فهرس الكتاب

الصفحة 1285 من 5777

الدنيا

الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن

ناصر الزهراني

مكة المكرمة

الشيخ ابن باز

1-غرور الدنيا لبني آدم. 2- لم سميت بهذا الاسم. 3- افتتان الناس بالدنيا. 4- تمثيل القرآن

لحقيقة الدنيا. 5- تهوين النبي لشأن الدنيا. 6- أقوال العقلاء في الدنيا. 7- تحذير النبي من

فتنة الدنيا.

عشقها العاشقون، وهام بها المحبون، كم لها من عاشق متأوه، ومتيّم متحسر، ومحب متألم؟‍! ظهرت في زينتها، وعرضت في فتنتها وتبدّت في محاسنها، فخدع بها أُناس، وافتتن بها فئام، ظنوا أنها صادقة في الحب، مخلصة في الشوق، تواقة للغرام، وفيّةٌ للأحباب، ناصحة للأصحاب، فتنافسوا في كسب ودها، واقتتلوا للظفر بقربها، فأردتهم صرعى، وتركتهم هلكى، وذلك جزاء الحمقى. والعجب أن خُطّاب ودها، وطلاب مجدها، لم يعتبروا بإخوانهم من العشاق القدامى، ولم يتعظوا بمن خدعتهم من الندامى فارتموا في أحضانها، وتسابقوا في ميدانها، وهي لا زالت تتفنن لهم في إبداء زينتها، وتتحبب لهم ببعض مباهجها؛ حتى إذا أحكمت الزمام، غدرت وفجرت وفتكت وقتلت، كم لها من محروم يتألم، ومهضوم يتظلم؟! كم ذبحت من فارس على مخدة الترس، وعروس على منصة العرس؟ فمن هي هذه الفاتنة، ومن تكون تلك الخائنة؟!!

إنها الدنيا؛ الدنيا التي لها من اسمها نصيب، الدنيا التي عشقناها، بل همنا في حبها، وتنافسنا في قربها، وأمهرناها أنفسنا ومشاعرنا وقلوبنا، إلا من رحم ربك. لو تأمّلنا أحوالنا بل وأحوال من سبقنا لوجدنا أن الدنيا وحبها، والحياة وطيبها، هي سبب رئيس في كل نازلة، وعنصر مهم في كل قارعة، فما طغى فرعون وأمثاله إلا حينما أخلدوا إلى الأرض ومباهجها، وخدعوا بالحياة وزينتها. وما بغى قارون وأمثاله إلا حينما فتنوا بنعيم الحياة، وغرهم المال والجاه، قال تعالى: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص:77] .

ولقد فُتن عبّاد المادة وعشّاق الحياة الدنيا بما عندهم من المال والزينة، قال سبحانه: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين [القصص:81] .

وهكذا على مرّ العصور تجد أن عشق الحياة، والتعلق بأذيال الدنيا، سبب في الشقاء، وطريق للعناء، كم ذهب لأجلها من نفوس؟! وكم تطاير من رؤوس؟! وكم سحق من جماجم؟! وكم أريق من دماء؟! وكم شرّد من أناس؟! وكم عذب من أقوام؟! وما ارتقى المسلمون إلا حينما تجافوا عن الدنيا وأقبلوا على الآخرة، وما خفضت رؤوسهم، ونكست أعلامهم، وذهبت عزتهم، إلا حينما رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، فأقبلوا عليها، وتنافسوا فيها، وتركوا الجهاد، وأكلوا الربا، وأخذوا بأذناب البقر.

أيها المؤمنون تعالوا بنا نقف وقفة تأمل وعظة، وتفقه وعبرة، مع هذا العدو اللدود، والغاشم الغادر، فقد فنيت أعمار كثير منا، وانصرمت أيام فئام منا، وهم لا زالوا في غمرة الدنيا، وسكرة الحياة، فيا عجبًا لمن جاءه العام تلو العام، ومرت به السنة بعد السنة، تذكره بالحياة الآخرة، وتدعوه إلى النعمة الدائمة، وهو في غفلته وشروده، وبعده وجحوده!!. فيا من قضيت العمر وراء شهواتها، ألم يأن لك أن تنظر في أمرك؟! ويا من انصرمت أيامه في الدنيا وملذاتها ألم تبك على عمرك؟! ويا من عشت تبيع دينك بعض من الدنيا قليل ألم تعتبر بالذين مروا من قبلك؟! ويا من عشت تأكل الدنيا بالدين، وتكسب الغٌنْم بالعلم، وتمتهن النفاق لنيل الأرزاق ألم تراقب الخلاق؟! يا من أقبلت على الدنيا بحلالها وحرامها، وفتنت في غرامها، ألم تفكرفي النهاية، وتتأمل في النتيجة؟!.

الدنيا إذا وصلت فتبعات موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، ليس لوصلها دوام، وما من فراقها بد. وصفها خالقها، وموجدها بأنها لهو ولعب وزينة، فقال جل وعلا: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [الحديد:20] .

فالحياة الدنيا حينما تقاس بمقاييسها الدنيوية، وتوزن بموازينها تبدو في العين والحس أمرًا عظيمًا هائلًا، وشيئًا جميلًا رائعًا، ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزن بميزان الآخرة، تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا؛ فهي لعب وضياع ولهو وتفاخر، وغرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل.

قال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا [الكهف:45] .

مر بالسوق والناس كنفيه - أي على جانبيه - فمر بجدي أسَكّ ميت فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال: (( أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ ) )، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: (( أتحبون أنه لكم؟ ) )قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسّكَ، فكيف وهو ميت؟ فقال: (( فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) ) [رواه مسلم] .

ويقول: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) ) [رواه الترمذي وابن ماجة] .

يقول علي بن أبي طالب: مثل الدنيا مثل الحية ليّنٌ مسّها، قاتل سمها، فأعرض عما أعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها، لما أيقنت من فراقها، وكن أحذر ما تكون لها وأنت آنس ما تكون بها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور، أبعده عنها مكروه، وإن سكن منها إلى إيناس، أزاله عنها إيحاش.

فهي لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تُخْلي من محنة، نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى.

قال تعالى: وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خيرًا وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدًا حسنًا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين [القصص:61] .

قال المسيح عليه السلام: (الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها) .

فمن نظر إليها بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، وعيشتها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل: إما بنعمة زائلة أو وبلية نازلة، أو منية قاضية ؛ هي دار حلالُها حساب، وحرامها عقاب، المكدود فيها شقيٌّ إن ظفر، ومحروم إن خاب. إن أخذ مالها من حله حوسب عليه، وإن أخذه من حرام عذب به، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أحبها أذلّته، ومن تبعها أعمته.

لما بلغ أحد الملوك العظماء من الدنيا مراده، ووصل إلى ما سمت إليه نفسه، نبذها وصرخ قائلًا: هذا سرور لو لا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، ومُلْك لولا أنه هُْلك، وغناء لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وغلاء لولا أنه بلاء، وحُسْن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد.

هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغِيَر

فلو نلتها بحذافيرها لمُتّ ولم تقض منها الوطر

فهي ظل الغمام، وحلم النيام، من عرفها ثم طلبها فقد أخطأ الطريق وحرم التوفيق.

قيل لبعض الزهاد، قد خلعت الدنيا فكيف سخت نفسك عنها؟ فقال: أيقنت أني أخرج منها كارها فرأيت أن أخرج منها طائعًا.

قال: (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالمًا ومتعلمًا ) ) [رواه الترمذي وابن ماجة] .

عوتب أحد الصالحين في كثرة الصدقة، فقال: لو أن رجلًا أراد أن ينتقل من دار إلى دار أكان يُبقي في الأولى شيئًا؟

وقيل لأحدهم: ترك فلان بعد وفاته مائة ألف درهم، فقال: ولكنها لا تتركه.

فالسعيد من اعتبر بأمسه، واستظهر لنفسه، والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه، وما طلعت شمس إلا وعظت بأمس.

قرأ قوله تعالى: ألهاكم التكاثر ، ثم قال: (( يقول ابن آدم: مالي... مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ) ) [رواه مسلم] .

إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق

فالعاقل لا ينخدع بها، بل يعتبر بمن مضى من الأمم السابقة، والقرون الماضية، كيف عفت آثارهم، واضمحلت أنباؤهم.

أبني أبينا نحن أهل منازل أبدًا غراب البين فيها ينعق

نبكي على الدنيا وهل من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

أين الأكاسرة الجبابرة الأولى جمعوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيق

يقول: (( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ) ) [رواه مسلم] .

وكان يقول: (( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ) ) [متفق عليه] .

فالدنيا مهلكة، والفرح بها متلفة، والانخداع بها مصيبة وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع [الرعد:26] . فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى [النازعات:39] .

قال: (( إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) ) [متفق عليه] .

فإن كان قد فتح على الناس من زهرة الدنيا وزينتها فيما مضى فلم تر البشرية زينة ولا فتنة ولا بهرجًا مثل ما عرفه الناس في هذا الزمان، فتنٌ محدقة، وشهواتٌ مغرقة، وقنوات هابطة، وشاشات مدمرة ؛ زُيّنت الشهوات، وقُرّبت الملذات، وأصبح الملتزم بدينه والمحافظ على نفسه وأهله، كالقابض على الجمر، فيا بشرى لمن صان نفسه، وحفظ دينه وطهر بيته، وصدق في تربيته، قال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة:45] .

أيها الناس لا يقصد بذم الدنيا تركها بالكلية، والتجافي عنها تمامًا، وإنما القصد من ذلك ترك بهرجها الزائف، وبريقها الخادع، وعدم الاغترار بها. ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فالمؤمن يتخذها طريقًا للجنة، ومزرعة للآخرة، وتزودًا للتقوى.

ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال له: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاح لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا منها الرحمة، واحتسبوا فيها الجنة.

قال تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص:77] .

يقول: (( والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ) ) [رواه البخاري] .

فيا من فتنت بالدنيا ألم تعتبر بمن سبقك بها؟ هل خلدوا فيها؟ هل دامت لهم؟ هل راحوا منها بغير الأكفان؟!!.

هل أنت معتبرٌ بمن خربت منه غداة قضى دساكره

وبمن أذل الدهر مصرعه فتبرأت منه عساكره

وبمن خلت منه أسرته وتعطلت منه منابره

أين الملوك وأين عزهم صاروا مصيرًا أنت صائره

يا مؤثر الدنيا للذته والمستعد لمن يفاخره

نل ما بدا لك أن تنال من الدنيا فإن الموت آخره

سئل من أكيس الناس؟ فقال: (( أكثرهم ذكرًا للموت وأشدهم استعدادًا له، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ) ).

ويقول علي بن أبي طالب: يا أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم.

فخذ من نفسك لنفسك، وقس يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك، وزد في حسناتك، فإنك راحل لا محالة، وسائر في الطريق الذي سار فيه الآباء والأجداد والأصحاب والأحباب.

ما للمقابر لا تجيب إذا دعاهن الكئيب.

حُفرٌ مسقّفة عليهن الجنادل والكثيب.

فيهن ولدان وأطفالٌ وشبان وشيب.

كم من حبيب لم تكن نفسي بفرقته تطيب.

غادرته في بعضهن مجندلًا وهو الحبيب.

وسلوت عنه وإنما عهدي برؤيته قريب.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت