فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 5777

دروس غزوة بدر الكبرى

سيرة وتاريخ

غزوات

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

عاقبة الصدق النصر - سر الجمع بين غزوتي بدر وأحد في سورة واحدة - أثر المعصية

في غزوة أحد في هزيمة المسلمين - أسباب الانتصار في غزوة بدر

فهذا هو الدرس الثاني من دروس غزوة بدر الكبرى، إنه إذا صدق المؤمنون فإن العاقبة هي النصر المبين، إذا كانت المقدمات صحيحة. هذه هي سنة الله تعالى في كونه. فإذا كانت حركة المؤمنين الجهادية صحيحة فإن النتيجة هي النصر المبين، هذا هو وعد الله الذي لا يخلف الميعاد. فإذا لم يتحقق النصر، فإن سبب ذلك أنه حدث خلل في حركة المؤمنين.

ومن أجل ذلك جمع الله تعالى بين غزوتين في درس قرآني واحد - هما غزوة بدر وغزوة أحد.

ففي غزوة بدر كان النصر حليف المؤمنين بالرغم من أن موازين القوة المادية كانت للمشركين وفي ذلك قال القرآن في كلمة قصيرة: وأنتم أذلة.

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [سورة آل عمران:123] . أي لا تملكون من القوى المادية شيئا، كان عدد المسلمين في غزوة بدر ثلاثة مائة وخمسة عشر رجلا ومعهم سبعون بعير فقط يتناوبون عليها في الركوب ولم يكن معهم من السلاح إلا الشيء القليل يناسب عددا قليلا لا يتجاوز سبعين رجلا. فإذا بهذه الفئة القليلة في مواجهة أكبر قوى طاغوتية في ذلك الوقت. وكانت قوة قريش يوم بدر ألف مقاتل إلا قليلا خرجوا بكامل عددهم وعدتهم وعلى رأسهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام والحارث بن عمرو والنضر بن الحارث وغيرهم من سادات قريش المشركة وزعمائها حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بذلك قال لأصحابه: (( هذه مكة ألقت إليكم بأفلاذ كبدها ) [1] وبالرغم من اختلاف ميزان القوة المادية إلا أن الله نصر المؤمنين يوم بدر، فقد أنزل ملائكته وكان ذلك مددا من الله سبحانه وتعالى لتعويض ذلك النقص في صفوف أوليائه.

أما في غزوة أحد، فإنه وإن كانت القوة المادية لدى المسلمين فيها أحسن وأفضل وبدأت بوادر النصر في أول المعركة إلا أن معركة أحد انتهت بانتكاس عسكري مؤلم للمسلمين. فلماذا كان الانتصار يوم بدر والانتكاس يوم أحد والأولياء هم الأولياء لم يتغيروا وعلى رأسهم خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فلننظر ماذا يقول الدرس القرآني في ذلك: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين [آل عمران:152] . نعم لقد عفا الله عنهم إنهم أولياؤه يحبهم ويحبونه ، فقد كانوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أصح هذه الأمة إيمانا وأقواهم عقيدة ولكنه كان درسا ربانيا موجعا للرعيل الأول حتى يكونوا في حركاتهم المقبلة فيما بعد أكثر وعيا وحرصا على ألا يشوب حركتهم الجهادية أي خلل كذلك الخلل الذي أصاب صفوفهم يوم أحد من مخالفة الرماة أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ومبارحتهم أماكنهم انسياقا وراء الغنائم رغم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصريح لهم.

أما في غزوة بدر فقد كانت حركة المؤمنين سليمة صحيحة، فلما اختبر الرسول صلى الله عليه وسلم عزائم أصحابه قبل خوض المعركة، وجدها على أحسن حال من الصبر والتقوى، 315 رجلا فقط خرجوا للاستيلاء على القافلة التجارية، لم يأتِ على خلد واحد منهم أنهم سيصادمون قوى كفرية تعادل قوتهم ثلاثة مرات. فلما استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم: (( أشيروا علي أيها الناس ) )، أجابه المهاجرون أولا فأحسنوا الجواب وكان منهم المقداد بن الأسود رضي الله عنه فقال: يا رسول الله والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك العماد لسرنا معك نجاهد من دونه حتى تبلغه.

فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم وقال مرة أخرى: (( أشيروا علي أيها الناس ) [2] فقال سيد من أسياد الأنصار هو سعد بن معاذ: والله كأنك تريدنا يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أجل ) )، فقال سعد رضي الله عنه: لقد آمنا بك وصدقنا وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا على السمع والطاعة لك، فامض على ما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. والله إنا لا نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا صدق عند اللقاء لعلك ترى منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين والله إني لأنظر إلى مصارع القوم ) )، الله أكبر، فلقد نجحت هذه الثلة القليلة بقوة الإيمان والعقيدة.

تأمل كلام هذا السيد الأنصاري، تجد في كلامه وعيا صحيحا وفهما سليما لهذا الدين وكلهم على وعي سعد، فكيف لا ينصرهم الله عز وجل؟ فإذا لم ينصرهم لا يعبد الله على الأرض كما أشار إلى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه قبيل المعركة: (( اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ) ) [3] ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم الله بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [ آل عمران:123] .

[1] إبن إسحاق في السيره غزوة بدر.

[2] أخرجه مسلم بنحوه:ك:الجهاد والسير (1779) .

[3] أخرجه مسلم:ك:الجهاد والسير (1763) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت