حتّى ربما استحوذَ عليه كلَّه بأكاذيبَ وأباطيل، فالشحّ يمنعه من أن ينفِّذَ ما أُمِر بتنفيذه، ولهذا النبي قال: (( الخازنُ المسلم الأمينُ الذي يُودِّي ما أُمِر بأدائه فيدفعُه كامِلًا غيرَ منتقص أحدُ المتصدِّقين ) ) [7] . إذًا هذا اللئيمُ الذي يساومُك على حقِّك وعلى فضلٍ هيَّأه الله لك ولا يمكن أن تأخذَه إلاَّ باقتطاع جزءٍ منه إنَّما هو الشحُّ الذي سيطَر على نفسِه فلم تُطِعه نفسُهُ في إعطاء الحقوق ووفائها.
أيّها المسلم، مِن مظاهر الشحِّ الخبيثِ غِشُّ المسلمين في معاملاتهم والتدليسُ عليهم وخِداعهم بأنواع الخِداع والمكر، حتى يظنّ الناس أنك محِقٌّ والواقع أنك مبطل. المعاملاتُ الربويّة ومعاملات الميسِر كلُّها من شحِّ النفس؛ لأنها أخذُ مالٍ بغير حقّ، ولذا النبيّ قال في الشحّ: (( حملهم على أن سَفَكوا دماءَهم واستحلُّوا محارِمهم ) ) [8] .
هذا الشحيحُ أيضًا قد ينتقِل الشحُّ إلى أخلاقِه وسلُوكه وإلى أعمالِه، فهو يجتنِب العدلَ ويرتكبَ الظلم، وهذا من الشحِّ، وهو لا يرضى بما أباح الله له، بل يتطلَّع إلى ما حرَّم الله عليه، وهو مخادعٌ وماكر ومروِّجُ باطلٍ وداعٍ إلى كل شَرٍّ وفساد، هؤلاء الذين سيطرَ الشحُّ على نفوسِهم وملأ الحرصُ قلوبهم، فلم يُقنعهم الحلالُ الذي أحلَّ الله لهم، ولذا قال الله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ [المعارج:29-31] . فالشحُّ في المال والأخلاقِ والسلوكِ دليلٌ على مرضِ القلبِ وعدمِ القناعةِ بما شرع الله وأباحه للعبد.
فليتَّق المسلمون ربَّهم، وليخلِّصوا معاملاتِهم، وليتَّقوا الشحَّ في تصرُّفاتهم، وليبتعِدوا عن ذلك، فإنه كما قال النبيّ: (( حملهم على القطيعة فقطعوا ) ) [9] ، قطعوا أرحامهم، لماذا؟ لأنهم والعياذُ بالله لا يرضيهم الحقّ الذي لهم، بل يتطلَّعون إلى زائد من ذلك. قد يكونُ بعضُ أولئك في المواريثِ يظلم ويُخفي بعضَ حقوق الورَثة، ويتساهل في ذلك، وهذا من الشحِّ الذي حَمَله إلى أن أخفَى الحقوقَ الماليّة، وجحد على الورثة، وتلاعب بالأموال، ولم يرضَ بقَسْم الله في المواريث، حملهم على ظلمِ الناس فظلموهم؛ حيث أخذوا منهم مالًا بغير حق، حملهم على الفجورِ في تصرُّفاتهم كلِّها، فكانوا والعياذ بالله رمزَ الفوضَى والإباحيّة وارتكابِ ما حرّم الله.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسدادَ والهداية لكلّ خير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:128] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في القدر (2664) عن أبي هريرة رضي لله عنه.
[2] أخرجه مسلم في الزكاة (1054) عن عبد الله بن عمرو رضي لله عنهما.
[3] أخرجه أحمد (2/159، 191، 195) ، وأبو داود في الزكاة (1698) ، والنسائي في الكبرى (6/486) ، والبيهقي في الكبرى (4/187، 10/243) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وعند أكثرهم: (( بالبخل فبخلوا ) )بدل: (( بالظلم فظلموا ) )، وصححه ابن حبان (5176) ، والحاكم (1516) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (1489) .
[4] أخرجه مسلم في البر (2578) عن جابر بن عبد الله رضي لله عنهما.
[5] أخرجه أحمد (2/70) ، وأبو داود في الأقضية (3597) ، والبيهقي في الكبرى (6/82) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (2222) ، ووافقه الذهبي، وجوّد إسناده المنذري في الترغيب (3/137) ، وهو في صحيح الترغيب (2248) .
[6] أخرجه أحمد (5/261) ، وأبو داود في البيوع (3541) ، والروياني (1228) ، والطبراني في الكبير (8/238) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3025) .
[7] أخرجه البخاري في الزكاة (1438) ، ومسلم في الزكاة (1023) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه نحوه.
[8] تقدم تخريجه.
[9] تقدم تخريجه.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، الرشوةُ من كبائر الذنوب، والراشي ملعونٌ، والمرتشي ملعونٌ، هكذا بيَّن النبيّ [1] .
لماذا لُعِن الراشي دافِع الرشوة؟ ولماذا لُعن المرتشي قابلُ الرشوة؟ لُعِنا لأنهما تعاونا على باطلٍ، فدفع هذا المالَ لهذا المرتشي إذ المرتشِي سهَّل المهمّة، فربما اقتَطعَ له حقَّ الغير، وربما أعانه على الظُّلم والعدوان. الراشي دَفعَ الرشوةَ لماذا دفعها؟ دفعها لتكونَ وسيلةً إلى هضمِ حُقوق الناس، وإلى التعدّي على الناس، وإلى إخفاء ما في ذمّته، وإلى التلبيس والتدليس على القضيّة حتى يكسبَها ولو كان مبطِلًا فيها. المرتشي قَبِل الرشوةَ وهو مسؤول لكن ذمَّتُه السيئة والعياذ بالله وضميرُه الفاسد حمَلَه أن يقبلَ الرشوة ويماطِلَ ويحاولَ ظُلمَ الناس، فإن كان من دفَع الرشوةَ عليه حقوقٌ للناس حاولَ ذلك المرتشِي أن لا يمكِّن صاحبَ الحقّ من حقِّه، لماذا؟ يضعُ العراقيلَ والمواعيدَ، ويحاول أن يفتريَ أشياء، وربما كتب تقريرًا سيِّئًا كاذبًا يضرّ به ذلك المستحقَّ لأجلِ الرشوة التي قبِلها، فإن يكن محقِّقًا في قضيّةٍ مالت به الرشوةُ إلى أن يجعلَ الباطل حقًّا والحقَّ باطلًا، وإن كان أمامَ التنفيذ حاول إرجاءَ التنفيذ والمماطلة بصاحب الحقّ نظرًا لأنّ تلك الرشوةَ وقعَت في يدِه، وربما كان الأمرُ مترتِّبًا على استحقاقِ أُناس أحدُهما أحقُّ من الآخر، لكن [بسبَبِ] الرشوة التي أخذها قدَّم المتأخِّر وأخَّر المتقدِّم، قدَّم الخائنَ وأخَّر الأمين، كلُّ ذلك لأجلِ الرشوة التي دُفِعت إليه، فهو برِشوَته يسيء للأفراد، ويسيء للمجتمع، ويفشي فيهم المحسوبيّةَ وقلَّةَ الأمانة والوفاءِ بالعهود.
أيّها المسلم، ومِن مظاهر الشحِّ حبُّ المال الشديد حتى يحمِلَ صاحبَه أن يبخَلَ بالزَّكاة المفروضة، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268] .
فلنتَّق الله في تعاملاتِنا، ولنراقبِ الله في تصرِّفاتِنا، ولنجعل خوفَ الله نصبَ أعيننا في تصرُّفاتنا كلِّها؛ لنكونَ من المؤمنين حقًّا قولًا وعمَلا وظاهرًا وباطنًا، ولا يكن حبُّ المال مسيطِرًا علينا مسيِّرًا لنا إلى ما لا خيرَ فيه، بل نتَّقي الله، ولنقف مع أنفسنا عند كلِّ أمرٍ نعملُه: هل في هذا إيقاع لنا في الشحّ أم في هذا نجاةٌ لنا من عذاب الله؟
نسأل الله للجميع التوفيق والسدادَ والهداية، وأن يجعلَنا جميعًا ممن يستمِعون القول فيتّبعون أحسنَه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه أحمد (2/164) ، وأبو داود في الأقضية، باب: في كراهية الرشوة (3580) ، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي (1337) ، وابن ماجه في الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة (2313) ، وابن الجارود في المنتقى (586) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (5077) ، والحاكم (4/102-103) ، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في الفتح (5/221) ، والألباني في تخريج أحاديث المشكاة (3753) .