الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, خصال الإيمان
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
جامع أم القرى
1-التقوى وصية الله للأولين والآخرين. 2- التقوى وصية الله لأنبيائه ورسله ووصية الأنبياء للناس جميعا. 3- أنفة البعض من قبول كلمة: اتق الله دليل على جهلهم. 4- شمولية التقوى لكل ما يرضي الله تعالى. 5- تعاريف السلف للتقوى. 6- فوائد وثمرات التقوى في الدنيا والآخرة.
وبعد: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
التقوى ـ إخوة الإيمان ـ كلمة عظيمة ومعنى شريف من المعاني التي رغَّب الله فيها وحث المسلمين على أن يتحلوا بها ويحققوها؛ لأنها قنطرةُ النجاة لكل من أراد أن يُرضي مولاه عز وجل، ولقد وصى الله عز وجل عباده بالتقوى في آيات كثيرة من آيات كتابه العزيز، وهذا يدلنا على أهميتها وعظم مكانتها، يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] ، ويقول عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء: 131] . كما وصى أنبياء الله ورسله أقوامهم بتقوى الله سبحانه، يقول تعالى على لسان عيسى عليه السلام مخاطبا قومه: وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران: 50] . وأورد سبحانه في كتابه وصية مجموعة من رسله لأقوامهم، كل رسول ينادي قومه: فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ.
هذه هي أهمية هذه الكلمة وخطورة موقعها، ولم يكن نبينا بدعًا من الرسل، بل إنه حرص على وصية أصحابه رضوان الله عليهم والأمة من بعدهم بتقوى الله دلالة لهم على الخير وتحذيرًا لهم من التهاون والتفريط، أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال له: (( أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء ) )الحديث، وعن أبي ذر ومعاذ رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) )أخرجه أبو داود.
ولعل أحدنا إذا قيل له: اتق الله ظنّها مسبة ومنقصة، وبادر بالقول: وماذا فعلت حتى تقول لي: اتق الله؟! وهذا ـ إخوة الإيمان ـ جهل مطبق وقسوة تجتاح القلوب؛ لأن الله سبحانه خاطب بهذه الكلمة العظيمة أعظم خلقه وأشرف رسله محمد بن عبد الله فقال له سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب: 1] ، فهل تأنف ـ أيها المسلم ـ وتتضايق من كلمة قيلت لرسول الله ؟! وهل الوصية بتقوى الله ستضرك بشيء؟! ما أحرانا ـ أيها المسلمون ـ إلى إحياء هذه الكلمة: اتق الله، ما أحرانا إلى إحيائها والتواصي بها فيما بيننا حتى يزكّي الله بها نفوسنا ويصلح شأننا. أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء أن رجلا قال لأبي حنيفة: اتق الله، فانتفض واصفر وأطرق وقال: جزاك الله خيرا، ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا. انتهى.
ولكن ما هي التقوى؟ وما حدودها؟ هذا أمر لا بد أن نعرفه، فبعض الناس يظن التقوى كثرة التعبد أو كثرة الذكر، ودرجوا على وصف المتعبّد بالتقي، والتقوى أشمل من هذا، التقوى معنى إذا تحقق انطبع على كل أعمال وعبادات المسلم؛ لهذا ربطها رسول الله بالقلب الذي هو مضغة الصلاح أو الفساد في الإنسان، والذي يعوّل عليه في صلاح الأعمال وصدقها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام؛ عرضه وماله ودمه، التقوى ها هنا ـ وأشار إلى القلب ـ ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) )أخرجه الترمذي. إذا فالتقوى أمر يحصل في القلب، فتتسدّد به أعمال ابن آدم وتصلح.
ولقد عرّف سلفنا الصالح التقوى تعريفات تدلّ على شمولها وتدل على دقة فهمهم رضي الله عنهم، فماذا قالوا عن التقوى؟ قال ابن عباس: (المتقون هم المؤمنون الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعة الله) ، وقال طلق بن حبيب كما في سير أعلام النبلاء:"التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله"، وعن أبي سليمان الداراني قال:"التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك"، وقال كثير من أهل العلم: إن التقوى أُخذت من الوقاية، ومعناها أن يتّخذ العبد لنفسه وقاية من الشر ومن مساخط الله ويتوقى أن يقع فيما حرم الله، يقول القرطبي في تفسيره:"إن التقي هو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزًا بينك وبينه"انتهى، وفي هذا السياق عرّف الصحابي الجليل أبي بن كعب التقوى تعريفًا جميلًا عندما سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن التقوى فقال كما في تفسير ابن كثير: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟! قال عمر: بلى، قال: فما عملت؟ قال: شمّرت واجتهدت ـ أي: اجتهدت في تفادي الشوك ـ، قال: فذلك التقوى. قال ابن كثير: وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يَحذر ما يرى
لا تَحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
هذه هي التقوى إخوة الإيمان، وهذه هي معانيها السامية اللطيفة التي يجدر بكل مسلم أن يتفهمها ويتشربها ويعمل بها. التقوى كلمة لا ينبغي أن نبقيها بيننا كمعنى جميل يحبه الله دون أن نعملها في الحياة ونتعامل بها، إن الحياة ستكون أسعد وأهنأ وأرحب إذا تعاملنا مع بعضنا بشيء من التقوى، فكيف إذا تعاملنا بكل التقوى؟! المجتمع سيكون أكثر تماسكا وأكثر قوة إذا اتقى الله بعضُنا في بعض، وإذا استحضرنا مخافة الله واتقائه في تعاملنا مع الخالق العظيم ومع خلقه أجمعين.
التقوى مهمّة، ولا يمكن تصور مسلم يريد النجاة ثم لا يتحلى بهذه الخصلة العظيمة. التقوى شرط لقبول العمل، فكيف يقبل الله عمل من لا يتقيه ولا يستحضر هيبته ويخلص له العمل؟! إن غياب التقوى مفسد للعمل، وحضورها سبب للقبول، قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] . التقوى باب للفقه عن الله سبحانه وفهم آياته المقروءة في الكتاب والمنظورة في الكون والآفاق، يقول سبحانه: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة: 1، 2] ، ويقول تعالى: إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس: 6] . لا بد إذًا من التقوى حتى تنفتح مغاليق القلوب وتتأهل للتَّلقي عن الله عز وجل. التقوى أفضل زاد يتزود به العبد، قال تعالى: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة: 197] . التقوى نسب لا ينقطع يوم تنقطع الأنساب وتضيع القرابات، يوم يتبرأ القرناء بعضهم من بعض ويتعادى الأخلاء، يقول سبحانه: الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف: 67-69] .
ولما كانت التقوى بهذا الوزن وبهذه الأهمية من دين الله عز وجل فقد حث عليها نبي الله أهله، فهو القائل لزوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما عند أبي داود: (( يا عائشة، عليك بتقوى الله والرفق، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط إلا شانه ) )، بل إنه جعل للتقوى نصيبًا في دعائه، فقد كان يتضرع إلى الله سبحانه ويسأله التقى، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه كان يقول: (( اللهم إني أسألك الهدى التقى والعفاف والغنى ) )أخرجه مسلم. هكذا يسأل خير خلق الله وأتقاهم يسأل مولاه التقوى ليعلمنا التواضع وليعلمنا التضرع وليبين لنا أهمية التقوى.
فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على أن تجعلوها زادا لكم في سفركم إلى الله، فإنها نعم الزاد ونعم المطية إلى دار المعاد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 18-20] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله...
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التقوى ـ أيها المسلمون ـ صفقة رابحة، ما جعلها مسلم في رحله وتعامل بها في الدنيا إلا حالفه التوفيق، وما دخل بها سوق الآخرة سوق التنافس على إحراز الحسنات إلا ربحت صفقته وراجت تجارته، وهذا ما بينه لنا الخالق العظيم عندما تعرض لثمار التقوى، تلك الثمار الطيبة التي يطمح كل مسلم أن يحصل عليها، فلننظر في كتاب الله نظر تدبّر وتفهّم، ونبحث فيه عن بعض ثمار التقوى.
من ثمار التقوى أنها سبب للعلم النافع الذي يفتح الله به على عبده، قال تعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. التقوى سبب لحصول الفرج وباب من أبواب الرزق، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3] . التقوى سبب لتيسير الأمور وسهولتها، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4] . التقوى بوصلة للعبد يرى بها الأمور على حقيقتها، فلا يزيغ ولا يتوه، قال تعالى: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال: 29] . التقوى مجلبة لحفظ الله وتأييده والنجاة من انتقامه، قال تعالى: وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: 53] . التقوى طاردة للخوف والحزن، قال تعالى: فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: 35] . التقوى حرز من الشيطان، والمتقون محفوظون من الشيطان ونزغاته، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: 201] . التقوى سبب رئيسي في النجاة من النار، قال تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 71، 72] . التقوى ـ أخيرًا وليس آخرًا ـ سبب في دخول جنة النعيم، وسبب في التلذذ فيها بالخيرات الحسان والجنان الوارفة والأنهار الجارية والحور العين والثمار اليانعة والشراب الطيب وسائر أنواع النعيم التي لا ينغصها شيء مما ينغص متاع هذه الدنيا الفانية، قال تعالى: مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [الرعد: 35] ، وقال عز وجل: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر: 20] .
إخوة الإيمان، وإذا كانت التقوى بهذا القدر وهذا الخطر فإن المغبون حقًّا هو من حُرم التقوى، والخاسر حقًّا هو من لم يضرب فيها بسهم ولم يسابق في مضمارها.
أسأل الله أن ييسّر لنا سلوك طريق التقوى، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت...