موضوعات عامة
مخلوقات الله
هاشم محمد علي المشهداني
الدوحة
الريان الكبير
1-تعريف بآلة الشم ونعمة الشم ونعمة الأنف. 2- من السنة وضع الطيب. 3- حاسة البصر
والشتم عند الإنسان والحيوان. 4- أنواع طيبة من الريح. 5- أنواع خبيثة من الريح.
6-أحكام متعلقة بالرائحة.
قال تعالى: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم [القلم:10-16] . توجيه الله لرسوله ألا يطيع من كانت هذه مثالبه كثير الحلف، حقير، عياب، نمام، كثير الإثم، دعي في قومه استقوى بماله وولده فقال كفرا فتوعده رب العزة أن يجعل له علامة على أنفه وهو مكان العزة والحمية عند العربي وهو أكرم موضع والمراد ب سنسمه أي سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإذلال.
فما آلة الشم؟ وما أنواع ما يجده العبد من ريح؟ وما الأحكام المتعلقة به؟
أما آلة الشم: فهي آية إدراك الروائح بواسطة الأنف سبحان مبدعه وخالقه، أودع الله فيه حاسة الشم وبها تدرك الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة.
تأمل ابن القيم رحمه الله بديع صنع الله في الأنف فقال: نصب الله سبحانه قصبة الأنف في الوجه فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه المنخرين وحجز بينهما بحاجز فإذا نزلت الفضلات من أحد المنافذ في الغالب يبقى الآخر للتنفس وجعل أعلاه أدق من أسفله، فإذا تجمعت فيه الفضلات خرجت بسهولة ( [1] ) .
ومن السنة وضع الطيب وقبوله إذا عرض للحديث: (( من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة ) ) ( [2] ) .
وشبه الرسول الجليس الصالح بحامل المسك فقال: (( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تجد منه ريحا طيبا ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ) ) ( [3] ) .
وحاسة الشم لدى الإنسان قاصرة والكلب خير منه في ذلك وبه يستعان لكشف المجرمين وتتبع آثارهم، وكذا جميع حواس الإنسان قاصرة ففي سمعه لا يسمع إلا ما كان تردده من 5 - 25 ألف ذبذبة في الثانية فما نقص أو زاد لا يسمع. وبصر الإنسان قاصر فهو لا يرى عالم الجراثيم والبكتريا إلا بواسطة المجهر، فلا يجوز بل من الغباء أن ينكر العبد وجود عالم غيبي كالملائكة أو الجن لأنه لا يجد لهم لونا أو طعما أو رائحة وهو قاصر في حواسه تلك..
والقاعدة ليس كل ما لا تراه ليس موجودا.
والفطر السليمة تتفق على استحسان الريح الطيب واستقذار الريح الخبيث.
وأما أنواع ما يجده من الريح:
فأكرم الريح ريح الجنة، قال تعالى: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم [الواقعة:88-89] . والحب ذو العصف والريحان [الرحمن:12] . والريحان: كل نبت طيب الريح، وفي الحديث: (( ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، وهي ورب الكعبة نور تتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة ) )قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: قولوا: إن شاء الله فقال القوم: إن شاء الله )) ( [4] ) . والمحروم من حرم ريحها وهو يوجد من مسيرة خمسمائة عام للحديث: (( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يرون الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) )وفي رواية (( خمسمائة عام ) ) ( [5] ) .
ومن الريح الطيب ريح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يقول أنس: صحبت رسول الله عشر سنين وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهته. وكان عرقه الطيب فعن جابر قال: (( كان في رسول الله خصال لم يكن في طريق فسلكه أحد إلا عرف أنه سلكه من طي عرقه أو ريح عرقه ) ) ( [6] ) . ثم ريح يوسف عليه السلام عندما قال لمن كان عنده من إخوته بعد أن عرفهم بنفسه، قال تعالى: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا [يوسف:93-96] . خرجت العير من عريش مصر ويعقوب قريبا من بيت المقدس مسيرة ثماني أيام وللأنبياء مقام كريم، وعلم وكرامة ومعجزة لمنزلتهم من الله تعالى: قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون [يوسف:96] .
ريح دم الشهيد: والشهيد الذي يقتل في سبيل الله لا يصلى عليه ولا يغسل لكرامته، لا يصلى عليه لأنه في نص القرآن قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران:169] . ولا يغسلون للحديث: (( لا تغسلوهم فإن كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ) ) ( [7] ) ، بل إن الغبار الذي يثار في سير المجاهد من طيب الجنة للحديث: (( بينما رسول الله يسير إذا بشاب من قريش يسير معتزلا فقال: أليس ذلك فلان؟ قالوا: نعم، قال: فادعوه، فجاء فقال له النبي مالك اعتزلت عن الطريق؟، قال: كرهت الغبار، قال: فلا تعتزله فوالذي نفسي بيده إنه لذريرة(نوع من الطيب) الجنة )) ( [8] ) ، وكتب ابن المبارك إلى الفضيل ابن عياض من ساحات الجهاد، والفضيل مجاور الحرمين يقول له في أبيات تكتب بماء الذهب:
يا عباد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
ريح خبيثة: كريح المرأة إذا استعطرت لغير زوجها للحديث: (( أيما امرأة مرت على قوم فوجدوا ريحها فهي زانية ) ) ( [9] ) ، وفي الحديث في ليلة الإسراء: (( مررت بجب منتن الريح فسمعت فيه أصواتا شديدة فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: نساء كن يتزين للزينة ويفعلن ما لا يحل لهن ) ) ( [10] ) . أي اللاتي يظهرن التبرج ويتعطرن ويتحلين لصيد الرجال في شرك الغواية.
وللغيبة ريح عن جابر قال: (( كنا مع النبي فارتفعت ريح منتنة فقال رسول الله: أتدرون ما هذه الريح؟، هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين ) ) ( [11] ) . وفي الآخرة عقابهم كما جاء في حديث الإسراء: (( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء؟، قال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) ) ( [12] ) .
ومن الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع:
في صلاتنا: أن نبعد عن كل ريح خبيثة كالثوم والبصل ومن باب أولى هو الدخان للحديث: (( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به ابن آدم ) ) ( [13] ) إلا أن يميتها طبخا.
إذا شك المتوضئ في الحدث: هل أحدث أم لا؟، فإنه لا يضره حتى يستيقن للحديث: (( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فاشكل عليه اخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) ) ( [14] ) .
أن يتطهر الإنسان ويتطيب ويتنظف عند مجيئه إلى المسجد لقوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد [الأعراف:31] . وللحديث: (( حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة ) ) ( [15] ) .
( [1] ) مفتاح دار السعادة.
( [2] ) مسلم.
( [3] ) رواه البخاري ومسلم.
( [4] ) رواه ابن ماجة.
( [5] ) رواه مسلم.
( [6] ) البيهقي في دلائل النبوة.
( [7] ) رواه أحمد.
( [8] ) رواه الطبراني.
( [9] ) رواه أحمد.
( [10] ) رواه أبو داود.
( [11] ) متفق عليه.
( [12] ) رواه مسلم.
( [13] ) متفق عليه.
( [14] ) رواه الجماعة إلا الترمذي.
( [15] ) رواه أحمد.
لم ترد.