فهرس الكتاب

الصفحة 5340 من 5777

وسائل الثبات على دين الله

الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-نعمة الهداية للإسلام. 2- شكر هذه النعمة. 3- القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. 4- سبب زيغ القلب. 5- التحذير من الفتن. 6- سؤال الله تعالى الثبات. 7- مما يعين على الثبات.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، والزموا طاعته في حال الصحة والقوة، يثبتكم على دينكم في حال المرض والضعف، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.

عباد الله، إن من نعم الله علينا ـ ونعمه سبحانه كثيرة لا تحصى ـ أن هدانا لدينه دين الإسلام، وقد أضل عنه أممًا كثيرة من بني آدم، وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ.

وإن من شُكرِ هذه النعمة المحافظة عليها، وذلك بفعل أوامر الله ورسوله، فيزداد المؤمن ثباتًا، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ، آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان الذي هو القيام بما وُعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات، يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيُوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين عند الموت وفي القبر.

وأيضًا فإن العبد القائم بما أمر الله به لا يزال يتمرّن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.

أيها المسلمون، إن المؤمن الحق لا يفرح بمتاع الحياة الدنيا ولا يحزن لزوالها، وإنما فرحه واستبشاره بأعماله الصالحة وبقدر ما يزداد في هذه الحياة من العمل الصالح، قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ، وخوفه وحزنه على تفريطه في حقوق الله سبحانه ومعصيته له. وإن الله سبحانه أكرم من أن يزيغ قلب إنسان مهتد عامل بالطاعات، وإن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، عن النواس بن سمعان أنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ) )، وكان رسول الله يقول: (( يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك ) )، وقال: (( والميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة ) )رواه ابن ماجه.

عباد الله، إن زيغ القلوب يكثر مع المعاصي، ولا يزال الرجل يعمل بالصغائر فيجتمعن عليه حتى يهلكنه، ولا تزال المعصية بالرجل حتى ينقلب قلبه أسود بعد أن كان أبيض، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وإن الواجب على المسلم أن يكثر من التوبة والاستغفار في كل وقت وحين، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، ولقد كان النبي يقول: (( والله، إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ).

وإن زيغ القلوب يكثر في زمن الفتن مع قلة العلم والتقوى، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة أنه قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله في سفر فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءَه، ومنا من ينتصل، ومنا من هو في حِشره، إذ نادى منادي رسول الله: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله فقال: (( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) )، فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله، أأنت سمعت هذا من رسول الله ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. رواه مسلم.

عباد الله، إن مما ينبغي على المسلم أن يكثر من سؤال التثبيت في جميع أحواله، فهذا دعاء الصالحين من هذه الأمة وفي الأمم السابقة.

فلقد جاء بعض المشركين إلى رسول الله فقال: إن قريشًا قد جمعت لكم، تريد استئصالكم، فقال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل ) )، فأنزل الله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وحين ألقي إبراهيم في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قال الله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

ومن دعاء الصالحين: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، ومن دعائهم: ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. ولا يوفق لذلك إلا من أطاع الله وعمل بمراضيه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله منَّ على من شاء من عباده بالتوفيق، وجعلهم بفضله ورحمته مهتدين لأقوم طريق، وأضل من شاء بعدله فما لهم في الآخرة من ولي ولا صديق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وعليكم بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول.

عباد الله، إن الثبات على دين الله وطاعته مطلب لأولي الهمم العالية الذين يرجون ما عند الله من ثواب، ويخشون ما أعد من عقاب.

وإن مما يعين على الثبات تذكر ما أعد الله للمؤمنين، وتذكر ما في هذا العمل من الفوائد، فهو دليل على كمال الإيمان وحسن التوكل على الله عز وجل، وهو من طرق الوصول إلى الجنة، وفيه اقتداء بالنبي ، ويكسب المؤمن قوة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومما يعين على الثبات في دين الله النظر في أحوال السابقين من هذه الأمة ومن قبلهم؛ كيف صبروا على الأذى حتى رفع الله ذكرهم ورفع قدرهم، يقول خباب بن الأرت: لما اشتد أذى قريش لنا أتينا رسول الله وهو مستظل بظل الكعبة فقلنا: ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقال: (( إن من كان قبلكم كان الرجل ينشر من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، ويمشط ما بين لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه، والله ليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى تسير المرأة من صنعاء إلى حضرموت ما تخاف إلا الله، ولكنكم قوم تستعجلون ) ).

اللهم ثبتنا على الإيمان، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت