العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
هيثم جواد الحداد
لندن
المنتدى الإسلامي
1-التحذير من تعميم الأحكام دون مراعاة الإنصاف. 2- وجوب التثبت في القول والحذر من الظلم. 3- تذكير بمفهوم الولاء والبراء في الإسلام. 4- تقديم بعض المصالح على بعض من أسس الدين.
عباد الله، ها هي القوات الصليبية الغازية لا زالت تحاول بكل شكل إنزال الهزيمة بالعراق، وقد فقدت صوابها، وبدأت في التدمير والتقتيل بصورة همجية وحشية، بعد ما رأت من قوة التصدي التي أبداها العراقييون، وبعد أن شعرت بشيء من الإخفاق في تحقيق أهدافها في الأيام الأولى، التي وعدت من قبل بأنها ستنهي هذه الحرب خلالها، وهاهم إخوان لنا يواجهون آلة حربية مدمرة فتاكة. نسأل الله جل وعلا أن ينزل بها الهزيمة الماحقة، وأن يردها على أدبارها، وأن يكشف ظهورها للمسلمين، وأن يجعل من آلتها وعددها وعدتها غنيمة للمسلمين.
دك العراق بذنب غير مقترف وأَصْعر الخصم خديه من الصلفِ
فيا عراق دموع الحزن نسكبها على ثراك بدمع هاطل وكفِ
ويا عراق بديع الشعر نُنشده على رباك بلحنٍ والهٍ أسفِ
ويا عراق حشود الساخطين مشوا وأضربوا عن لذيذ النوم في الغرفِ
فهل ترى يا عراق الحزنَ نجدُتنا وهل ترى حزننا في النائبات يفي
قال العراق وقد جفت محاجره يا ضيعة العمر خاب الظن في الخلف
يامسلمون دموع الحزن لو بلغت هام السماء فلن تحمي حمى شرفي
يا مسلمون خطيب العرب قد رقصت على صدى قوله الغيداء في هيفِ
يا مسلمون قوافي الشعر لو جمعت في ألف ملحمةٍ لن ينطفي لهفي
عباد الله، ونحن نعيش قلب المعركة، لا بد لنا من التنبه إلى منعطفات خطبرة تمر بنا، علينا أن نحذر منها حتى لا نفقد التوازن، الذي يبحر بنا إلى شاطئ آمن في هذه المعامع. وإليكم ـ عباد الله ـ هذه النصائح التي تحفظ توازننا بين طرفين في العلم والعمل:
النصيحة الأولى: حذار ثم حذار ـ يا عباد الله ـ من تعميم الأحكام على طوائف المسلمين من أهل السنة، سواء كانت تلك الطوائف تنتمي إلى بلدان معينة، أو إلى أصول معينة.
وأعني بالتعميم هذا أن نسحب حكمًا واحدًا على فئات هذه الطائفة كلها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، بسبب خطأ بعض أفرادها أو حتى كثير من أفرادها.
عباد الله، ومن أمثلة هذا التعميم أن يقول القائل بعد أن رأى أن دولة الكويت مثلًا فتحت أرضها، وأحلت سماءها للمعتدي الأجنبي حتى ينطلق منها في إهلاك المسلمين، حيث لا خيانةَ أعظم من هذه الخيانة، ولا جرم أبلغ من هذا الجرم، إذ هي مظاهرة للكفار على المسلمين، وقد عد العلماء مظاهرة الكافر على المسلم كفر مخرج من الملة، قال الله جل وعلا: بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138، 139] .
وقال جل من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:51، 52] .
قال ابن جرير الطبري:"لا تتخذوا ـ أيها المؤمنون ـ الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:28] ، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:28] ، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل"، والآيات في حكم المظاهرة متواردة، وكلام أهل العلم أكثر من أن يحصى.
عباد الله، فلو قال قائل مثلًا: الكويتيون كلهم خونة، أو الكويتيون أولياء الصليبين، أو الكويتيون أعداء لله أو نحو ذلك، فهذا التعميم حكم جائر، وذنب عظيم، ويزداد جرم هذا الفعل إذا بنى عليه صاحبه أحكامًا دنيوية أخرى، كأن يبغض كلّ من كان كويتيًا، أو يعاديه ونحو ذلك.
أيها المؤمنون، نحن نعلم والكل يعلم أن الكويتيين ليسوا كلهم كذلك، فمنهم المجاهدون الصادقون الذين ضحوا بأموالهم، وأهلهم، ودمائهم وكل ما يملكون في سبيل الله جل وعلا، فهل ينطبق على مثل هؤلاء ينطبق عليهم ذلك التعميم الجائر؟
أيها المسلمون، ونعلم كذلك، والجميع مثل ذلك يعلم أن من الكويتين من هم أصحاب علم ودعوة، جهروا بكلمة الحق، ولم يخشوا في الله لومة لائم، مع أنهم في أحرج المواقف وأصعبها، فهم يسبحون في عكس تيار بلادهم، بل قد يتهمون بالخيانة والتواطؤ مع العدو بسبب هذه المواقف الجريئة الشجاعة في هذه المحنة.
ومثل هذه الحال ـ أيها الإخوة ـ تنطبق على الشعب الكردي المسلم، ذلك الشعب الذي أخرج يومًا من الأيام قاهر الصليبين، وداحر المعتدين صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
نحن نرى ويرى الجميع خيانة جماعات كردية تعيش في شمال العراق، ونرى تواطؤها القذر مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذبح العراق، وإحكام السيطرة عليه من الشمال والجنوب، لخنقه وإزهاق روحه، خابوا وخسروا.
لكننا نعلم ـ يا عباد الله ـ أن الأكراد ليسوا كلهم كذلك، ففيهم طوائف مجاهدة، ظاهرة على الحق، تدافع عن بيضة الإسلام، بل نرى منهم طوائف تقاتل خونة الأكراد، وتحاول دفع شرهم ومنع خطرهم حتى يأتي الله بفرجه.
أيها المؤمنون، وحينما نتحدث عن تعميم الأحكام على طائفة معينة، لا ينبغي أبدًا أن نقصر هذا المنع على الأحكام السالبة، بل تعميم الأحكام سلبًا وإيجابًا أمر خاطئ، فتعميم الأحكام الموجبة كتعميم الأحكام السالبة أمر مخالف للشرع والعقل، وذلك كأن يمتدح الإنسان أهل بلد معين، ويعمم حكم المدح عليهم جميعًا، فمثلًا نحن نرى العراقيين في هذه الأيام يقاومون الغازي المعتدي، ويقدمون كل يوم شهداء أو قتلى، ونرى هذا الشعب يتضرج بدمائه كل يوم بل كل ساعة، فهل كل العراقييين هكذا؟ هل كل العراقيين يضحون بأنفسهم من أجل مقاومة الصائل الذي اعتدى على بلادهم؟ هل كل العراقيين أهل نخوة وشرف وإباء، يرفضون الضيم، ويأبون الذل؟
لقد شاهدنا، وشاهد الجميع ـ يا عباد الله ـ ثللًا من خونة العراقيين، لا سيما أولئك الذين تلقوا تدريبات في معسكرات أجنبية على خيانة بلادهم وأهلهم، ولا نستبعد أيضًا أن يظهر خونة ممن يعيشون في العراق نفسها.
عباد الله، تعميم الأحكام بهذه الصورة مصيبة ابتلي بها المسلمون في هذه الأيام، ففرقت وحدتهم، وزرعت الأحقاد فيما بينهم، وولدت في صفوفهم نزاعات سرطانية خبيثة، استفحلت حتى صعب علاجها، هذا التعميم من شأنه أن يزيدنا فرقة فوق الفرقة، ويزيدَنا وهنا في وقت نحن أحوج ما نكون إلى توحيد الصف، ولملمة القوى.
أيها المؤمنون، هذا التعميم بهذه الصورة يتضمن الظلم والبغي، وهو من أعظم ما نهى الله تبارك وتعالى عنه، ثبت في الحديث القدسي عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ) )رواه مسلم [1] .
قال أبو الليث السمرقندي:"ليس شيء من الذنوب أعظمَ من الظلم، لأن الذنب إذا كان بينك وبين الله تعالى فإنّ الله تعالى كريم يتجاوز عنك، فإذا كان الذنب بينك وبين العباد فلا حيلة لك سوى رضا الخصم، فينبغي للظالم أن يتوب من الظلم ويتحلّل من المظلوم في الدنيا، فإذا لم يقدر عليه فينبغي أن يستغفر له، ويدعو له، فإنه يُرجى أن يحلّله بذلك" [2] .
أيها المؤمنون، إن من أسباب تعميم الأحكام هذا، ذلك الوثن المنتن الذي عبده كثير من الناس من دون الله جل وعلا، إنه وثن القومية والعصيبية للعرق والبلد.
في مسند الإمام أحمد وغيره عن الحارث ابن الحارث الأشعري أن النبي قال: (( ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جُثاء جهنم ) )ـ أو حثاء وفي بعض الروايات من جمر جهنم ـ قالوا: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: (( وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم، بما سماهم الله عز وجل، المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل ) ) [3] .
يجب علينا ـ أيها المسلمون ـ أن نوازن بين بغضنا لتصرفات أفراد أو طوائف معينين، وقفوا موقفا مخزيًا ينتمون إلى بلد أو قبيلة، وبين تعميمنا حكم البغض وتوابعَه لجميع أفراد ذلك البلد وتلك القبيلة.
فكل إنسان يعامل بحسب ما صدر منه، لا ما صدر من غيره، يعامل بذلك وفق الشريعة الإسلامية، لا وفق عواطفنا المندفعة والمنعتقة من أوامر الشريعة، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] .
النصيحة الثانية: عباد الله، نحن نشاهد بأم أعيننا راعية الظلم والإرهاب وربيبتها بريطانيا تفتك بهذا البلد المسلم، وتحاول جاهدة تدمير أكبر قدر من بنيته التحتية، وهاهي تسفك دماء مئات الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، دون أن يردعها عن إراقة هذه الدماء رادع، وقد شاهدنها من قبل كيف فعلت في أفغانستان، ونحن نصحو كل يوم، ونغفو على مشاهد الظلم الصارخ والقتل الفظيع، والتدمير والقهر الذي يجري على إخواننا في فلسطين على يد أبغض الخلق، وأحقر البشر إن كانوا من سلالة البشر أصلًا، اليهود الصهاينة، وبغطاء أمريكي متطرف.
نصبح على صور جديدة من العنجهية الأمريكية، ونضحي على غطرسة نتنة، ونتجرع غصص الحنظل بدل أن نأكل الطعام الشهي، حينما نشاهد الحقير بوش يتحدث بكل استعلاء ووقاحة، منتفشًا كالطاوس ومتبخترًا كقارون.
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:79-83] .
ثم نشاهد من جهة أخرى وقاحة منقطعة النظير من قادة البلاد الإسلامية، فقد تعاون بعضهم علانية مع مصاصي الدماء من أجل مزيد من القتل والتدمير، وكان للبعض الآخر شيء من الخجل، فتعاون مع المعتدي سرًا ومن وراء الكواليس، ووالله ما هو بخجل بل هو مُرود على النفاق، وطعن في الظهر، ومظاهرة سافرة للكافر على المسلم، نسأل الله أن يكفينا شرهم، وأن ينتقم لجراحات المسلمين منهم.
ومن سلم من التعاون بشتى صوره فقد أُلجم الحجارة في فهمه، وصمت عن قول الحق، فهو شيطان أخرس، فخذل المسلمين، وأصابهم في مقتل.
ثم نشاهد ـ يا عباد الله ـ بعد هذا كله الرئيس العراقي وقد ظهر في مظهر البطل، الذي يقاوم هذه الغطرسة الأمريكية، ويقف بكل صلابة متحديًا آلتها المدمرة، وتصوره أمريكا أنه عدوها الأول، وخصمها الكبير.
بعد كل هذا نندفع بعواطفنا التي تأججت بكره الظلم الأمريكي، والمحبطة من صنيع قادتنا، إلى حب الرئيس العراقي، ونظامه، ورجاله.
ثم لا نلبث بعد ذلك أن نتحيل بكل وسيلة لإقناع أنفسنا بأنه البطل المغوار، والمجاهد البطل، والرجل الشهم، وربما الصادق المجاهد الذي وقف حينما ركع الباقون، وصمد حين انخنس الجبناء.
عباد الله، علينا الحذر كل الحذر من فقدان التوازن بهذه الصورة في هذا المزلق الخطير، فبغضنا لأمريكا وظلمها لا يعني أبدًا حبنا لصدام ونظامه.
إن القاعدة التي تقول: عدو عدوي صديقي، والتي يبني عليها كثير من الناس ولاآتهم، شعروا أو لم يشعروا خاطئة وخاطئة جدًا.
إن المسلم متوازن في جميع الأحوال، متماسكٌ حتى في أوقات الفتن، لا يحمله الهوى، ولا تجرفه العاطفة، يزن الأمور بميزان الشرع.
إن ولاء المسلم وبراءه، وحبه وبغضه مبني على قاعدة الشرع الحكيم، فيحب من أطاع الله وسار في مرضاته كائنًا من كان، ويبغض من حارب الله وعاداه ولو كان من أقرب المقربين، ولو ظهر على أنه البطل المغوار، والفارس الكرار.
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22] .
[1] صحيح مسلم: كتاب البر والصلة (4674)
[2] تنبيه الغافلين (277) .
[3] انظر حديث رقم (1724) في صحيح الجامع.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله القوي المتين، الحمد لله الذي أعز عباده المؤمنين، الحمد لله الذي وعد عباده بالنصر والتمكين، وتوعد الكفار بالعذاب المهين. والصلاة والسلام على النبي الأمين، المبعوث رحمة للعاملين، وحجة على المعاندين، ونكالًا على الجاحدين. والصلاة والسلام على الغر الميامين، خير المجاهدين، الذين حملوا راية هذا الدين، وعلى من تبعهم من السابقين، من الأولين والآخرين.
وبعد: أما النصيحة الثالثة: فيا أمة الإسلام، ويا عباد الله، نحن وإن كنا نعلنها صريحة، أن بغضنا لأمريكا لا يعني أبدًا حبنا لصدام البعث، فإننا يجب كذلك أن نكون متوازنين في طرحنا لهذه القضية في هذه الأيام العصيبة.
نحن نعيش ـ أيها المؤمنون ـ أياما عصيبة، لها ما بعدها، تكالبت قوى الشر على غزو المسلمين، واتحدت على اختلافها، وتضافرت على كل التنافر بينها، هذا الرئيس الروسي سيء الطلعة والذكر يصرح اليوم الجمعة، بعد أن صرح مفتي المسلمين في روسيا بضرورة جهاد الأمريكان، يصرح بأنه لن يسمح للعواطف المندفعة من التأثير على علاقة الصداقة التي تربط بين أمريكا وروسيا، وهاهو الاتحاد الأوربي في لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي اليوم، لم يطالب ولو لمجرد المطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بإيقاف الحرب، كل ما فعله أن تمنى أن تنتهي الحرب في أسرع وقت، بل إنه أعلنها صريحة مدوية، أنه يتمنى أن يكون النصر حليف الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا التكالب والتآزر على حرب المسلمين، يوجب علينا نحن أن نتآزر ونتكاتف، والله جل وعلا قال: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] .
لست هنا بصدد الحديث عن ضرورة الوحدة الإسلامية، فهذا موضوع يطول، والحديث عنه أشهر من أن يذكر به، لكنني هنا أشير إلى أمر هام جدًا، وهو أننا يجب أن لا نثير دواعي الفرقة في الصف الذي يقف ضد العدوان الأمريكي، فمصلحة دفع الكافر الصائل المعتدي على بلاد المسلمين، أعظم من مصلحة بيان انحراف بعض الذين تخندقوا مع المسلمين في صف واحد ضد هذا الكافر، الذي لن يكتفي باجتياح تلك البلدة، ولكنه سيجتاحها، وسيجتاح معها مأزر الإسلام ومهبط الوحي، وأرض الرسالة.
عباد الله، إننا ونحن نقول أنه يجب علينا أن لا يدفعنا بغض أمريكا واعتدائها إلى حب صدام وعقيدته، فإننا نتحدث عما يعقد عليه القلب من ولاء وبراء، وحب وبغض، لكن العمل بقانون المصلحة والمفسدة الذي أقرته الشريعة إقرارًا ماله مثيل، يوجب علينا النظر بكل روية وتعقل قبل الحديث عما من شأنه أن يثير الخلاف بين المدافعين عن بيضة العراق، ويمزق صفهم ويوهن وحدتهم.
نحن نعلم ـ يا عباد الله ـ أنه يشترك في الدفاع عن العراق في هذه الأيام البعثي والسني والشيعي، ونحن أول من يكره البعث والشيعة ويحذر منهم، لكن ينبغي أن نكون حذرين، فبغضنا للبعث وللشيعة لا يجوز بحال من الأحوال أن يحركنا لإثارتهم ضدنا، وشق الصف في هذه المعركة المصيرية.