العلم والدعوة والجهاد, قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات, محاسن الشريعة
سعيد بن سالم سعيد
الشارقة
غير محدد
1-وسطية هذه الأمة. 2- بم تكون الوسطية؟ 3- صور من وسطية الإسلام.
جماعة المسلمين، يقول ربنا عز وجل في محكم التنزيل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] . قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تأويل هذه الآية:"إن الله إنما وصفهم ـ أي: هذه الأمة ـ بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، ولا هم أهل تقصير، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها".
وفي صحيح البخاري من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ: (( يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ) )، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ، قَالَ: (( عَدْلا ) )، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
فهذه الأمة ـ عباد الله ـ هي خير أمة أخرجت للناس، كما أخبر بذلك الله تبارك وتعالى فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [آل عمران: 110] . يقول السعدي في تفسير هذه الآية:"هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب التي تميزوا بها، وفاقوا بها سائر الأمم، وأنهم خير الناس للناس نصحا ومحبة للخير ودعوة وتعليما وإرشادا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وجمعا بين تكميل الخلق والسعي في منافعهم بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان والقيام بحقوق الإيمان".
عباد الله، إن وسطية هذه الأمة لا تكون ولا يتّصف بها إلا من كان على نهج النبي محمد وأصحابه، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية:"ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله حيث قال: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) )".
ومما يدلك ـ أخي المسلم ـ على أن طريق النجاة التمسكُ بما عليه الرسول وصحبه، قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115] . فقرن الله مشاقة سبيل المؤمنين ـ وهم الصحابة رضوان الله عليهم ـ بمشاقة الرسول ، ثم بين العقاب لمن خالف هذه الطريق وهو النار.
عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّه عَنْه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) )رواه البخاري. فهذه الأمة هي خير أمة، هي أوسط أمة، هي أعدل أمة، إن سارت على درب الرعيل الأول من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من وسطية الإسلام محاربة الغلو والتشدد في الدين، والغلو هو مجاوزة الحد ومجاوزة المشروع من العبادة. والغلو ـ عباد الله ـ كان سببا لهلاك الأمم من قبلنا، قال محذرا أمته: (( وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ) )أي: من قبلكم من الأمم كاليهود والنصارى، وقد نهاهم الله وحذرهم من الغلو والتشدد في الدين، فقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) )رواه البخاري.
ومما يضاد الوسطية في الإسلام الغلو في الأشخاص، سواء كانوا أنبياء أو أولياء صالحين، فكل هؤلاء بشر لا يملكون نفعا ولا ضرا، فمن الغلو المفضي إلى الشرك التوجه بالدعاء والسؤال إلى النبي وهو في قبره، أو التوجه بالعبادة والدعاء إلى من يظن أنه من أولياء الله الصالحين، فيتمسح بالقبر ويحيون عنده الموالد البدعية المحرمة، ويسألونهم قضاء الحوائج، كما هو مشاهد وللأسف في بقاع من بلاد المسلمين.
فإذا علمنا أن النبيّ محمدا لا ينفع ولا يضر، فمن باب أولى أن يكون غيره كذلك، يقول تعالى عن محمد: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] . ووصف الله رسوله بأنه عبد له، فقال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء: 1] . ثم تأمل معي ـ أخي المسلم ـ نهي النبي عن الغلو فيه فقال: (( لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) ).
جماعة المسلمين، اعلموا أن النفع والضر بيد الله وحده دون سواه، فلا يملك النفع والضر للإنسان ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا وليّ من الصالحين، والدليل قوله تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: 107] ، وفي الحديث الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمًا فَقَالَ: (( يَا غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) ).
ومن الغلو المذموم الذي ينافي الوسطية في الإسلام الغلو في العبادة، وذلك بأن يزيد العبد في الطاعة والعبادة مما لم يفعله الرسول ولم يأمر به الله، والله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21] . فقدوتنا في العبادة هو محمد ، فما لم يفعله لا نتعبد الله بفعله، بل قد حذر من مخالفة هديه في العبادة، قَالَ النَّبِيُّ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) ).
وفي صحيح البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قال: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ؟! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) ). فمع كون هؤلاء القوم أرادوا الخير بفعلهم الذي هو في أصله عبادة، فأحدهم يقوم يصلي الليل، والثاني يصوم النهار طول السنة، والثالث لا يتزوج النساء ليتفرغ للعبادة، ولكن النبيّ قد أنكر عليهم هذه الطريقة في العبادة، ثم قال لهم: (( فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) )أي: من انحرف وأبى عن طريقتي في العبادة فليس من أمتي أمة الوسطية.
ومن ذلك أيضا عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: (( مَا بَالُ هَذَا؟ ) )قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ ) )، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
ومن الوسطية في الإسلام ما رواه البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا ) )، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.
فإياكم ـ عباد الله ـ والغلو، وإياكم كذلك والتفريط وعدم المبالاة بحجة أن الدين يسر، فكثير من الناس يترك شعائر الإسلام أو يختار من فتاوى العلماء ما يناسب هواه، من دون النظر إلى الدليل من القرآن والسنة، ثم يحتج بأن الدين يسر، وهذه النظرة خاطئة، فالنبي يختار أيسر الأمور المشروعة التي لا إثم فيها، فإن كان فيها إثم فالابتعاد عنها هو النجاة.