فهرس الكتاب

الصفحة 2523 من 5777

طريق النصر

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-خصائص القرآن. 2- حديث القرآن عن أحوال الأمة مع مخالفيها. 3- البشارة بقدوم النصر وقربه. 4- اضمحلال الظلم مهما طغى. 5- ذم اليأس والحث عل الرجاء. 6- واجبات أهل العلم والدعاة. 7- النصر لا يكون بمعجزة خارقة بل بسنة جارية. 8- وجوب استيعاب الأزمة. 9- حاجة الأمة إلى ترتيب الأمور. 10- الخلاص من الأزمة بالإيمان. 11- الصبر والمعالجة الداخلية من أعظم أسباب النصر. 12- ختام رمضان وليلة القدر. 13- فرضية زكاة الفطر.

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا ضياع العمر في غير طاعة، وخافوا من التسويف، فالتسويف بئست البضاعة، فكم من مؤملٍ لم يبلغ ما أمّله، وحيل بينه وبين ما كان يرجو عمله، دارت عليه رحى المنون، كم نُصح وهو مُعرض، بات على تفريطه نادمًا، يتمنى الرجوع فلا يقدر قَالَ رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] .

أيها المسلمون، شهر رمضان المعظّم، هو شهر القرآن الكريم، في نزوله ومدارسته وملازمته، وهو شهر انتصارات الأمة، وقوتها وعزتها، انتصارُها على شهواتها وأهوائها، إن أمة الإسلام في أوضاعها المعاصرة؛ بحاجةٍ إلى استلهام الدروس وأخذ العبر ومواقف المحاسبة، من أجل هذا كان التذكير بالقرآن فَذَكّرْ بِ?لْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] ، وكان الإنذار بالقرآن وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءانُ لاِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام:19] ، وكان الجهاد بالقرآن وَجَـ?هِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبيرًا [الفرقان:52] ، ومن أجل ذلك كذلك، كان هذا القرآن شرف الأمة وذكرها وعزها، لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـ?بًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10] ، فَ?سْتَمْسِكْ بِ?لَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف:43، 44] .

أمة الإسلام، والمسلمون يعيشون هذا الشهر الكريم في صيامه وقرآنه، هذه مراجعات قرآنية في أوضاع الأمة، ومعالجاتٌ لمشكلاتها وأزماتها، اقرأوا وتأمّلوا في حديث القرآن عن أحوال الأمة مع مخالفيها إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] ، قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ?لأرْضِ فَ?نْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لْمُكَذّبِينَ هَـ?ذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:137-139] ، وَلاَ تَهِنُواْ فِى ?بْتِغَاء ?لْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ ?للَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:104] .

أيها المسلمون، إن الأمة تمرّ في حالها الراهنة بأوضاعٍ من الضعف والتشتت وظلام الطريق، بينما يمرّ آخرون بموجاتٍ من الاستعلاء والقوة، ونزعات التفرّد.

إن كل ذلك ـ على ظلامه وبأساءه ـ يشير إلى أفقٍ مضيء، وسبيلٍ عامرٍ بالأمل بإذن الله، نعم، لئن كان الباطل يزداد بطشًا وطغيانًا وغدرًا، وصورة ذلك جليةٌ في عدوان اليهود في فلسطين المحتلة، في القتل والهدم، والتشريد، والصلف والاستكبار.

لئن كان الباطل يزداد بطشًا وطغيانًا وغدرًا بهذه الصورة، فإن ذلك عند المؤمن في إيمانه وبمعرفته بسنن الله هو بداية النهاية بإذن الله حَتَّى? إِذَا ?سْتَيْئَسَ ?لرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ?لَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ?لْبَأْسَاء وَ?لضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى? يَقُولَ ?لرَّسُولُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى? نَصْرُ ?للَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ ?للَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] ، مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ?للَّهِ فَأَتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ?لرُّعْبَ [الحشر:2] .

إن المسلم لا يسرف في التعلق بالأماني وسراب التمنيات، ولكنه في الوقت ذاته لا يكون منكّس الرأس، في مستنقعات الهزائم ومواطن الذل والمهانة، إن أمل المسلم ليس مكابرةً ولا قفزًا على الواقع والوقائع، ولكنه عقيدة راسخة يؤمن بها، ويعمل في إطارها، سندها كتاب الله عز وجل، وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ ?للَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ ?للَّهِ إِلاَّ ?لْقَوْمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [يسوف:87] ، وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ?لضَّآلُّونَ [الحجر:56] ، إن اليأس حيلة العاجز الذي يؤثر الانسحاب والعزلة، إن البلاء يُحتمل بعظم الرجاء، والفرج طريقهُ الثقة بالله العلي الأعلى، المؤمن الحق لا تزلزله المِحن، ولا تهدّه المكائد، بل يزيده ذلك عطاءً وبذلًا وتضحية وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ?سْتَكَانُواْ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لصَّـ?بِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ?غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا و?نصُرْنَا عَلَى ?لْقَوْمِ ?لْكَـ?فِرِينَ فَاتَـ?هُمُ ?للَّهُ ثَوَابَ ?لدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ?لآخِرَةِ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [آل عمران:146-148] .

معاشر المسلمين، إن من أعظم مهمات أهل العلم والرأي، والدعاة والمصلحين أن يُشيعوا الأمل الصادق في نفوس الأمل، الأمل الذي يدعو إلى الثبات على الدين، والعضّ عليه بالنواجذ، والعمل على نصرته، والذبّ عن حياضه، واليقين بأن نصر الله لن ينزل على أوليائه بمعجزةٍ خارقة، ولكن بسنةٍ جارية، يمتحن فيها العباد ليبلوهم ربهم أيهم أحسن عملًا، وهذا لا يتحقق بموعظةٍ تُتلى، أو خطبةٍ تُلقى فحسب، ولكن بقدوات صالحة، قويةٍ ـ بإذن الله ـ ذاقت حلاوة الإيمان، وصدقت بموعود الله لأوليائه المتقين.

أيها المسلمون، أمة الإسلام تعيش غربة حقيقية بين الأمم، وتنبع غربتها في تميزها وتمنّعها على السير في ركاب الظلم والاستسلام، وقد جرّ عليها هذا ضغوطًا كبيرة وأحمالًا ثقالًا، مادية وأدبية، لا تكاد تدركوها، مسّتها فيها البأساء والضراء وزلزلت.

أيها المسلمون، طغيان القوة وغرورها، يجعل صاحبه لا يبالي بمواقف الآخرين، ولا بحقوقهم، بل إنه ليستهين بالأعراف، وقواعد التعامل، ويستكثر على غيره أن ينظر في مصالحه أو يتمسّك بحقوقه أو يعتزّ بهويته وقيمه، فالضعفاء في ميزان الظلم لا حق لهم إلا الخضوع والاستسلام، حين تضعف الأمم يتفجّر الحقد المكبوت، وينهض الخصوم يناوشون من كل مكان، إن الإنسانية كلها مدعوّة إلى التأمّل في الأخطار الرهيبة التي تنتظرها، إذا تجاهلت النُذر المتصاعدة من الصدور الحاقدة التي تبثّ نيران العداوات والصراعات المدمّرة، وازدراء الأمم في معتقدها وفكرها وديانتها، الظلم هو وقود الصراعات، والعنف لا يولّد إلا العنف، وعقلاء البشر، وقرّاء التاريخ يدركون أن قوة الظلم ما هي إلا كضوء شهاب سرعان ما ينطفئ.

إن الأمة الحيّة ـ ولو كانت مستضعفه ـ فإنها لن تقبل الظلم، بل قد تكون هذه الضغوط والمتغيرات سببًا من أسباب يقظتها وحيويتها، فلا تهون عليها عزتها وكرامتها.

الأمة الكريمة الضعيفة، وإن كانت لا تقوى على المواجهة في مرحلةٍ من المراحل لكنها لا ترضى بالدنيّة في عزّتها ومبادئها، ولن ترضى أن تنظر للآخرين باستجداء أو استحذاء.

أيها المسلمون، إن من دلائل الرشد والفقه؛ استيعاب الأزمة، وتوضيح دورها في إحياء الأمة وبنائها بنفسيةٍ عزيزةٍ وثّابة، ومن غير ضعفٍ أو خوَر.

إن من الحق والحكمة الاعتراف بأن الهزائم قد تكون لازمة من لوازم بناء الأمم، من أجل القضاء على صور الاسترخاء، ومظاهر الترف والفسق، ومن أجل الدُربة على تحمل الظروف القاسية، وزوال الطبقات الهشّة من اجل الوصول إلى القواعد الصلبة. وقد تكون الهزائم أكثر مُلازمة عندما تسود في الأمة الأمراض الاجتماعية، ويحكمها الظلم، وتشتد المظالم، وتُهمل الحقوق، ويفسق المترفون، ويكثر الخبث فتكون الهزيمة عقوبة، وتُسلط الأعداء بلاءً لتستيقظ الأمة، وتتوجّه نحو العلاج فيكون التمحيص، وتكون التنشئة على الجدّ والمسيرة والمبصرة، وحينئذٍ يستقيم المسار بإذن الله.

أيها المسلمون، الأمة لا شك في حاجة إلى إعادة ترتيب أمورها، ودراسة أوضاعها بعمق دراسة تتفهم المتغيرات، وإنها لمتغيراتٌ كبيرة طغت على ساحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها، مدركة إمكاناتها، مكتشفةً مكامن قوتها وتأثيرها، ومن أجل تلمّس طريق المعالجة ـ معاشر المسلمين ـ لا بد من التأكيد على أن أولى الأوليات أن تعلم الأمة علم اليقين أنها لن ترتفع لها راية، أو يعلو لها شأن إلا بصدق الإيمان، ونقاء التوحيد، وصفاء الإخلاص، إيمانٌ يستنير به القلب، وتستقيم به الجوارح، وهذا لا يكون إلا بتربيةٍ جادّة، وإنك لتحزن حين لا ترى إلا آثار تربيةٍ هشّة، وأن طاقات الأمة تستنزف في أمور تذهب بحلاوة الإيمان، وتضعف جذوته وكيف يتصور التطلع إلى النصر بنفوسٍ لم تذق حلاوة الإيمان (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي الله عنه بالله ربًا وبمحمدًا رسولًا، وبالإسلام دينًا ) ) [1] . كما يجب التأكد أن الطريق الصحيح ومنهج التصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته ليس بالاشتغال بالرد عليها مما قد يجر أو جرّ إلى معارك خاسرة، ولكن الإصلاح الحقيقي، والتصحيح الجاد يتمثّل في التوجّه نحو الداخل وتصفيته وتنقيته، وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] ولا ريب أن التصحيح من الداخل شاقٌ على النفس وثقيل في الممارسة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة سوف ينقد نفسه وسوف يصلحها، أي أنه يجعل من نفسه الحجر والنحّات في آنٍ واحد، وإن أصحاب الطريق المسدود والمتأزّمين هم الذين يسلطون سياط نقدهم ودائمًا نحو الخارج وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] ، آية كريمة ومعلمٌ بارز، ورايةٌ مرفوعة في رسم الطريق لهذا الإصلاح الداخلي، ويقترن بهذه الآية، آية أخرى توجه إلى مواجهة الخارج بالنقد الداخلي والإصلاح والتحصين، اقرأوا في خبر غزوة أحد أَوَ لَمَّا أَصَـ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَـ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:195] ، إنه ليس من الحكمة تضخيم شأن العدو إلى الحدّ الذي يجعل تصّور هزيمته شيئًا بعيدًا، فالعدّو بشر، له حساباته وله موازناته ومشكلاته وإمكاناته، وَلاَ تَهِنُواْ فِى ?بْتِغَاء ?لْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [النساء:104] ، إن النصر العام لا بدّ أن يسبقه نصرٌ خاص، إن الأمة المنتصرة على أعداءها هي أمة قد حققت قبل ذلك نصرًا داخليًا، ومما يجب التأكيد عليه أخيرًا، سلاح الصبر، والمراد بالصبر هنا: احتمال المشاق، والتيمومة في تأدية التكاليف مهما كانت قسوة الظروف.

إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة، إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلاتٍ مستعصية مآلة الإحباط واليأس، أو الاندفاع والتهوّر مما يزيد المشكلات تعقيدًا، ويجعل الحلّ الحقيقي بعيد المنال، إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن لحل أوضاع لا يُستطاع حلّها في الوقت القريب.

وبعد أيها المسلمون، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع اليسر يسرًا، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها، ومفتاح حلّها وطريق ذلك بإذن الله دينٌ صحيح وعقل مستنير، ومبضع جرّاح، وحرقة والدة، وعلى الله قصد السبيل وهو الغالب على أمره، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْو?لِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ?لَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذ?لِكَ مِنْ عَزْمِ ?لاْمُورِ [آل عمران:186] ، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه مسلم في الإيمان، باب: الدليل على من رضي الله عنه بالله ربًا (34) بلفظ: (( ذاق طعم الإيمان بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمداٍ رسولًا ) ).

الحمد لله، الحمد لله الواحد الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى ولا لإحسانه حدّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغامًا لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله بالفضائل تشرف وبالكمالات انفرد، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد:

فإن من صعاب الأمور قياد الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات. ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصادرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات، نعم: إن الأمة الحيّة لا تكفّ عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها كما لا تملّ بالبحث عن المعوقات والحلول، إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراض وتهمل الحقائق والأدواء. لقد كشفت الأحداث المتوالية عن الأمة اضطرابًا في الفهم، واهتزازًا في قراءة الأحداث، واستسلام كثيرين للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدوّ، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات فأنتج مع الأسف استسلامًا في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوط إعلامية علا صوتها.

أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هُتاف الجماهير، ولا اندفاع الجموع، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب وارتباطها بعلاّم الغيوب، خضوعٌ تام لله الواحد القهار، عيادةً وتذللًا، وانقيادًا وتسليمًا.

إن أهل الإسلام، وهم يعيشون، أيام هذا الشهر المبارك، أولى ما يكونون بالتوّجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء في إصلاح النفس، فلتكن ـ يا عباد الله ـ هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولاسيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرقى الأوقات، وأحرى ما يؤمّل المسلم من فضل وخير وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد لأسوة حسنة، فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمّر وشدّ المئزر، وحسبها فضلًا ما يُرجى فيها من ليلة القدر، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ?لْقَدْرِ لَيْلَةُ ?لْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:2، 3] ، (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) [1] حديث مخرج في الصحيحين.

أيها المسلمون، إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوّضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودّعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه (وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون) [2] ، ومن خير أعمالكم إخراج زكاة الفطر، فهي طهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وطعمةٌ للمساكين، من أدّاها قبل صلاة العيد، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات، فأخرجوها ـ رحمكم الله ـ طيبة بها نفوسكم.

عباد الله، هذا شهركم قد أذن بالرحيل، وفي بقيته للعابدين الجادين مستمتعًا، فهل من قلب يخشع، وعين تدمع، وعملٍ صالح يُرفع، ويا ويح قلوب خراب بلقع، تراكمت عليها الذنوب، فهي لا تبصر ولا تسمع. ألا فاتقوا الله رحمكم الله وَسَارِعُواْ إِلَى? مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ [آل عمران:133] ، وصلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

[1] رواه البخاري في الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا (1901) . ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (760) .

[2] رواه أحمد (3/198) . والترمذي في صفة القيامة (2499) وهذا لفظه. وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر التوبة (4251) والحاكم (4/272) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت