الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الظلم جبلة إنسانية جاءت الرسل لتهذيبها. 2- ظلم الإنسان لنفسه ولغيره. 3- من الظلم
التحاكم إلى غير شرع الله. 4- ظلم في عدم المساواة أمام الشريعة حين تطبيعها. 5- المظلوم
منصور ولو بعد حين. 6- عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة.
أما بعد:
عباد الله: الظلم محرم في شريعة الله تعالى ، حرمه سبحانه على نفسه وعلى عباده ، وتوعد عز وجل الظالمين بعذاب أليم في الدارين ، وذلك لما له من عواقب وخيمة على الأفراد وعلى المجتمعات. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) ).
الظلم طبع في نفوس بعض الناس ، لا ينام إلا على ظلم الآخرين ، ولا يقوم إلا على ظلم المساكين. وقد أخبر عز وجل أن من الناس من هو كثير الظلم لنفسه ولغيره فقال سبحانه: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ويقول جل وعز: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا
وصدق في هؤلاء قول الشاعر الجاهلي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلة لا يظلم
أيها المسلمون: للظلم صور وأشكال عدة ، فأولها ظلم الإنسان لنفسه ، ويكون ذلك بارتكاب الذنوب والخطايا ، ويكون بانتهاك المحرمات والفواحش ، ويكون بترك الواجبات والمأمورات ، فإن كل هذا من ظلم الإنسان لنفسه ، والله عز وجل قد حرم علينا ذلك فقال سبحانه: فلا تظلموا فيهن أنفسكم وأعظم ظلم العبد لنفسه أن يقع في الشرك إن الشرك لظلم عظيم.
ومن الظلم ظلم الإنسان لغيره من البشر، ويكون ذلك بالتعدي على أعراضهم أو بالتعدي على أبدانهم أو بالتعدي على أموالهم ، أو بأي صورة من صور التعدي ، فإن كل هذا محرم ولا يجوز ، قال عليه الصلاة والسلام: (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا هل بلغت ) )قالها ذلك عليه الصلاة والسلام في خطبة يوم عرفة.
كم في عالمنا اليوم ممن ظلم في عرضه ، أو ظلم في بدنه ، أو ظلم في ماله ، وهو مظلوم لا يستطيع أن يسترد مظلمته ، ولا يستطيع أن يتكلم في الذي ظلمه ، ولو نطق باسمه لسانه ، قطع رأسه. والله المستعان.
ومن الظلم الذي يقع أيضًا في الأرض ، تغيير ما شرعه الله تعالى لعباده ، وتبديل حكم الله سبحانه وتعالى ، والتساهل في عدم تطبيق شريعة الله عز وجل. فإن هذا من أعظم الظلم ، قال الله تعالى ، واصفًا الحكام الذين لا يحكمون شريعته بقوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
أيها المسلمون: حتى لو طبقت شريعة الله ، في بعض الجوانب فإن من صور الظلم الذي قد يقع عدم تساوي الناس فيما يطبق عليهم ، وعدم تساوي الناس في تنفيذ الأحكام عليهم ، فإن هذه صورة مشينة من صور الظلم ، لأنه يؤدي إلى الفساد في الأرض ، ويؤدي إلى انتشار البغضاء والشحناء بين طبقات المجتمع ، ويوقف عجلة التقدم والتطور فيه ، ويؤدي في النهاية إلى الهلاك ، قال عليه الصلاة والسلام ، عندما سرقت المرأة المخزومية (( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ).
وبذلك قامت دولة الإسلام الأولى وبقت واستمرت ، وانتشر خيرها عندما أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( والذي نفسي بيده ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ).
أيها المسلمون: هذا الظالم ، بأي نوع من أنواع الظلم ، وخصوصًا فيما يتعلق بحقوق الناس ، هل يظن هذا الظالم بأن الله غافل عنه ، لا يعلم عنه ، لا يقدر عليه ، الله عز وجل يمهل الظالم، لكن لا يهمله، يصبر عز وجل على الظلمة ولكن إذا أخذهم لم يفلتهم. يقول الله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ويقول جل وعلا: ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.
ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) )ثم قرأ قوله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.
فيا أيها الظالم ، اتق دعوة المظلوم وذلك بالبعد عن الظلم ، ولا تعرض نفسك لدعائهم لأن دعوة المظلوم مستجابة ، ليس بينها وبين الله حجاب ، (( اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) )اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة ، اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا ، فإنه ليس دونها حجاب ، فكيف بالمظلوم إن كان مسلمًا ، فكيف بالمظلوم إن كان صالحًا تقيًا ، داعيًا إلى الله عز وجل.
ولج عتوًا في قبيح اكتسابه
ستبدي له ما لم يكن في حسابه
يرى النجم تيهًا تحت ظل ركابه
أناخت صروف الحادثات ببابه
ولا حسناتٌ يلتقى في كتابه
وصب عليه الله سوط عذابه
إذا ما الظلوم استحسن الظلم مذهبا
فكِله إلى صرف الليالي فإنها
فكم قد رأينا ظالمًا متمردًا
فعما قليل وهو في غفلاته
فأصبح لا مال ولا جاه يرتجى
وجوزى بالأمر الذي كان فاعلًا
أيها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى توعد الظالمين بعذاب أليم في الدارين ، وهذا هو عزاء المظلومين، فكل من ظلم عزائه في وعيد الله عز وجل بالظلمة.
أما في الدنيا ، فإن الظالم لا يُفلح في دنياه من سلك طريق الظلم ، فإن بابه في النهاية مغلق ، وإن زين له شيطانه ذلك. قال تعالى: إنه لا يفلح الظالمون ويقول سبحانه: قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
وأيضًا قد يحرم الظالم من هداية التوفيق ، قال تعالى: إن الله لا يهدي القوم الظالمين ويقول سبحانه: والله لا يهدي القوم الظالمين.
الظلم سبب مصائب الدنيا من أوجاع وأسقام وفقر وذهاب الأولاد والأموال والقتل والتعذيب وغلاء الأسعار وغير ذلك. إن ما تعانيه الأمة اليوم هو بسبب وجود الظلم ، بما كسبت أيدي الناس.
يقول الله جل وعلا: وإن للذين ظلموا عذابًا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون دون ذلك أي قبل موتهم. عقوبة شاملة للقرى الظالمة ، عقوبة شاملة للمدن الظالمة ، عقوبة شاملة للمجتمعات الظالمة.
إذا انتشر الظلم في مجتمع ، وجاهر أهله به وصار الصبغة العاقة لهذا المجتمع هو الظلم ، قد يعجل الله لهم العقوبة الشاملة ، التي لا يكاد يسلم منها أحد ، بل تعم الصالح والطالح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة.
لقد ذكر لنا ربنا تبارك وتعالى ، ما فعله بالقرى الظالمة ، قال سبحانه: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين وقال عز من قائل: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلةٍ وقصر مشيد. ويقول جل وعلا: وكأين من قرية عتت عن أمر بها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرًا.
أما في الآخرة: فأول ما ينزل بالظالم اللعنة ، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، يقول عز وجل: يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ويقول تعالى: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ثم إن هذا الظالم ، لن يكون له يوم القيامة نصير ولا شفيع ولا حميم.
يحرم الظلمة من شفاعة إمام المرسلين وشفاعة من يأذن الله في الشفاعة لعباده ، كما قال تعالى: وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ويقول عز وجل: وما للظالمين من أنصار ويقول عليه الصلاة والسلام: (( صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم ، وكل غالٍ مارق ) ).
ومما يصيب الظالمين يوم القيامة أيضًا الحسرة والندم، فكل ظالم سيندم هناك ، ولات ساعة مندم ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون وقال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا.
وبعد هذا المشوار ، وبعد كل هذا سيُنكس الظلمة في نار جهنم ، وتكون هي نهايتهم فبئست النهاية ، وساءت الخاتمة ، قال تعالى: ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون فعاقبة الظالمين جهنم لا يموتون فيها ولا يحيون. قال صلى الله عليه وسلم: (( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل وأن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله فقال: وإن كان قضيبًا من أراك ) ) [رواه مسلم] .
وعن أبي سلمة رضي الله عنه: أنه كانت بينه وبين أناس خصومة فذكر لعائشة رضي الله عنها فقالت له: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين ) )رواه البخاري في كتاب المظالم. قال - باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض.
هذا الذي ظلم قيد شبر من الأرض والله المستعان ، تكون هذه عقوبته يوم القيامة ، فكيف بالذي يظلم بالأمتار المربعة ، وكيف بالذي يظلم بالكيلومترات المربعة ، وكيف بالذي يبلع الألوف المؤلفة.
هذا الذي ظلم قيد شبر ، يخبر الصادق المصدوق بأنه سيطوق يوم القيامة بسبع أرضين ، وغالبًا ما يكون ظلمه يقتصر على صاحب الأرض الذي ظلمه. أفلا يفكر هؤلاء الظلمة في عالمنا اليوم ، الذي يصل ظلمهم ويتعدى عشرات الأفراد ، أفلا يفكر هذا الظالم في عاقبته يوم القيامة ، الذي ظلمه يعم البلد كلها والمجتمع بأسره ، ويتضرر بسبب ظلمه ألوف الناس ، فإنا لله وانا إليه راجعون.
نسأل الله عز وجل أن يحسن خاتمتنا وأن يجنبنا الظلم ، بجميع صوره وأشكاله، وأن يعجل نهاية الظالمين ، ويريح العباد من ظلمهم ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لم ترد.