فهرس الكتاب

الصفحة 3039 من 5777

أبواب الخيرات

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-تفاوت الناس وتمايزهم. 2- قسمة الله بين الخلائق. 3- تنوع أبواب الخير. 4- حرص السلف على أفضل الأعمال. 5- تفاوت الأعمال الصالحة. 6- اختلاف مشارب المؤمنين في الأعمال الصالحة. 7- مفهوم العمل الصالح. 8- التحذير من احتقار الناس وازدرائهم.

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتَّقوا الله رحمكم الله.

من أرادَ الفلاحَ فليستبضِع بضاعةَ المتقين، ومن أحبَّ أن يكونَ الله وليَّه فالله وليّ المتقين، وأكرمُ الناس عند الله أتقاهم، والآخرة عند ربِّك للمتقين. الساعي لغيرِ باب الله عاثِر القدَم، والشاكر لغير نِعَم الله مسلوبُ النِّعم. العُمُر محسوب، والعمَل مكتوب، والوقتُ يمرّ مرَّ السحاب، والموعِد يومُ الحساب، وربُّك الرزّاق، والعاقبةُ للتقوى، فاتَّقوا الله رحمكم الله.

أيّها المسلمون، النّاس في هِمَمِهم متفاوتون، وفي طبائِعهم متمايِزون، وفي ميولهم ورغباتِهم متنوِّعون، ولكنّهم في مجموعهم متكامِلون، وبعضُهم لبعض مسخَّرون، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] .

لله في خلقه شؤون، سننه فيهم ماضِية، قسم بينهم مواهبَهم وملكاتِهم كما قسم أرزاقهم وطبائعهم وأخلاقهم، وفاوت بين عقولِهم وفهومِهم كما فاوتَ بين ألسنتهم وألوانهم، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22] ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96] .

معاشرَ الإخوة، لقد خلق الله الخلقَ لعبادته وطاعتِه، ولكنّه سبحانه قسم حظوظَهم فيها، وفاوت بينهم في الاجتهاداتِ فيها، فمِنهم من كتبه مصلِّيًا قانتًا، ومنهم من كتبه متصدِّقًا محسنًا، ومنهم من كتبه صائمًا، ومنهم من كتبه مجاهدًا. يفتحُ لهم من أبوابِ الطاعات المطلوبات من نوافل العباداتِ وفروض الكفايات ما يتنافس فيه المتنافسون ويتمايَز به المتسابقون. فمن كان حظُّه في طاعةٍ أكثرَ كان منزلته في الجنّة ودرَجَته.

تأمَّلوا ـ حفظكم الله ـ في هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم يقول: (( من أنفَق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيلِ الله دُعِي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهلِ الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهلِ الجهاد دُعِي من بابِ الجِهاد، ومَن كَان من أهل الصّدقة دُعي من بابِ الصدقةِ، ومن كان مِن أهل الصيام دُعِي من باب الصيام وباب الريان ) )، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما على هذا الذي يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة قال: هل يُدعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: (( نعم، وأرجو أن تكونَ منهم يا أبا بكر ) )أخرجه البخاري [1] ، وفي رواية ابن حبان: (( وأنت هو يا أبا بكر ) ) [2] .

وجاء عند أحمد وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح: (( لكلّ عاملٍ بابٌ من أبواب الجنّة، يُدعَى منه بذلك العمل ) ) [3] .

واستمِعوا إلى هذا الأثرِ عن الإمام مالك رحمه الله، فقد كتب إليه عبد الله العُمري العابد يحضُّه على العُزلةِ والعمَل المنفرد، فكتب إليه الإمام مالك رحمه الله:"إنَّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فرُبّ رجلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يفتَح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقةِ ولم يفتَح له في الصوم"، قال مالك:"ونشرُ العلم من أفضلِ أعمال البرّ، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظنّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكونَ كلانا على برٍّ وخير" [4] ، وقد قال عبد الله بن المبارك:"ما رأيتُ أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثيرُ صلاة ولا صيامٍ إلا أن تكونَ له سريرة" [5] ، ويستدرك على ذلك الإمامُ الذهبيّ رحمه الله فيقول:"ما كان عليه مالك من العلمِ ونشره أفضلُ من نوافل الصلاة والصومِ لمن أراد به وجه الله" [6] .

أيّها المسلمون، طُرق الخير كثيرة، وأبواب العملِ الصالح مشرَعَة، وقد قال أهل العلم: إنّ أعمالَ البرّ لا تُفتح كلُّها للإنسان الواحدِ في الغالب، إن فتِح له في شيء منها لم يكن له في غيرها، وقد يفتَح لقليلٍ من الناس أبوابٌ متعدِّدة، وفي هذا قال نبيّنا محمد لأبي بكر رضي الله عنه: (( وأرجو أن تكونَ منهم يا أبا بكر ) ) [7] .

وقد كان أصحابُ رسول الله ورضي الله عنهم أجمعين من شِدّة حُبِّهم للخير وحرصهم على العمل الصالح يسألون رسولَ الله: أيّ الأعمال أفضَل؟ ويسألونه: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ لأنّهم يعلمون أنّ الإنسانَ ليس في وسعِه ولا في طاقَته أن يأتيَ بجميع الأعمال.

وقد كان جوابُ رسول الله متعدِّدًا في أوقاتٍ مختلفة وفي أحوال مختَلفة أيضًا، وقد بيّن أهل العلم رحمهم الله الحكمةَ في تعدُّد إجاباتِ النبيّ واختلافها فقالوا: إنّ ذلك من أجل اختلافِ أحوال السائلين واختلافِ أوقاتهم، فأعلَمَ كلَّ سائل بما يحتاج إليه، أو بما له رغبةٌ فيه، أو بما هو لائق به ومناسبٌ له.

وتأمّلوا ـ سدّدكم الله ووفَّقكم ـ هذه الطائفةَ من إجابات النبيِّ:

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ النبيَّ: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) )، قال: ثمّ أيّ؟ قال: (( بر الوالدين ) )، قال: ثمّ أيّ؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )، قال: حدَّثني بهنّ ولو استزدتُه لزادني. متفق عليه واللفظ للبخاري [8] .

وفي مسند أحمدَ من حديث ماعز رضي الله عنه عن النبيّ: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (( إيمان بالله وحدَه، ثمّ الجهاد، ثم حجَّة برَّة تفضُل سائرَ العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها ) ) [9] ، ونحوه في الصحيحين والسنن [10] .

وفي سنن النسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (( عليك بالصوم، فإنه لا عِدل له ) ) [11] .

وعند أحمد ومسلم من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (( إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله ) )، قال: فأيّ الرِّقاب أفضل؟ قال: (( أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها ) )، قال: أرأيتَ إن لم أفعل؟ قال: (( تعين صانعًا أو تصنَع لأخرَق ) )، قال: أرأيت إن ضعفتُ؟ قال: (( تمسِك الشرَّ، فإنّه صدقة تصدَّقُ بها على نفسك ) ) [12] .

وعن زرارة بن أوفى رضي الله عنه أنّ النبيَّ سئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: (( الحالُّ المرتحِل ) )، قيل: وما الحالّ المرتحِل؟ قال: (( صاحبُ القرآن؛ يضرِب من أوّل القرآن إلى آخره، ومن آخرِه إلى أوله، كلّما حلَّ ارتحَل ) )أخرجه الدارمي في سننه [13] ، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [14] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئِل رسول الله: أيّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: (( أدوَمُها وإن قلّ ) )، وقال: (( اكلفوا من العمَل ما تطيقون ) )أخرجه البخاري [15] .

وعن معاذ رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: (( أن تموتَ ولسانُك رطبٌ بذكر الله ) )أخرجه ابن حبان في صحيحه [16] .

وعند أبي داود من حديث معاذ رضي الله قال: قال رسول الله: (( إنّ الصلاة والصيامَ والذكر تضاعف على النفقةِ في سبيل الله بسبعمائة ضعف ) ) [17] .

وحينما قال الفقراء لرسول الله: يا رسول الله، ذهَب أهل الدّثور بالأجور، يصلّون كما نصلِّي ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال: أهل العلم ظنَّ الفقراء أنْ لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرَهم النبيّ أنّ جميعَ أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة، فقال لهم النبيّ: (( أوَليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟! إنّ بكل تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدَقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكرٍ صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة ) ) [18] .

عبادَ الله، إنَّ طرق الخير كثيرة، وأبواب العملِ الصالح واسِعة، بل إنّ العمل الواحدَ يتفاوت الفضلُ فيه بحسَب ما يمنَح الله عبدَه فيه من قوّة اليمين وصِدق الإخلاص وزَكاء النفس وتحقيق التوكّل.

ففي سنن النسائي وأبي داود عن عبد الله بن حُبشِيّ الخثعمي رضي الله عنه: سئل رسول الله: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: (( إيمانٌ لا شكَّ فيه، وجهاد لا غلولَ فيه، وحجّة مبرورة ) )، قيل: فأيّ الصلاة أفضل؟ قال: (( طول القنوت ) )، قيل: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: (( جهد المقلّ ) )، قيل: فأيّ الهجرةِ أفضل؟ قال: (( مَن هجر ما حرّم الله عزّ وجلّ ) )الحديث [19] .

وفي سنن أبي داود من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الغزوُ غزوان، فأمّا من ابتغَى وجهَ الله وأطاع الإمامَ وأنفق الكريمة وياسَر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهَه أجر كلّه، وأمّا من غزا فخرًا ورياءً وسُمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنّه لم يرجع بالكفاف ) ) [20] .

معاشر المسلمين، وإذا كان الأمرُ كذلك فانظروا ـ رحمكم الله ـ فيما يفتح الله على عباده من ألوان الطاعاتِ وصنوفِ العبادات وأنواعِ الاجتهادات وطُرق المسابقات إلى الخيرات، فتجدون من يفتَح الله عليه في القرآن الكريم والعنايةِ به وتلاوته قيامًا وقعودًا وعلى جنبه، في الصلاة وغير الصلاة، في الليل وفي النهار. ومنهم من يفتح الله عليه في تعليمه وإقرائه، فهمُّه الأكبر في تعليمِه وضبطِه وإتقانه. ومن الناس من يفتح الله عليه في العِلم أو في باب من أبوابه من التوحيد والحديث والفقه والتفسير، كما يفتَح لآخرين في علومٍ أخرى من اللغة والتاريخ والسِّيَر والعلوم التجريبية. ومنهم من يُحسن التدريس، ومنهم من يحسِن الوعظ والتذكير، ومنهم من يشتغِل بالجمع والتأليف.

ومِن عباد الله من يفتَح الله عليه في الصلاة، فهي شغلُه الشاغل، وهي قرّة عينه من الليل والنهار، في خشوعٍ وطولِ قنوت وتضرُّع. وآخر يفتح الله عليه في صيام النوافل، فيكثر من الصيام في أيّامه المستحبّة من الاثنين والخميس وأيام البيض ويصوم يومًا ويفطر يومًا، فيطيق في ذلك ما لا يطيقه غيره.

بينما ترى آخرين قد خصَّهم الله عزّ وجلّ بمزيدٍ من برّ الوالدين وصِلة الأرحام وتفقُّد الأقارب وزيارتهم والسؤال عنهم وبرّهم وصِلتهم والإحسان إليهم من غير انتظارِ مكافأة ومحاسبة.

ومنهم من يُفتح له في مساعدةِ المحتاجين وإغاثةِ الملهوفين في الداخل والخارج، فيسعى على الأرملةِ والمسكين والغُرَباء والفقراء، لا يملّ من جمع التبرّعات وطَرق أبوابِ الأغنياء والدخول على المحسنين وإيصال الخير للمستحقِّين، في عملٍ متواصِل في تفريجِ الكروب وسدِّ الديون وكفالةِ الأيتام ورعايتِهم ومواساتِهم وتعليمِهم والمحافظةِ عليهم.

ويفتح الله على أقوام في بناء المساجدِ وإنشاء الأوقاف، وقد أدركوا ما فتَح الله به في وقتنا الحاضر من أبوابِ في العلاج والتطبيبِ وتأمين الدّواء والأجهزة الطبيّة، مع ما فشا من ابتلاءٍ في أمراض مزمنة وإعاقات مستديمة وغلاءٍ في الأدوية والأدوات الطبّيّة.

وآخرون يفتح الله لهم في الاحتساب بالأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر والصبرِ على الأذى فيه، فيطيقُ في ذلك ما لا يطيق غيره.

وفي الناس من يُفتح له في بابِ الشفاعة والإصلاح بين الناس، فيفكّ أسيرًا، ويحقن دمًا، ويدفع مكروهًا، ويحِقّ حقًّا، ويمنع باطلًا ويحجز ظلمًا، يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى [البقرة:263] ، لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114] .

أيّها المسلمون، العمل الصالح واسعُ الميادين شامل المفاهيم، ينتظم أعمالَ القلوب والجوارحِ من الأقوال والأعمال والمقاصد في الظاهر والباطن والمواهبِ والملكات، من أعمالٍ خاصّة وعامّة، فرديّة وجماعية، في إكرام الضيف وعيادةِ المريض واتّباع الجنائز وإجابة الداعي ونُصرة المظلوم ومواساةِ الفقير وسقيِ الماء وتفريج الكروب وإنظار المعسر وإرشاد الضالّ وإيجاد فرَص العمل، وإنَّ لكم في البهائم لأجرًا، ومن زرع زرعًا أو غرس غرسًا فأكل منه إنسانٌ أو طير أو بهيمة كان له به أجر، ومن جهّز غازيًا فقد غزا.

أيّها الإخوةُ في الله، ويكون الفتح في العمَل بمحبّته والإكثارِ منه والإحسان فيه ومزيد الرغبةِ فيه والاجتهادِ فيه والإقبال عليه، ومن أكثر من شيءٍ عُرف به.

فتنافسوا ـ رحمكم الله ـ في أعمالِ البرّ، فالملائكة تحبّ صالحي بني آدم وتفرحُ بهم، ولتكن هِممُكم عالية، فإنّ ثمّة أقوامًا يُدْعَوْن من كلّ أبواب الجنّة تعظيمًا لهم وتكريمًا لكثرة صيامهم وصلاتِهم وأفعالهم الخيِّرة، فيخيَّرون ليدخلوا من أيّ أبواب الجنّة شاؤوا، فلتكن الهِمَم عالية في المسابقة إلى الخيرات والمنافسة في الأعمال الصالحة، ليغتنمِ العبد ما فتِح له من هذه الأبواب من النوافل وفروض الكفايات.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:6-8] .

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمّد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في المناقب (3666) ، وهو أيضا عند مسلم في الزكاة (1027) .

[2] هذا حديث آخر أخرجه ابن حبان (6867) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير (11/98) وفي الأوسط (481، 6168) ، وابن عدي في الكامل (3/171) ، والخطيب في تاريخ بغداد (5/112) ، قال الهيثمي في المجمع (9/46) :"رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن أبي بكر السالمي وهو ثقة".

[3] مسن أحمد (2/449) ، مصنف ابن أبي شيبة (2/274) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (7/28) ، وقال الهيثمي في المجمع (10/398) :"رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وقد وثقه جماعة".

[4] انظر: التمهيد (7/185) .

[5] أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/330) .

[6] سير أعلام النبلاء (8/97) .

[7] تقدم تخريجه.

[8] صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة (527) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (85) .

[9] مسند أحمد (4/342) ، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير (20/344) ، قال المنذري في الترغيب (2/106) :"ورواة أحمد إلى ماعز رواة الصحيح، وماعز هذا صحابي مشهور غير منسوب"، وقال الهيثمي في المجمع (3/207) :"رجال أحمد رجال الصحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1103) .

[10] يشير إلى ما أخرجه البخاري في الإيمان (26) ، ومسلم في الإيمان (83) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (( إيمان بالله ورسوله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( حج مبرور ) ).

[11] سنن النسائي: كتاب الصيام، باب: فضل الصيام (2222) ، وأخرجه أيضا أحمد (5/249) ، والروياني (1175) ، وأبو نعيم في الحلية (5/175، 7/165) ، وصححه ابن خزيمة (1893) ، وابن حبان (3426) ، والحاكم (1533) ، وقال ابن حجر في الفتح (4/126) :"إسناده صحيح"، وهو في صحيح سنن النسائي (2100) .

[12] صحيح مسلم: كتاب الإيمان (84) ، وأخرجه أيضا البخاري في العتق (2518) .

[13] سنن الدارمي: كتاب فضائل القرآن (3476) ، وهذا مرسل، وفي سنده صالح المري وهو ضعيف. وأخرجه الترمذي في القراءات (2948) ، والطبراني في الكبير (12/168) ، والحاكم (2088، 2089) ، وأبو نعيم في الحلية (2/260، 6/174) ، والبيهقي في الشعب (2/348، 367) عن زرارة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي سنده أيضا صالح المري، قال الترمذي:"هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي"، وهو مخرج في السلسلة الضعيفة (1834) .

[14] أخرجه الحاكم (2090) ، قال الذهبي:"لم يتكلم عليه الحاكم، وهو موضوع على سند الشيخين، ومقدام متكلم فيه، والآفة منه"، وانظر: السلسلة الضعيفة (4/316) .

[15] صحيح البخاري: كتاب الرقاق (6465) .

[16] صحيح ابن حبان (818) ، وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص72) ، والطبراني في الكبير (20/93، 106، 107) ، والبيهقي في الشعب (1/393) ، قال الهيثمي في المجمع (10/74) :"رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ضعفه جماعة ووثقه أبو زرعة الدمشقي وغيره، وبقية رجاله ثقات. ورواه البزار من غير طريقه إلا أنه قال: أخبرني بأفضل الأعمال وأقربه إلى الله، وإسناده حسن"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1492) .

[17] سنن أبي داود: كتاب الجهاد (2498) ، وأخرجه أيضا البيهقي في الكبرى (9/172) ، وصححه الحاكم (2415) ، قال المنذري في المعالم (3/364) :"في إسناده زبّان بن فائد وسهل بن معاذ وهما ضعيفان، وأبوه هو معاذ بن أنس الجهني له صحبة"، ولذا أورده الألباني في ضعيف سنن أبي داود (537) .

[18] أخرجه مسلم في الزكاة (1006) عن أبي ذر رضي الله عنه.

[19] سنن النسائي: كتاب الزكاة (2526) ، سنن أبي داود: كتاب الصلاة (1449) ، وأخرجه أيضا أحمد (3/411) ، والدارمي في الصلاة (1424) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2520) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (2366) .

[20] سنن أبي داود: كتاب الجهاد (2515) ، وأخرجه أيضا أحمد (5/234) ، والنسائي في الجهاد (3188) ، والدارمي في الجهاد (2417) ، وصححه الحاكم (2435) ، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1990) .

الحمد لله لم يزل بالنِّعَم مُنعمًا، وبالإحسان محسِنًا، يجير خائفًا، ويرسِل بالآيات تخويفًا، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له مسلمًا له حنيفًا، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، بعثه مصدِّقًا لما بين يديه من الرسل أمينًا شريفًا، صلى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، صلاةً وسلامًا يزدادون بها تفضيلًا وتشريفًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، إنّ ثمّة أمرًا يحسُن التنبيه إليه، يغفل عنه الكثير من الناس، وهو ما يظهر على بعضِ الناس من انتقاصِ بعض إخوانهم لأنّه لم يُفتَح عليهم في بعض أبواب العبادات وبخاصّة نوافلِ الصلوات والصيام، فمَن فتِح له في ذلك فليحمدِ الله، وليحافظ على ذلك، وليزدَد من الخير، لكن لا ينبغي أن ينظرَ لغيره بعينِ النقصِ أو العيب أو المَقت، فقد يكون قد فُتح لأخيك من أبواب الخير ما لم ترَه أو تعلمه أو تدرِكه؛ من صلةِ الرحم أو طلبِ العلم أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو أبوابِ الإحسان والمساعداتِ والشفاعة وغيرها.

قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنك لتُقِلّ الصوم! قال: (إنّه يضعِفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحبّ إليّ) [1] ، وفي العِلل للإمام أحمد:"إنّ الحسنَ تكلّم وبلّغ العلم احتسابًا، وسكت ابن سيرين احتسابًا" [2] ، وعن الأوزاعي قال:"ذهب عليهم الحسنُ بالمواعظ، وذهب عطاء بالمناسك" [3] .

وأوضحُ من ذلك وأظهر ما حدّث به نبيّنا محمّد عن بعض أصحابه حين قال: (( أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، وأفرضُهم زيد بن ثابت، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإنّ لكل أمّة أمينًا، وإنّ أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) )أخرجه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح"والنسائي في السنن الكبرى [4] .

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واشتغِلوا بتفقُّد النفوسِ في أعمال القلوب من الخوف والإخلاص والمراقبة والبُعد عن الغيبةِ والحسّد والغلّ واستنقاص الآخرين والكيدِ والمكر والولوغ في الأعراض، فذلكم هو الذي يأكل الحسناتِ ويُفني الصالحات ولو كانت كأمثال الجبال عياذًا بالله.

ولتستحضروا مقالة الإمام مالك:"كلانا على خيرٍ وبرّ، ولعل ما هو فيه خير ممّا أنت فيه"، فإذا ما رأيتَ أخاك قد اشتغل بأبوابٍ غير التي تشغتل بها فلتقل: كلانا على خير. وقد قال هنا في محكم تنزيله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .

هذا وصلّوا وسلّموا على خير البريّة نبيّكم محمّد رسول الله أفضل البشرية، فقد أمركم بذلك ربّكم في محكم تنزيله فقال سبحانه وهو الصادق في قيله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وأزواجه أمّهات المؤمنين، وارض اللهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين...

[1] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/274) ، والطبراني في الكبير (9/175) ، والبيهقي في الشعب (2/354) .

[2] رواه ابن الجعد في مسنده (1328) ، والبيهقي في الشعب (4/269) ، والمزي في تهذيب الكمال (32/530) عن يونس بن عبيد من قوله.

[3] العلل ومعرفة الرجال (1140) .

[4] سنن الترمذي: كتاب المناقب (3790، 3791) ، سنن النسائي الكبرى (8242، 8287) عن أنس رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (3/184، 281) ، وابن ماجه في المقدمة (155) ، وصححه ابن حبان (7252) ، والحاكم (5784) ، قال ابن حجر في الفتح (7/93) :"إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري"أي: منقبة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (1224) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت