الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
الأبناء, العلم الشرعي
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-ثمرات القراءة النافعة. 2- مكانة القراءة عند العظماء. 3- الاهتمام بالنشء وتعوديهم قراءة النافع المفيد.
أيها الناس، إذا كان فئام يأنسون بلذائذ الطعام والشراب، وفئات يطربون بالسمر واللغو، وآخرون يتنزهون حبًا وشوقا وابتهاجًا، فإنه ثمة طبقة رفيعة وصنف متميز سام، جعل لذاذته وأشواقه في القراءة، وصرف وقته لنيل المعارف وتحصيل الدرر والفوائد.
غير خاف على أمثالكم أن القراءة النافعة هي زكاة العقل ورشاده وغذاؤه ونماؤه وزينته وجماله ونبله وسموه، والقراءة النافعة صلاح الإنسان وسلامته ونوره وأنسه وهدايته.
أجمع العقلاء قاطبة على شرف الإنسان بالقراءة ونبله بجمع المعرفة والثقافة، وأن اتساع عقله من اتساع ثقافته وجمالها؛ إذ النبيل يعطي القراءة حظًا وافرًا من حياته، ويمنحها صبرًا من جدّه وكفاحه، حتى تصير له كالغذاء والشفاء اللَّذين لو استغنى الجائع والمريض عنهما لوقع الضرر والفساد.
ماتطعمتُ لذة العيش حتى صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء عندي أعز من العلم فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل فِي مخالطة الناس فدعهم وعش عزيزًا رئيسا
وكانت القراءة في حس أسلافنا الأقدمين منابع النور والهدى ومصابيح الغي والدجى وموارد الروح والحجى، وهي غذاؤهم الذي ليس فيه ملالة، وسعادتهم التي لا ترى السآمة، وزينتهم التي تكسوها الجلالة.
قال الإمام أحمد رحمه الله:"سمعت أنْ قلَّ رجل يأخذ كتابًا ينظر فيه إلا استفاد منه شيئًا". وكان الإمام محمد بن موسى الحازمي رحمه الله يدخل بيته في كل ليلة ويطالع ويكتب إلى طلوع الفجر، فقيل للخادم: لا تدفع إليه الليلة بُزرا ـ وهو دهن يوضع في السراج يستنار به ـ لعله يستريح الليلة، فلما جن الليل اعتذر إليه الخادم لأجل انقطاع البزر، فدخل بيته وصف قدميه يصلي ويتلو إلى أن طلع الفجر. وكان الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله يمشي وفي يده جزء يطالعه.
نعم المؤانس والرفيق كتابُ تخلو به إن ملَّك الأصحابُ
لا مفشيًا سرًّا ولا متكبرًا وينال منه حكمة وصوابُ
أيها الإخوة الكرام، في هذا العصر المتزاحم بالثقافات والمعارف والبحوث أضحت القراءة حسَّ كثيرين وحاجتهم ورغبتهم، لكن ماذا يقرأ الإنسان؟! هل أدركتم أن كثيرين اشتطّت أفكارهم عندما فسدت قراءاتهم؟ فذاك منهمك في المجلات الرياضية، يجمعها جمعًا ويفلّها فلا، وآخر في المجلات الفنية، خَدين أهل الدعارة والدياثة وفارقي العفة والحياء، وآخر في مسار الضائع المتذبذب لا يدري ما يقرأ، مرة في الرياضة، ومرة في الفن، ومرة في السفاهة، ومرة إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
كيف يعقل من يلتهم خمس صحف يومية ولا يقرأ كتاب رب البرية؟! وكيف يرشُد حاوي الأدبيات السخيفة ومُعرض عن الأحاديث النبوية المنيرة؟! عجبت ـ وايم الله ـ من ألمعيّ مغرَم بالقصص الفنية وقد غفل عن السيرة العطرة النبوية! ومن نابهٍ هاوٍ للمغامرات وناس ما لأهل الإسلام من فدائيات وبطولات!
أيها المسلمون، كيف يعرض المسلمون عن القراءة ودينهم دين العلم والقراءة، وأسلافهم صناع المعرفة والثقافة وأرباب الشغف بالمفيد والمطالعة؟! سيكون من المؤسف أن تحتاج أمتنا الإسلامية من يذكرها بمنافع القراءة وفي كتابها ومنهاجها أول كلمة نزلت: اقْرَأْ.
وإن صراعات العالم اليوم وإن تنوعت إلى عسكرية واقتصادية وحضارية، فإن منها الصراع الفكري الذي لا يدرك ويمارس ولا يمكن الإفادة منه إلا عن طريق القراءة والجد والمثابرة.
ولقد أدركت أمم اليوم أن نهوضها بالتعليم والمعرفة سبب رئيس في تقدمها الحضاري، كما أن شعوب التخلف ما تخلفت إلا بفقدانها البنية المعرفية الصحيحة، فصدق حينئذ أن التطور والرقي والازدهار مرهون بشيء من القراءة والتثقيف والاستبصار.
معاشر المسلمين، إن مما يحار منه العرب أنهم يرون الغربيين الكفرة أجلد في القراءة وأحب للمعرفة وأرغب في حفاظهم على الوقت، فتراهم يقرؤون ويحملون الكتاب في السيارة والطائرة والطريق وصالات الانتظار وأماكن العمل، مع أنهم لا يقرؤون أطايب ما عندنا ومحاسن معارفنا، بل لا تعدّ ثقافاتهم إلا كتب ضلال مدمرة أو قصص خيالية مشغلة وفوائد شحيحة.
أيها الإخوة، إن القراءة النافعة سبيل للعلم المثري وامتلاك العقل الناضج والفكر الصائب، وهي زاد المحاور والكاتب والمحلل، ومن خلالها يدفع المسلم عن نفسه غوائل الجهل والجمود، ويتعرف على واقعه، ويدرك محاسنه ومساوئه، ويشارك في الحل والمعالجة والإصلاح.
واعلموا أننا إذ ندعو للقراءة فإنما ندعو لشيء من الوعي والفهم والتفكير، وطريق تحقيق ذلك القراءة النافعة، فلم يعد يشك عاقل أن الوعي اليوم مطلب حضاري لمسايرة الحياة والتعرف على خزائنها ومكنوناتها.
ولكم أن تعلموا أن العباقرة الحذاق يعطون القراءة جلّ أوقاتهم متجلّدين كعطاء أهل الدنيا بدنياهم ومشاغلهم، فلا تنذهلوا إذا قلنا إن عالمًا من المسلمين قرأ (المدونة) في الفقه المالكي ألف مرة، والمحدث أبو بكر الأبهري يقول: قرأ (الموطأ) خمسًا وأربعين مرة، والحافظ الحسن السمرقندي قرأ (صحيح مسلم) نيفا وثلاثين مرة، وفي ترجمة المحاربي الأندلسي أنه كرر (صحيح البخاري) سبعمائة مرة رحمه الله، والحافظ برهان الدين الحلبي ذكر أنه قرأ (صحيح البخاري) أكثر من ستين مرة، وقرأ (صحيح مسلم) نحو العشرين. والإمام الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي ذكر في (صيد الخاطر) أنه ربما طالع في أول الطلب أكثر من عشرين ألف مجلد، رحم الله الجميع.
أولئك قوم شيد الله فخرهم فما فوقه فخر ولو عظم الفخر
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...
الحمد لله حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاشر المسلمين، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار".
إن حياتكم اليومية تعج بالجديد من الثقافات والعلوم، فتلكم الموسوعات والكتب والأبحاث والرسائل والدوريات والمجلات والصحف والكتيبات والمطويات، ولا يخلو بيت مسلم في هذه الأيام من شيء من ذلك، لكن المهم أن تختار النافع المفيد، تجمع شيئًا إذا حصلته استفدت وانتفعت به، وزادك معرفة معتبرة تعتز بها، واحذر من الغثاء فما أكثره هذه الأيام.
والد البيت الواعي هو نقطة البداية لتعليم القراءة واختيار النافع منها، فيوجه الأبناء إلى بعض صنوف القراءة المفيدة والنافعة، وفي ذلك من الفوائد التي لا تحصى، منها صيانة عقولهم وأنفسهم، ومنها قرارهم في المنزل وحفاظهم من الشوارع والمقاهي، ومنها تنمية مواهبهم ومداركهم، ومنها إعدادهم لمنازل العز والشرف.
واحذر ـ أيها الأب المسؤول ـ أن تدخل على أبنائك المجلات الخليعة والصحف الرديئة والروايات السقيمة، فتكون سببًا في إفسادهم ودمار عقولهم. وفي المكتبات الإسلامية هذه الأيام ما يفي برغبات الأبناء من كتب متنوعة ونافعة، تناسب عقول الصغار، وتحفظ لهم أوقاتهم، وتفرح آباءهم.
واعلموا أن تكوين مكتبة صغيرة في المنزل طريق إلى نشر القراءة فيه، وادّخار شيء من المال المصروف في الكماليات والشهوات والسفاهات كاف في إنشاء مكتبة صغيرة، تنير البيت وتحفظ له سمتَه ووقاره.
والبدايات شاقة، لكن كما تعلمتم من زهرة الدنيا كثيرًا، فتعلموا حسن القراءة والصبر عليها، وقد بلغنا أن بعض الغربيين يقرأ في اليوم أربع وعشرة ساعة، وظهر في المسلمين ـ بحمد الله ـ من يقرأ من الصباح إلى المساء، ومن يقرأ ست عشرة ساعة في اليوم، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وهنا أرشد إخواني إلى مطالعة رسالتين قيمتين، الأولى: الطرق الجامعة للقراءة النافعة، للدكتور محمد بن حسن عقيل، والثانية: القراءة المثمرة للدكتور عبد الكريم بكار.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا...