فهرس الكتاب

الصفحة 3600 من 5777

فضائل الجمعة وأحكامها(1)

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الصلاة, فضائل الأزمنة والأمكنة

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-سيد الأيام وأفضلها. 2- يوم الجمعة يوم عيد. 3- يوم الجمعة في الآخرة.

أيُّها المسلمون، إنَّ يومكم هذا يومَ الجمعة يوم عظيم جليل، قد خُصَّ بمزيد من التشريف والتفضيل. فوا عجبًا، ما لكم لا تعظّمُونه بما يستحقُّه من تعظيم وتشريف، ولا تخصُّونه بما خُصَّ به من عبادة وتكليف؟!

فإن كنت ـ يا هذا ـ جاهلا فها أنا ذا أخبرك بحقيقة الأمر، وآتيك من ذلك بالمبتدأ والخبر، وإن كنت غافلًا ساهيا فهلمَّ إليَّ بسمعك لعلَّك تذَّكَّر. فأقول، وبالله أتأيَّد في هذا اليوم الأنور الأزهر المحجَّل الأغر:

اعلموا ـ إخوة الإسلام ـ أنَّ يوم الجمعة ليس كسائر الأيَّام، بل هو سيِّد الأيَّام، قال ذلك جبريل عليه السلام، وقاله نبيُّنا عليه الصلاة والسلام. والمعنى أنَّه سيِّد أيَّام الأسبوع، كما أنَّ يوم الأضحى أفضل أيَّام العام.

وبهذا نخرج من اختلاف العلماء: أيُّ اليومين أعظم؟ يوم الجمعة أم يوم عرفة ويومُ الأضحى؟ وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والتحقيق ما ذكرت: أنَّ يوم الجمعة هو بالنسبة إلى أيَّام الأسبوع أفضل الأيَّام، ويوم عرفة ويوم الأضحى هما أفضل الأيَّام بالنسبة إلى أيَّام العام، فإذا اتفق يوم عرفة ويوم الجمعة في يوم واحد ازداد ذلك اليوم شرفًا على شرف، وعظمة على عظمة.

وأمَّا الحديث الذي رواه ابن ماجة عن النبيِّ وفيه: (( وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر ) )فليس بصحيح، بل هو حديث ضعيف.

وقد شرحت لكم المرَّة بعد المرَّة أنَّ عظمة الأيَّام تعني تعظيم الأجور على الطاعات فيها، وتعظيم أوزار السيئات، فهي عظيمة البركة بما يعظَّم فيها للعمل الواحد من الأجر، وعظيمة الحرمة بما يعظَّم فيها إثم الذنب والوزر. فلذلك يكون يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة أعظم وأبرك ممَّا سواه، فيكون أجر الحاجِّ مضاعفًا أضعافًا لا يعلمها إلاَّ الله، من عشرة حجات في غير يوم الجمعة، إلى سبعين حجَّة، إلى مائة حجَّة، إلى ما شاء الله، وهو البر الكريم الجواد اللطيف.

ولذلك ورد في الحديث الذي رواه ابن جماعة في مشيخته أن أجر الحجَّة إذا وافق يوم عرفة يومَ الجمعة تعدل سبعين حجَّة، وهو حديث لا يثبت، لكنَّ معناه حسن كما شرحناه، فلعلَّ أصلَه أثر موقوف أو مقطوع. والله أعلم.

والمقصود الآن الكلام على عظمة يوم الجمعة، فقد اختاره الله لكم، وعظَّمه على سائر الأيام بمزيد من التفضيل والتشريف، وشرَّفه للعابدين بأنواع من القربات والوظائف، خصَّه بمناسك وعبادات وتكاليف.

فهو يوم مخصوص بمزايا وفضائل توجب تعظيمه وتشريفه، وتمييزه بما خصَّه الله به من المزايا والخصائص، وأنا أسرد لكم ما تيسَّر لي جمعه من هذه الخصائص:

1-فمن مزايا هذا اليوم أنَّه يومٌ من أجلِّ أيَّامكم وأفضلها، فقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ) )رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما بلفظ آخر قال: (( ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة ) ).

فيوم الجمعة هو خيَرة الله من الأيَّام، والله يخلق ما يشاء ويختار، وله الحكمة البالغة فيما يختار من خلقه. وقد كنت في خطبة مضت من مدَّة سنين لمن شهدها شرحت لكم فيها صفة الاختيار لله عزَّ وجل، وما فيها من حكم وآثارها في الأمر والخلق، في الشرائع الدينيَّة وفي البدائع الكونيَّة.

قال كعب الأحبار:"إنَّ الله عزَّ وجل اختار الشهور واختار شهر رمضان، واختار الأيَّام واختار يوم الجمعة، واختار الليالي واختار ليلة القدر، واختار الساعات واختار ساعة الصلاة".

ولله الحمد كلُّه، أولا وآخرا، باطنًا وظاهرا.

2-ومن مزايا هذا اليوم أنَّه عيدٌ هو ثالث أعيادكم، فقد روى البزار وابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وابن أبي الدنيا من طرق وإسناد الطبراني جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عرضت الجمعة على رسول الله ، جاءه بها جبريل عليه السلام فقال: (( ما هذا يا جبريل؟ ) )قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك.. الحديث، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك ) )رواه ابن ماجه بإسناد حسن لغيره.

ولما كان منسك العيد يشتمل إمَّا على صلاة وزكاة الفطر، أو على صلاة وقربان يذبحه، كان يوم الجمعة كالعيد يشتمل على صلاة وقربان وصدقة جميعًا. وقربان الجمعة هو تبكير العبد وتهجيره في الساعات الأولى قبل خروج الإمام. كما سننبِّه عليه في وقته.

3-ومن المزايا التي شرِّف بها هذا اليوم أنَّه اليوم المحجَّل الأغر الأزهر الأنور، في الدنيا وفي يوم المحشر، ولذا ترى أهل الجمعة في الدنيا أشبه ما يكونون في الآخرة، في بياض ثيابهم ونور وجوههم وطيب روائحهم. ولهذا استُحِبَّ في يوم الجمعة الطيب والسواك والبياض في أحسن ما يجده أحدكم من الثياب، فإنَّهم على هذه الهيئة يحشرون يوم القيامة.

فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( تحشر الأيام على هيئتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفون بها كالعروس، تهدى إلى خدرها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان، لا يُطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذِّنون المحتسبون ) )رواه الطبراني وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وإسناده حسن.

وعن أنس بن مالك: عرضت الجمعة على رسول الله ، جاءه بها جبريل عليه السلام في كفِّه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: (( ما هذا يا جبريل؟ ) )قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك... الحديث. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.

وسيأتي بتمامه في بعض الخطب اللاحقة إن شاء الله، وهذا حسبكم لهذا اليوم.

والله أسأله المغفرة لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت