العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مكة المكرمة
جامع الفرقان
من دروس سورة الكهف تصحيح ميزان التفاضل بين الناس والأحاديث في تأكيد هذا المفهوم -
الأمة التي لا تزن القيم والأشياء والأشخاص بميزان العقيدة مكانها التبعية لا الريادة
استحقاق الأمة التي تتخلى عن سبيل عزتها وسر قوتها لعقاب الله - ضرورة التحرك بالعقيدة
ومن خلالها في كل الأمور - مأساة المسلمين في بقاع كثيرة , وعدم إحساسنا بها - التمسك
بالكتاب والسنة , وتحقيق مفهوم العبادة الشامل أساس النصر
عباد الله: ذكرنا في خطبة مضت أن مما تعلمناه في سورة الكهف تصحيح القيم بميزان هذه العقيدة فنرفع من كان رفيعًا بالميزان العقدي ونخفض من كان وضيعًا ونعز من كان بمقتضى عقيدتنا عزيزًا ونذل من كان ذليلًا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون , صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) ) [1] , وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ) ) [2] أي بسبب كفره, وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) ) [3] , وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) [4] , والآيات والأحاديث في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا المعنى لا تكاد تحصى, وفي سورة الكهف يقول ربنا جل وعلا: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا وفيها يقول الله جل وعلا في خاتمتها قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا وإن الأمة يا عباد الله التي لا تزن القيم والأشياء والأشخاص ولا تقوم الأحداث بميزان العقيدة لهي أمة لا تستحق الصدارة والريادة لأهل الأرض بل مكانها التبعية وموضعها الدون, إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعًا عربهم وعجمهم إلا بقايا ممن عضوا بالنواجذ على كتاب ربهم واتبعوا سبيل المرسلين فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون وإن أمة يا عباد الله تخلت عن سر عظمتها وسبب فلاحها ونجاحها والسبيل الوحيد لعزها لهي أمة لتستحق من الله العقوبة لولا وجود البقايا من الذين ينهون عن الفساد في الأرض قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون , عباد الله إن وجود العلة في البدن لهو أمر خطير وأخطر منه عدم إحساس المريض بعلته فهو يغدو ويروح فرحًا مرحًا لا يدرى أن مرضه سيسلمه للموت عما قريب وإن الأمة حين تفقد ميزانها الذي لا يخطئ وإحساسها الذي لا يضل, أعنى ميزان العقيدة لتقوم به كل ما حولها, إنها حين تفقده تأتى بالأعاجيب فتضحك حين يجب البكاء وتهزل حين يجب الجد وتحب حين يجب البغض وتبغض حين يجب الحب وتعد عدوًا من كان صديقًا, وتعد صديقًا من هو في حقيقة الأمر عدوًا لدودًا وتعد نصرًا ما هو في حقيقة الأمر خذلان وتبعية وهكذا دواليك من الموازين المنكوسة حين تتخلى عن الميزان الثابت الذي لا يتأرجح ميزان العقيدة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح مسلم ( 2622) ، سنن الترمذي ( 3854 ) .
[2] صحيح البخاري ( 4729 ) ، صحيح مسلم ( 2785 ) .
[3] سنن الترمذي ( 2320) .
[4] صحيح مسلم ( 2564 ) .
الحمد لله القائل: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون , والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا عباد الله إن الموازين في هذه الأيام قد انتكست إلا عند من رحم الله وقليل ما هم وإننا يا عباد الله يجب أن نرتبط بعقيدتنا كل الارتباط في حياتنا كلها لا نستثنى منها جزءً كبيرًا أو صغيرًا قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وعلينا يا عباد الله أن ننطلق من عقيدتنا في كل أمورنا وأن نكون مرتبطين بديننا ولا يجوز أن نتصور أن جزءً صغيرًا أو كبيرًا من حياتنا يمكن أن يتحلل من رباط العقيدة يا عباد الله, فعلينا أن نتوب إلى الله ونعود إليه ونرجع كل شئوننا إليه فلا نفرح في وقت يجب أن نحزن, على ما الفرح أ نفرح يا عباد الله على أخوان لنا يقتلون في اليمن بسبب جرائم غيرهم وليس لهم من ذنب يقتلون عليه؟ أنفرح على الصبيان والنساء يقتلون ويهجرون في الصومال بسبب الصراع على السلطة؟ أنفرح على أخوان لنا تهدم بيوتهم ومنازلهم في أفغانستان وفي غيرها بسبب الصراع علي السلطة؟ أنفرح على المسلمين يشردون ويهجرون ويحتضنهم النصارى أعداء الله عباد الصليب في البوسنة والهرسك وفي غيرها من بقاع الأرض؟ إن زماننا هذا حق علينا فيه أن نحزن حزنًا عظيمًا ونضج ولا نهزل إنه لقول فصل وما هو بالهزل, والكفار يكيدون لهذا الدين كيدًا عظيمًا وينظرون إلينا ونحن في ركابهم ونحن نسير ضمن مخططهم, ينظرون إلينا ساخرين, إننا لا يمكن أن نسترد صدارتنا التي كنا عليها في قيادة الأمم كلها إلا بالعودة إلى كتاب ربنا واتباع سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا فهل حققنا هذا الشرط يا عباد الله, يعبدونني لا يشركون بي شيئًا , إن معنى العبادة معنى عظيم هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة, فإن حققنا ذلك فلنبشر يا عباد الله بالعز والتمكين والنصر والسؤدد.