فهرس الكتاب

الصفحة 1202 من 5777

فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي

عبد السلام بن محمد زود

سدني

مسجد السنة

1-البحر خلق من خلق الله ينفع به بعضًا من عباده ويهلك آخرين به. 2- نجاة موسى وغرق فرعون في البحر. 3- يونس عليه السلام في بطن الحوت. 4- هلك قوم لوط. 5- غرق السفينة (تيتانك) . 6- غرق الغواصة الروسية (كورسك) .

إخواني في الله: إن البحر بأمواجه آية من آيات الله تعالى، وإن ماءه ليملأ ثلاثة أرباع سطح الأرض، ولولا إمساك الرب جل وعلا للبحر بقدرته ومشيئته لطفح على الأرض فأغرقها ودمرها، ولجعل عاليها سافلها، وفي البحار أمواج عاتية في أعماق دهماء مظلمة، حالكة الظلام، وعلى عمق ستين مترا عن سطح البحر يصبح كل شيء مظلما في البحار، قال الله تعالى: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] .

والبحر خلق من خلق الله، يعبد الله ويوحده، ومن عجائبه التي تدل على إدراكه وعبوديته لله تعالى، أنه يعظم عليه أن يرى ابن آدم يعصي الله تعالى مع حلم الله عليه، فيتألم البحر لذلك، فيتمنى هلاك عصاة بني آدم، بل وأخبر النبي أن البحر يستأذن ربه في ذلك، ففي مسند الإمام أحمد فيما روي عن عمر بن الخطاب أن النبي قال: (( ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم -على العصاة- فيكفه الله ) ) [1] . - قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون- عن العوام ابن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لمحرسي، لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء، فصعدت، فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله قال: (( ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم فيكفه الله عز وجل ) )بمنه وكرمه، فلا إله إلا الله، البحر يتمعر ويتمنى إغراق العصاة ويستطيع ولكنه مأمور.

والآن إليكم إخواني بعض الحوادث التي حدثت في البحار، فتأملوها يا أولي الألباب:

ولكن قبل الشروع فيها، اعلموا أن البحر جند من جنود الله، ينتقم به ويهلك فيه من شاء من أعدائه، وينصر وينجي به من شاء من أوليائه، والمعركة بين الحق والباطل مستمرة إلى يوم القيامة، حتى ينصر الله أولياءه ويهلك أعداءه.

1 -لقد أمر الله البحر أن يحمل موسى طفلا رضيعا إلى قصر عدوه فرعون، لتبدأ المعركة بين الحق والباطل من هناك، من قصر الطاغية، قال تعالى آمرا أم موسى: أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39] . واستمرت المعركة بين موسى عليه السلام وفرعون لعنه الله بالحجة والبرهان زمنا طويلا، ولما بلغت المعركة أشدها، أوحى الله تعالى إلى موسى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فضربه بها، فانفلق بإذن الله"طريقا لموسى ومن معه، فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ أي صارت كل قطعة من البحر قائمة عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم، قال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا لكل سبط طريق، زاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيلة كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته فصار يبسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى [طه:77] . وقال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ - أي قربنا فرعون وقومه إلى البحر- وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ - فجعل الله لهم البحر أرضا يابسة فمشوا عليها ولم يغرق منهم أحد- ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ -أغرق الله فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم، بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، فلم ينج منهم أحد- إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه. [الشعراء: 63-68] . وزيادة على ذلك فقد أخبر تعالى عنهم بأنهم كانوا ظالمين فقال: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [الأنفال:54] ."

2 -ولما ركب يونس عليه السلام في السفينة المحملة بالبضائع، هاجت الرياح من كل ناحية، حتى كادت السفينة أن تغرق بمن فيها، فاتفق ركابها على عمل قرعة، ومن تقع عليه يُلقَى في البحر، لتخف حمولة السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه السلام ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فأرسل الله له حوتا فابتلعه، وأمر الله الحوت أن لا يكسر له عظما أو يخمش له لحما، وطاف به البحار، وغاص به إلى أعماقها، وبقي بداخله أيامًا عدة، حتى سمع تسبيح حيواناتها وحيتانها، فسبَّح الله تعالى واستغفره من هنالك، فقال تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [الصافات:139-148] . وقال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] . فقد أخبر تعالى أن يونس عليه السلام كان من الظالمين، عندما استعجل العذاب على قومه، لما دعاهم إلى الله ولم يستجيبوا له، ولولا أنه استغفر الله وسبحه لبقي في بطن الحوت في قعر البحر إلى يوم القيامة، لكن الله تعالى نجاه كما قال: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] .

3 -قبل هؤلاء جميعا قوم نوح، فإن الله تعالى لما أراد إهلاكهم، أمر نبيه نوحا عليه السلام أن يصنع سفينة فصنعها، ولما بدأ الطوفان أمره الله بالركوب فيها مع من آمن معه، وعم الطوفان الدنيا حتى بلغ قمم الجبال العالية، فنجاه الله تعالى ومن معه من المؤمنين، وأغرق من كفر بالله رب العالمين، قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [الأعراف:64] . وأخبر تعالى أنهم كانوا ظالمين أيضا فقال: فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت:14] . وهكذا فإن عاقبة الظلم وخيمة في الدنيا قبل الآخرة.

4 -وقوم لوط، الذين كانوا يعملون فاحشة اللواط التي ما سبقهم إليها أحد من العالمين، كانت عقوبتهم كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83] . وقوم لوط كانوا في قرى سدوم بالأردن، فرفعهم جبريل عليه السلام على جناحه إلى السماء مع قراهم ومدنهم، حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ونباح الكلاب، ثم قلبها بهم وصار عاليها سافلها، فغاصوا في الأرض [600] متر تحت سطح البحر، والمكان الذي قلبهم فيه جبريل عليه السلام يعرف اليوم بالبحر الميت. فهذه إخواني كانت بعض الحوادث التي ذكرها القرآن الكريم عمن أهلكهم أو نجاهم في البحر.

5 -وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، صنع الإنكليز باخرة عظيمة كانت - كما يقولون- فخر صناعاتهم، ثم انطلقت في رحلة ترفيهية، على متنها علية القوم ونخبة المجتمع - كما يصفون أنفسهم- وقد بلغ الفخر والاعتزاز ببناة السفينة درجة كبيرة من الكبر والغرور، فسموها [الباخرة التي لا تقهر] تايتنك بل سُمع أحد أفراد طاقمها يتشدق فخرا أمام بعض كبار ركابها بما ترجمته: [حتى الله نفسه لا يستطيع أن يغرق هذا المركب] جل الله وتعالى وتقدس أن يعجزه شيء في السموات أو في الأرض، وفي اليوم الثالث من سيرها في المحيط الأطلسي، وفي خضم كبرياء صناعها وركابها، شاء الله تعالى أن تصطدم بجبل جليدي عائم، فيفتح فيها فجوة بطول [90] مترا، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة -التي زعموا أنها لا تقهر- تستقر في قعر المحيط، ومعها [1504 ركاب] ألف وخمسمائة وأربعة ركاب، وحمولة بلغت [46] ألف طن، فلا إله إلا الله، ما أهون الخلق على الله تعالى إذا عصوه، فالله الله إخواني، إياكم والمعاصي، فإنها تذر الديار خرابا، والعزيز ذليلا، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/43) عن عمر بن الخطاب ، قال أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه على المسند (رقم 303) : إسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي روى عنه العوام بن حوشب أبو صالح مولى عمر لجهول أيضًا.

إخواني في الله: ولا زال الله عز وجل يفعل من هذه الحوادث وغيرها ما شاء متى شاء، وقد فعل بروسيا هذه الأيام ما شاء أن يفعل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لكن مع الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. ففي صبيحة يوم الأحد قبل الماضي الواقع في الثاني عشر من هذا الشهر [آب أغسطس/ 12/8/2000] وبينما كانت غواصات البحرية الروسية تشارك في مناورات عسكرية في بحر [بارنتس Barents sea ] في المحيط الأطلسي، شاء الله تعالى أن يخفف وطأة الجيش الروسي عن إخواننا المسلمين في الشيشان، وأن يشفي صدورهم وصدور المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وينتقم للمستضعفين من الرجال والنساء والأطفال الذين لا يستطيعون في هذه الحرب حيلة ولا يهتدون سبيلا، وينتقم للأخوات اللواتي انتهك عرضهن على أيدي الروس الملحدين، ويزيد من نقمة الشعب الروسي على رئيسه، ويوقع روسيا وجيرانها الكفار في أزمة طويلة وخطيرة تشغلهم عن المسلمين بعض الوقت، فأمر الله البحر - وهو جند من جنوده- أن يأخذ أقوى غواصة من تلك الغواصات، فتحرك البحر مباشرة لتنفيذ أمر المنتقم الجبار جل جلاله، وجمع قوته حول أكبر وأحدث غواصة نووية طولها أكثر من [100] متر، ووزنها [14] ألف طن، تسمى (كورسك) فابتلعها كلمح البصر، وهوى بها لتستقر بعد دقيقتين في قعر البحر معطوبة مشلولة منكوبة بمن فيها، على عمق 108 أمتار عن سطحه، والله أكبر، ولله الحمد.

هذا وشاء الجبار المتكبر جل في علاه أمرا آخر عقب إغراق الغواصة، ألا وهو أنه أمر جندًا آخر من جنوده، ألا وهي الرياح والأمواج، أمرها أن تتحرك لقطع الطريق على من سيحاول النجدة والمساعدة، وبالفعل فقد ساءت حالة الطقس في المنطقة كما ذكرت وسائل الإعلام، وهبت مباشرة رياح عاتية، وأمواج عالية، وضباب كثيف لم يعهد له مثيل، أعاق عمل سفن الإنقاذ التي أخذت تجوب المكان في حالة استنفار، كما أحبطت الرياح والأمواج محاولة إنزال قطعة بحرية لانتشال البحارة من الغواصة، كما هي عادتهم عند غرق الغواصات، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

ثم أمر الله تعالى مياه البحر أن تتسرب إلى داخل الغواصة العملاقة المحكمة الإغلاق، فتحركت المياه مستجيبة لأمر خالقها ومجريها، وبدأت بالتسرب إلى داخل الغواصة، متنقلة من غرفة إلى غرفة، ومن كبينة إلى أخرى، حتى وصلت إلى الكبينة الثامنة والتاسعة، فوجدت أمامها [118] عدوا من أعداء الله ورسوله والمؤمنين، من بينهم [54] ضابطا عسكريا روسيا، من إخوان الجيش الذي يحارب الله ورسوله والمؤمنين في الشيشان وغيرها من بلاد المسلمين، فأخذوا يصارعون ويتخبطون لا يدرون ماذا يفعلون، لأن الروح عزيزة، وخروجها صعب للغاية، قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:50-51] .

ولا شك أن طاقم الغواصة منذ أن هوت وهو يحاول الاتصال طالبا النجدة، كما ذكرت الأخبار أن طاقم الغواصة اتصل بعمال الإنقاذ بواسطة الطَّرْقِ على بدن الغواصة، إلا أن صوت ضرباتهم أخذ يخف شيئا فشيئا، وما درى المساكين أن ملك الموت كان يقبض أرواحهم في تلك اللحظات، لتخرج إلى سخط من الله وغضب، قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا -أغضبونا- انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:55] . أجل لقد أغرقهم أولا ثم أماتهم ثانيا، ليجمع لهم بين الخوفين، خوف الغرق وخوف الموت، قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم:98] . هل ترى منهم أحدا في ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الغواصة؟ أو تسمع لهم ركزا أي صوتا أو حسا ولو خفيفا؟ لا والله، لأنهم قد ماتوا.

وبعد غرقها وموت من فيها، بدأت البحرية الروسية البحث عن مكان الغواصة، الذي أخذ وقتا طويلا في تحديد مكانها، كما سارعت جهات دولية مبدية استعدادها للمساعدة، لكن بعد ماذا؟ بعد أن انتهى كل شيئ، وكان أمر الله قدرا مقدورا؟!! قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] . تركتم كل شيء، وذهب عنكم كل شيء، حتى من كنتم ترجون مساعدتهم، لا زالوا حتى الآن يبحثون عنكم، داخل الغواصة.

وبعد أيام من وصول الغواصين النرويجين والبريطانيين إلى الغواصة المنكوبة المشلولة في قعر البحر، شاء الله تعالى أن يعثروا على أول جثة من الضحايا بالقرب من منفذ النجاة فانتشلوه معهم، ويبدو أنه هرب من الموت حين داهمته المياه، فخرجت روحه بالقرب من منفذ الطوارئ، ليقول بلسان حاله لروسيا وللعالم بأسره: لا تتعبوا أنفسكم في البحث عنا، ها نحن قد متنا جميعا، وأنا رسولهم إليكم، فابدءوا بطقوسكم عن أرواحنا، التي بدا لها من الله ما لم تكن تحتسب.

إخواني في الله: وما حدث من غرق الغواصة الحربية النووية الروسية، لم يكن الأول من نوعه والحمد لله، بل سبقته حوادث مماثلة كان آخرها في شهر أبريل نيسان عام 1989، عندما غرقت الغواصة الروسية (كومسومولتس) في نفس البحر على بعد حوالي [300] كيلومتر شمالي السواحل النرويجية، وراح ضحية الحادث يومها [69] جنديا وعسكريا روسيا لا ردهم الله.

هذا والمشكلة التي تواجهها روسيا في هذه الأيام، هو كيفية انتشال الجثث التي أكدت التقارير أن انتشالها سيكون عملية خطيرة، وتستغرق وقتا طويلا ربما إلى نهاية السنة، وأن دخول الغواصين إلى داخل الغواصة المظلمة، والمليئة بالمياه، أمر ينطوي على مخاطر. - ومشكلة أخرى تخشى منها روسيا والدول المجاورة لها، ألا وهو تسرب إشعاعات نووية من المفاعلين النوويين اللذين تحملهما الغواصة، يُعَرِّضُ المنطقة بأكملها لخطر محدق، والأخبار الآن بدأت تتضارب حول الإشعاعات النووية هل بدأت بالتسرب في البحر أم لا؟.

وهكذا إخواني: لقد تحول الماء -وهو سبب الحياة لكل من عليها.

تحول إلى سبب دمار وهلاك لقوم نوح عليه السلام زمن الطوفان، وغرق وهلاك ودمار أيضا لفرعون وجنده، وللغواصة الإنكليزية، واليوم للغواصة النووية الروسية، التي أصبحت بمن فيها حديثا يتناقله الناس على مستوى العالم، حيث مزقهم الله كل ممزق، وجعلهم أحاديث للناس، انتقاما لأوليائه، وشفاء لصدور عباده المؤمنين. - أما الإعتذارات، وإعلان الحداد، وإيقاد الشموع، وتنكيس الأعلام، وتوقف محطات الإذاعة والتليفزيون عن بث البرامج الترفيهية، فكل ذلك لن يجدي نفعا، بعد أن كان أمر الله مفعولا.

هذا وليعلم الروس الملاحدة وغيرهم من الدول الكافرة، المعادية للإسلام والمسلمين، ليعلموا جميعا أنهم إنما يحاربون الله وأن الله موهون كيدهم، فمهما حاربوا الإسلام والمسلمين، فإن ربك لهم بالمرصاد، وهذه الكارثة آية من آيات الله خوفهم الله تعالى وأنذرهم بها، فعليهم الرجوع عما هم عليه من إلحاد وبغي وظلم واعتداء على عباد الله الآمنين. - وعلى الأمم عامة أن تنسجم مع الظواهر الكونية الأخرى في الخضوع لله تعالى، وذلك ببذل خيرها وكف شرها، لكي تنسجم معهم تلك الظواهر هي الأخرى، فلا تكف عنهم خيرا، ولا تضطرب منفعلة باضطرابهم، فتغمرهم شرا.

والمهم إخواني: أن الدرس الذي يجب أن نأخذه مما سمعنا: هو أن الظلم ودولته لا يدومان، وأن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وأن الله تعالى يمهل ولا يهمل، كما قال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183] . وأنه جل وعلا ينتقم لأوليائه من أعدائه متى شاء وكيف شاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وأن على المؤمنين أن لا ييأسوا من نصر الله، فوالله الذي لا إله غيره، إن الذي نصر الأنبياء والمرسلين لقادر على أن ينصر أتباعهم المؤمنين، ليس في الدنيا فقط، بل في الدنيا والآخرة، ولو طال الزمان، لقوله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [فاطر:51] . لكن ما علينا إلا أن ننصر الله تعالى، وذلك بالتزام شرعه قولا وعملا واعتقادا، والإنتهاء عما عنه نهى وزجر قولا وعملا واعتقادا، وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت