العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
مازن التويجري
الرياض
جامع أبو بكر الصديق
1-فضل كلمة التوحيد. 2- نعمة الهداية للإسلام. 3- ماذا يعني انتسابنا للإسلام؟ 4- تضحيات النبي والسلف الصالح لنصرة دين الله تعالى. 5- صور من العمل لنصرة دين الله تعالى.
"لا إله إلا الله"كلمة قامت عليها السموات والأرض."لا إله إلا الله"تُحفظ بها الدماء والأموال."لا إله إلا الله"شعارٌ من رفعه فله الولاء والإخاء.
من بين الآلاف، بل الملايين، بل آلاف الملايين عبر العصور والأزمان قد اصطفاك الله وحباك بينما يسجد أحدهم لصنم، ويتمسّح آخر بحجر أو شجر، ويدعو ثالث إنسًا أو جنًّا، ويتّجه لشمس أو قمر، كنت أنت مخلصًا في عبادتك، موحِّدًا في توجّهك، إن دعوتَ دعوت الله، وإن توكّلتَ فعلى الله، إن استعنتَ فبالله، خوفُك من الله، ورجاؤك بالله، ذبحك لله، ونذرك لله، فحياتك ومماتك لله، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] .
إنها نعمة عظيمة، لا توازيها نعمة، أن تتخبّط أفواجٌ ليست باليسيرة من الناس في دياجير الجاهليّة والكفر وقد هُديتَ أنت صراطَ الله المستقيم، ليس بالأمر اليسير أن تُرشَد إلى الإسلام بينما يموت أناس ويحيا آخرون على الشرك والعمى. هل هي مسألة سهلة أن توفَّق للتوحيد وإخلاصِ العبادة لله وأكوام من البشر لم تزَل حبيسةَ الجهل والضلال، قابعةً في ظلام الشرك والزيغ والعناد؟ إنها قضية عظيمة ونعمة كبيرة، بل هي النعمة التي لا تجاريها نعمة.
خرّج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، مَن أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله: (( لقد ظننتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك لِما رأيتُ من حرصك على الحديث. أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال:"لا إله إلا الله"خالصًا من قلبه أو نفسه ) ).
كيف لا تكون أعظمَ نعمة وهي مفتاح الجنة؟! روى أحمد والبزار بإسنادهما عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله ) ).
كيف لا تكون رأسَ النعم وبها تُحرَم النار؟! روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي ومعاذٌ رديفه على الرّحل، قال: (( يا معاذ بن جبل ) )، قال: لبيك ـ يا رسول الله ـ وسعديك، ثلاثًا، قال: (( ما مِن أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله صِدقًا من قلبه إلاّ حرمه الله على النار ) )، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: (( إذًا يتّكلوا ) ).
وبعدُ: فكلٌّ يدّعي اتّصاله بالإسلام وانتماءه إليه، بل ولا يرضى أن يمسَّ دينُه بأقلّ المساس، أو يشكِّك أحد في ولائه لدينه وتمسكه به. والسؤال الكبير: هل نحن صادقون في ادعائنا هذا؟ هل نحن صادقون في انتمائنا لديننا وعقيدتنا؟ هل يقف معنى الشعور بالانتماء لدى الكثيرين عند التلفّظ بالشهادتين وإقامة الصلاة وإظهار شيءٍ من شعائر الدين؟ ماذا يعني صدقُ انتسابنا للإسلام؟ وهل ثمّة حقيقة غائبة في فهم الإسلام فهمًا صحيحًا صائبًا؟ إن من يدعي حبَّ محبوب لا بدّ أن يقدّم البراهين والدلائل على صدق محبته لذلك المحبوب، وإلا أضحى الحب ادّعاءً باطلًا وزعمًا بعيدًا عن الواقعية.
إنّ البشر في حياتهم العملية يتفانون في صدق ولائهم وانتمائهم لمرجعهم، فالتاجر يمدح تجارته ويثني على مبيعاته، ينشر أوراقه وعباراته الدعائية في سبيل إنفاق سلعته وربح تجارته. العامل في دائرة حكومية أو مؤسسة أو شركة يثني على أعمالها، ويذكر إنجازاتها، وينافح عنها، ويردّ على مزاعم من يقدح فيها. وتلك ظاهرة نشاهدها في أنفسنا، في عواطفنا وتعاملنا، نراها في عبارات الناس من حولنا وحديثهم، نقرأها ونسمعها في وسائل الإعلام المختلفة، ولا تكاد تجلس في مجلس إلاّ وترى من ذلك ما يُرضي ويُسخط.
إذًا بمَ يطالبك الإسلام الذي كرِّمت بالانتساب إليه وشُرِّفت بالانتماء له؟ وقبل الإجابة على هذا التساؤل المهمّ لا بد من التذكير بقضيّة مهمة، هي سهلة بدهية، ولكننا نغفل عنها ونساها كثيرًا، وهي ـ ولا إخالك تجهلها ـ أنك عضو في الأمّة، ولبنة في جدارها، أنت واحد من ذلك المليار أو يزيد ممن ينتمون لهذا الدين الحنيف. إذًا أنت تشكّل جزءًا لا يتجزّأ ممن يمثّلون هذا الدين شئتَ أم أبيت. وعلى هذا فأنت تؤثّر في هذا الكيان سلبًا أو إيجابًا، أنت تدفع عجلةَ الأمة إما إلى الأمام أو إلى الخلف. لا تنظر لنفسك بعين السخرية والاحتقار والصّغار لتسأَل: وماذا عساني أن أقدّم للمليار؟! أنت نقطة في هذا البحر، وهل السيل إلا اجتماع النقط؟!
ولتقريب الصورة فأنت واحد من مليار واحد، فهل قدّمتَ ما يشفع لك الانتماءَ لهذا العدد؟ إن الإسلام لا يطالب أتباعَه إلا على قدر طاقتِهم وبحسب استطاعتهم، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286] . إنه يريد منك همًّا يعتلِج في صدرِك، يشغَل تفكيرك، تحزن لمصائبِه، وتفرح لفوزِه وعلوّه. يريد منك نية صالحة أن تشاركَ في كلّ خير، وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92] . إنهم معذورون، ولكنّه الهمُّ خالط نفوسهم والأسى تحشرج في صدورهم خزنًا وألمًا أن لا يجدون مالًا يشاركون به لرفع لا إله إلا الله.
روى البخاري في صحيحه أنّ النبي نعى زيدًا وجعفر وابن رواحة في غزوة مؤتة للناس قبل أن يأتيَهم خبرهم فقال: (( أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم ) ). وكان عليه الصلاة والسلام يرسل الكتيبةَ والسريّة، ولا يزال يدعو الله لها بالنصر والتأييد.
رحل إلى الطائف فدعاهم وخوّفهم، فكذّبوه وأغرَوا به سفاءهم، فسار مغمومًا على وجهه ولم يستفق صلوات ربي وسلامه عليه إلا بقرن الثعالب. سار تلك المسافةَ الطويلة لا يشعر بنفسه يعالج الهمّ والخزن، أَلِمالٍ فقده أم لضِياع وأراضٍ سُلبَها؟! ألِزوجة فارقها أم لمنصبٍ عُزل منه؟! كلا ولكن لأجل قومٍ رفضوا الحقَّ ولم يقبلوا هدَى الله الذي جاء به، واسمع إلى هذا الحديث العظيم: (( من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) )رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
إن الإسلام يريد منك تحسّسًا لأخباره واطلاعًا على أحواله ونشرًا لها بين أبناء المسلمين، أين أنتم يا أهل الفضائيات؟! ألم تحدّثونا عن سبب إدخالكم لهذا الجهاز وأنه تتبّع الأخبار والاطلاع على مستجدّات الأحداث؟! أين أنتم من قضايا المسلمين هنا وهناك؟! لم نسمع لكم حديثًا عن مجازر الشيشان وآلام الصومال وآهات القدس وغيرها كثير، أم أنها شماعة عُلّق عليها ذلك السبب لتكون مبرّرًا لكم.
إنّ الإسلام يريد منك تفاعلًا مع قضاياه فرَحًا وحزنًا، ألمًا وأملًا، لماذا هذا الجمودُ في العواطف تجاه مصائب المسلمين وآلامهم؟!
لما بعث رسول الله محمدَ بن مسلمة ومَن معه لقتل كعب بن الأشرف اليهوديّ وكان شاعرًا يؤذي رسول الله وأصحابه لم يزل عليه الصلاة والسلام قائمًا تلك الليلةَ يصلي ويتحرّى أخبارهم، فلما قتلوه وبلغوا بقيعَ الغرقد كبّروا، فلما سمع تكبيرهم عليه السلام كبّر وعرَف أن قد قتلوه. ثم انتهوا إلى رسول الله فقال: (( أفلحتِ الوجوه ) )، فقالوا: ووجهك يا رسول الله.
ولما فتح عمرو بن العاص مصر وأسَر من أسر منها وضرَب على أهلها الجزيةَ خيَّر الأسرى بين الإسلام أو النصرانية والجزية، قال زياد الزبيدي وكان من جند المسلمين: فجعلنا نخيِّر الجلَّ من الأسرى، فإذا اختار الإسلام كبَّرنا تكبيرَة هي أشدّ من تكبيرنا حين تفتَح القرية.
وذكر صاحب كتاب"الدعوة إلى الإسلام"عن حرص الأتراك على الدعوة إلى الإسلام أنّ المسلم الجديد إذا دخل في دين الله أقاموا له فرحًا شعبيًّا، فيمتطي حصانًا ويطاف به في طرقاتِ المدينة، وهم في نشوةِ النصر.
إسلامك يريد منك تقديمَ ما تستطيع من جهدٍ أو مال أو مشورةٍ، فقد قدّم أجدادك نفوسهم رخيصة في سبيل الله ورفعة هذا الدين.
ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة عن سليمان بن بلال رضي الله عنه أنّ رسول الله لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعًا الخروج معه، فذُكر ذلك للنبيّ فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما ـ أي: اقترعا ـ فقال: خيثمة بن الحارث لابنه سعد رضي الله عنهما: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال الابن سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فاستهما فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودّ.
الله أكبر، يقترعان للموت. نعم، إنه موت العزةِ والشرف والرفعة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
سكن داعيةٌ مسلم شهير مدينةَ ميونخ الألمانية، وعند مدخل المدينة توجد لائحة كبرى مكتوبٌ عليها بالألمانية:"أنت لا تعرف كفرات يوكوهاما"، فنصب هذا الداعية لوحةً كبرى بجانب هذه اللوحة كتب عليها:"أنت لا تعرف الإسلام، إن أردتَ معرفته فاتّصل بنا على هاتف كذا وكذا". وانهالت عليه الاتصالات من الألمان من كلّ حدَب وصوب حتى أسلم على يده في سنة واحدة قرابةُ مائة ألف ألماني ما بين رجل وامرأة، وأقام مسجِدًا ومركزًا إسلاميًا ودارًا للتعليم.
أنت تستطيع أن تقومَ للإسلام بأيّ شكل من الأشكال أيًّا كان مكانك ووظيفتك وحجمك بل وعمرك. فطفل صغير يخصّص حصالته الخاصة لجمع المال لفقراء المسلمين، ورجل يرسل ابنه ذا السنتين من عمره إلى جاره ببعض الأشرطة والكتب النافعة، وشاب في الصف الأول الثانوي يجمع بمفرده وفي فترة وجيزة ثلاثة عشر ألف ريال لمسلمي كوسوفا، وأطفال في المرحلة الابتدائيّة يتبرّعون بمصروفهم اليوميّ لإخوانهم في الشيشان.
إذًا اعرف مواهبك، وحدّد قدراتك، واعمل قدر استطاعتك، فليست الدعوة حكرًا على أناس معيّنين، وليس العمل للدين محصورًا في شريحةٍ معينة من المجتمع لا يتعداها لغيرها، فقدم لدينك وإن كنتَ مقصّرًا في بعض جوانب الدين.
فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
فلا يكن تقصيرنا في بعض الواجباتِ أو وقوعنا في بعض المخالفات عائقًا عن العمل لدينِنا وأمتنا.
الوالي والعالم، الطبيب والمهندس، المعلم والأديب، الكاتب والصحفي، المدير في إدارته والموظف في دائرته والعامل في دكانه، المرأة في بيتها، الصغير والكبير، الكلّ مطالب ولكن كلّ بحسبه.
وثق تمامًا أنّا لا نطالبك فوق طاقتك، ولكن نريد منك العمل أيًّا كان بشرطِ أن يوافق الشرعَ وبعضَ الهدف. فالدين ظاهر منصور، وهذا وعد الله لا يتخلّف، ولكن الشأن يومَ ينصَر الدين هل أنت من جنده أم لا؟
قال ابن القيم رحمه الله:
والحق منصور وممتحنٌ فلا تعجب فهذي سنة الرحمن
وبذاك يظهرُ حِزبُه من حربِه ولأجل ذاك الناس طائفتان
ولأجل ذاك الحرب بين الرسل والكفـ ـار مُذ قام الورى سِجلان
لكنما العُقبى لأهل الحقّ إن فاتت هنا كانت لدى الديان