العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد
وليد بن إدريس المنيسي
مينيسوتا
دار الفاروق
1-شروط النصر. 2- بطولات من أرض الشيشان. 3- الفرح بارتفاع رايات الجهاد. 4- صور من تضحيات الصحابة الكرام.
وبعد: قال الله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] ، وقال تعالى: إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، وقال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأَشْهَـ?دُ [غافر:51] .
في هذه الآيات الكريمة وعدٌ من الله سبحانه وتعالى بالنصر، ولكنه وعد مشروط بشرط الإيمان الكامل وبشرط أن ننصر الله تعالى أولًا بنصر دينه وكتابه وسنة نبيه ، وفي قوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ أكد سبحانه الوعد بالقسم المقدّر وباللام والنون ثم بقوله: إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ فهو القوي ومن حاربه الضعيف، وهو العزيز ومن حاربه الذليل.
قبل يومين أو ثلاثة من تاريخ كتابة هذه الكلمات أعلن المجاهدون الشيشان أن خمسة منهم تمكنوا بنصر الله تعالى من قتل وجرح أكثر من ألف وخمسمائة جندي روسي بينهم ضباط برتب كبيرة في ساعة واحدة، وفجروا عددًا من المباني فانهارت على من فيها من أعداء الله وارتفعت ألسنة اللهب إلى عنان السماء.
ولا زالت طائرات الإسعاف تنقل أكوام الجثث إلى موسكو، وقوات للانقاذ تبحث عن أحياء تحت الأنقاض، واجتماعات طارئة في موسكو لرئيسهم وحكومته يتبادلون فيها الاتهامات بالخيانة والإهمال، الله أكبر، وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ.
إن ما يحدث على أرض الشيشان ينبغي أن يقوّي لدى المسلمين الأمل في التمكين لدين الله تعالى في الأرض، وأن يقوي لديهم الثقة في وعد الله، فهو حقّ ولكن هل نصرنا الله حتى ننتظر النصر من الله؟! إن الجزاء من جنس العمل.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله قال: (( إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم ـ أي: بخلوا ـ وتبايعوا بالعينة ـ وهي نوع من التحايل على الربا ـ وتبعوا أذناب البقر ـ كناية عن الانشغال بالدنيا ـ وتركوا الجهاد في سبيل الله سلَّط الله عليهم ذلًا، لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم ) )رواه أحمد والطبراني وهو في صحيح الجامع (688) .
فعلى المسلم أن يفرح بارتفاع رايات الجهاد في سبيل الله عالية خفاقة، فهي السبيل إلى عز المسلمين ومجدهم وكرامتهم.
أيها المسلمون، لقد قام هذا الدين على أكتاف الصحابة رضي الله عنهم الذين قدموا لنا أروع الأمثلة في البطولة والشجاعة والتضحية في سبيل الله، وهذه قبورهم رضي الله عنهم في مشارق الأرض ومغاربها شاهد على أنهم خرجوا حاملين راية هذا الدين ليخرجوا به الناس من الظمات إلى النور، ولنذكر نماذج من بطولتهم وتضحيتهم في سبيل نصرة دين الله، فلهذا نصرهم الله سبحانه:
1-زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم يوم مؤتة:
في غزوة مؤتة أو سرية مؤتة كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، ونزلوا بمعان بلدة بالشام، وخرج لهم هرقل على رأس جيش ضخم من مائتي ألف مقاتل، مائة ألف من الروم، ومائة ألف من عرب الشام من النصارى، وكان النبي قد أمَّر على الجيش زيد بن حارثة، وقال: (( إن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ) ).
لما علم المسلمون بعدد الروم قالوا: نكتب إلى رسول الله نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا بأمره، فخطب فيهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وقال: يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة، فتشجع المسلمون، وبدأ القتال، فقتل زيد ثم جعفر الذي نزل عن فرسه فقاتل حتى قتل وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبةً وباردًا شرابُها
والروم روم قد دنا عذابها كافرةً بعيدة أنسابها
ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه، فنعاهم رسول الله لأصحابه بالمدينة في نفس اللحظة، قال: (( أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ عبد الله بن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ ، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم ) ). وسيف الله الذي فتح الله عليه هو خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وقال رسول الله: (( رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير في الجنة ذا جناحين، يطير بها حيث يشاء ) )رواه الطبراني عن ابن عباس والدارقطني عن البراء وصححه الألباني في صحيح الجامع (1555) .
2-البراء بن مالك رضي الله عنه يوم اليمامة:
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (1/196) : في حرب اليمامة بين أصحاب النبي ومسيلمة الكذاب، أغلق بنو حنيفة أنصار مسيلمة الكذاب عليهم باب حديقة حصينة تعرف بحديقة الموت، والمسلمون يحاصرون الحديقة، والمرتدّون في الحديقة أربعون ألفًا، يرمون بالسهام والنيران على المسلمين الذين يحاصرونهم، والمسلمون لا يدرون ما يصنعون، فقال لهم البراء بن مالك رضي الله عنه: اجعلوني على ترس وارفعوني على أسنّة رماحكم وألقوني في الحديقة حتى أفتح لكم الباب، ففعلوا فاقتحم عليهم وشدّ عليهم، وقاتل حتى خلص إلى باب الحديقة، ففتحه بعد أن جرح بضعة وثمانين جرحًا، فداواه خالد بن الوليد رضي الله عنه شهرًا، ودخل المسلمون الحديقة، وقتلوا مسيلمة الكذاب، ونصرهم الله على المرتدين.
3-عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يوم اليرموك:
وذكر الذهبي أيضا في السير (1/324) : كان عدد المسلمين أربعة وعشرين ألفًا، وعدد الروم عشرين ومائة ألف، أقبلوا على المسلمين أمامهم الأساقفة والبطارقة والقسيسون، يحملون الصلبان وهم يجهرون بصلواتهم فيرددها الجيش من ورائهم، ولهم هزيم كهزيم الرعد، فلما رآهم المسلمون هالهم كثرتهم، فخطب فيهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم فقال: (عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم) .
وطلب خالد بن الوليد من عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو أن يكونا أول من يبدأ القتال، فدعوا الروم إلى المبارزة، فأخرج لهم الروم بطلين من أبطالهم، فنازلهما عكرمة والقعقاع، ثم نادى عكرمة: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة فارس، منهم عمه الحارث بن هشام رضي الله عنهم، فاستبسلوا وقاتلوا قتالًا شديدًا حتى أتي خالد بعكرمة وبه بضع وسبعون طعنة ورمية وضربة، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقطر الماء في حلقه، فلم يلبث أن قضى نحبه شهيدًا رضي الله عنه.
والنماذج كثيرة لا يمكن أن تحصى أو تستقصى للذين نصروا الله فنصرهم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من جنده المخلصين ومن حزبه المفلحين الغالبين، وأن ينصرنا على عدونا وينصر بنا الدّين، إنه سبحانه جواد كريم.
لم ترد.