فهرس الكتاب

الصفحة 4847 من 5777

مساهمة رمضان وسارقو الأرباح

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

اغتنام الأوقات, الإعلام

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

1-نعمة بلوغ رمضان. 2- التحذير من الغفلة عن موسم الخيرات. 3- حرص الناس على الأرباح الدنيوية. 4- داء التسويف. 5- التحذير من خطوات الشيطان. 6- وجوب المسارعة إلى الخيرات. 7- التحذير من سراق رمضان.

أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّها النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ. اِتَّقُوا اللهَ يَتَقَبَّلْ مِنكُم أَعمَالَكُم وَطَاعَاتِكُم، وَيَغفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُم وَيُكَفِّرْ سَيِّئَاتِكُم، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ ، يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ.

أَيُّها المُسلِمُونَ، وَفي الجُمُعَةِ المَاضِيَةِ كُنتُم في شَعبَانَ، وَهَا أَنتُم قَد مُدَّ لَكُم في آجَالِكُم وبُلِّغتُم رَمَضَانَ، مِنَّةً مِنَ اللهِ وَتَفَضُّلًا، وَرَحمَةً مِنهُ جَلَّ وَعَلا وَتَكَرُّمًا، وَهَا هِيَ أَيَّامُ الشَّهرِ المُبَارَكَةُ تَسِيرُ، وَهَا هِيَ لَيَالِيهِ الفَاضِلَةُ تَتَصَرَّمُ، وَتَمضِي سَبعُ لَيَالٍ كَلَمحِ البَصَرِ، وَهَذَا اليَومُ السَّابِعُ قَدِ انتَصَفَ، فَمَاذَا فَعَلتُم فِيمَا مَضَى؟! وَمَاذَا قَدَّمتُم؟! وَمَا أَنتُم فَاعِلُونَ فِيمَا سَيَأتي؟ وَأَيَّ شَيءٍ سَتُقَدِّمُونَ؟ وَعَلامَ أَنتُم عَازِمُونَ؟ وَمَاذَا تَنوُونَ؟

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ بُلُوغَ رَمَضَانَ لَنِعمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنحَةٌ جَسِيمَةٌ، لا يَقْدُرُهَا حَقَّ قَدرِهَا إِلاَّ المُوَفَّقُونَ، فَأَللهَ أَللهَ، وَشَمِّرُوا عَن سَوَاعِدِ الجِدِّ وَالاجتِهَادِ، فَإِنَّمَا تُقَدِّمُونَ لأَنفُسِكُم لا لِغَيرِكُم، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاء فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلعَبِيدِ ، مَن كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ وَمَن عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِم يَمهَدُونَ ، قَد جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَبِّكُم فَمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِهِ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيهَا وَمَا أَنَا عَلَيكُم بِحَفِيظٍ ، وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلى حِملِهَا لا يُحمَلْ مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلى اللهِ المَصِيرُ ، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَد جَاءكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَمَا أَنَا عَلَيكُم بِوَكِيلٍ.

نَعَمْ أَيُّهَا الإِخوَةُ، لا يَعمَلُ عَامِلٌ إِلاَّ لِنَفسِهِ لا لِغَيرِهِ، ولا يُقَدِّمُ مُقَدِّمٌ إِلاَّ لِنَجَاتِهِ دُونَ سِوَاهُ، وَلا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا، قَالَ سُبحَانَهُ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: (( يَا عِبادِي، إِنما هِيَ أَعمَالُكُم أُحصِيهَا لَكُم ثم أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيرًا فَلْيَحمَدِ اللهَ، وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفسَهُ ) ).

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، كَم مَرَّ عَلَينَا مِنَّا مِن رَمَضَانَ! وَكَم بَلَغْنَا مِن مَوَاسِمِ الرَّحمَةِ وَالغُفرَانِ! لَكِنَّهَا عَلَى أَكثَرِنَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، لا قَدرَ لها عِندَهُ ولا حِسَابَ، فَإِلى مَتى الغَفلَةُ عَن أَيَّامِ اللهِ؟! وَإِلى مَتى الإِعرَاضُ وعَدَمُ التَّعرُّضِ لِنَفَحَاتِ اللهِ؟! لماذَا يَحرِمُ المَرءُ نَفسَهُ مِنَ الأَجرِ؟! لماذَا لا يَطلُبُ الغَنِيمَةَ وَيَلتَمِسُ الثَّوَابَ؟! هَل هُوَ عَن رَبِّهِ وَخَالِقِهِ في غِنى؟! أَم هَل عِندَهُ يَقِينٌ أَنَّهُ بَلَغَ عِندَهُ مَرتَبَةَ الرِّضَا؟! كيف يَرضَى العَبدُ أَن يَسِيرَ الناسُ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ؟! كيف يَرضَى لِنَفسِهِ الضِّعَةَ وهو مِن أُمَّةِ الرِّفعَةِ؟!

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ، مَا بَينَ آوِنَةٍ وَأُخرَى يُعلَنُ عَن مُسَاهمَةٍ في شَرَكَةٍ أَو طَرحِ أَسهُمِ ثَانِيَةٍ لِلتَّدَاوُلِ، فَتَرَى النَّاسَ إِلَيهَا يُوفِضُونَ، مُتَسَابِقِينَ نحوَهَا كَالمجانِينِ، لا يَمنَعُهُم عَنهَا حَرٌّ ولا يَثنِيهِم بَردٌ، ولا يَقِفُ بَينَهُم وَبَينَهَا بُعدُ مَكَانٍ أَو طُولُ انتِظَارٍ، وَرُبَّمَا سَافَرَ بَعضُهُم لِدُوَلٍ مُجَاوِرَةٍ، وَتَحَمَّلَ وَعْثَاءَ السَّفَرِ وَكَآبَةَ المَنظَرِ وَعَنَاءَ الطَّرِيقِ، كُلُّ ذَلِكَ لإِدرَاكِ مُسَاهمَةٍ دُنيَوِيَّةٍ، لا يَدرِي لَعَلَّهُ لا يَكُونُ لَهُ مِنهَا فَائِدَةٌ وَلا نَصِيبٌ إِلاَّ التَّحَسُّرَ على ما بَذَلَ مِن جُهدِهِ وَخَسَارَةَ مَا دَفَعَ مِن مَالِهِ، كَمَا حَصَلَ وَمَا يَزَالُ يَحصُلُ في كثيرٍ من المُسَاهماتِ والمُضَارَبَاتِ.

وَاليَومَ نحنُ ـ أيها الإخوةُ ـ في مُسَاهمَةٍ في ضِمنِها مُسَاهمَاتٌ رَابِحَةٌ، وَتَمُرُّ بِنَا فُرصَةٌ تحتَهَا فُرَصٌ وَاسِعَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ نَرَى المُسَاهمِينَ فِيها قَلِيلِينَ، وَالرَّاغِبِينَ عَنها كَثِيرِينَ. لماذَا يَا أُمَّةَ الإِسلامِ؟! أَهُوَ جَهلٌ بِفَضلٍ أَو عَجزٌ عَن عَمَلٍ؟! أَمَّا الفَضلُ وَالأَجرُ فَلا نَظُنُّ أَحدًا يَجهَلُهُ، وَأَمَّا القُدرَةُ فلا شَكَّ أَنها مُتَوَفِّرَةٌ لدى الأَعَمِّ الأَغلَبِ، فَمَا سَبَبُ الإِعرَاضِ وَالإِدبَارِ إِذًا؟! إِنَّهُ التَّسوِيفُ وَالتَّأجِيلُ، إِنَّهُ التَّكَاسُلُ وَالتَّبَاطُؤُ، إِنَّهُ التَّأخِيرُ وَالتَّلَكُّؤُ، يَنوِي الإنسانُ الخَيرَ وَيَطوِي عَلَيهِ نَفسَهُ، وَيَعقِدُ على استِغلالِ الشَّهرِ قَلبَهُ، فَيَأتِيهِ الشَّيطَانُ يَومًا بَعدَ يَومٍ، وَيَأخُذُ بِهِ عَن طَرِيقِ الخَيرِ خطوةً خطوةً، فَيُقعِدُهُ عَنِ التَّزَوُّدِ بِرَكعَةٍ أَو رَكعَتَينِ، وَيُثَبِّطُهُ عَنِ التَّصَدُّقِ بِمِائَةٍ أَو مِائَتَينِ، وَيُضعِفُ عَزمَهُ عَنِ القِيَامِ مَعَ الإِمَامِ في صلاةِ التَّرَاوِيحِ حتى يَنصَرِفَ، وَمَرَّةً يُنِيمُهُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ، وفي أُخرى يُفَوِّتُ عَلَيهِ تَكبِيرَةَ الإِحرامِ مَعَ الإِمامِ، وفي سَاعَةٍ يَشغَلُهُ عَن قِراءَةِ جُزءٍ مِن كِتابِ اللهِ، وهكذا يُضَيِّعُ عَلَيهِ شَهرَهُ، وَيُفَوِّتُ عَلَيهِ خَيراتٍ كَثِيرَةً، وَيَصرِفُهُ عن نَيلِ أَربَاحِ عَالِيَةٍ، فَمَا يَشعُرُ إِلاَّ وَالشَّهرُ قَدِ انتَهَى، وما يَتَيَقَّظُ إِلاَّ وَالمَوسِمُ قَدِ انقَضَى، وَإِذَا بِالجَادِّينَ قَد رَبِحُوا في تَعَامُلِهِم مَعَ اللهِ، وَإِذَا بِهِ قَد تَعَامَلَ مَعَ الشيطانِ فَخَسِرَ خُسرَانًا مُبِينًا.

وَإِنَّ اللهَ عز وجل مِن رَحمتِهِ بِنَا وَلُطفِهِ قَد حَذَّرَنَا مِنَ الشَّيطَانِ وَبَيَّنَ لَنَا عَدَاوَتَهُ، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاء وَالمُنكَرِ وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وقال سبحانَه: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيطَانَ وَلِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَد خَسِرَ خُسرَانًا مُبِينًا. وَأَمَّا الخَسَارَةُ العَظِيمَةُ وَالغَبنُ الوَاضِحُ فَذَاكَ مَا جَلاَّهُ اللهُ في كِتابِهِ تحذِيرًا لنا، حَيثُ قال مُبَيِّنًا حَالَ أَهلِ النَّارِ إِذَا دَخَلُوهَا ثم قَامَ الشَّيطَانُ فِيهِم خَطِيبًا يَتَبَرَّأ مِنهُم وَيُبَيِّنُ لهم أَنَّهُ لا يَستَطِيعُ أَن يُنقِذَهُم وَلا هُم كَذَلِكَ، قال سُبحانَهُ: وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُم فَأَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ ليَ عَلَيكُم مِن سُلطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لي فَلاَ تَلُومُوني وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَا أَنَا بِمُصرِخِكُم وَمَا أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنِّي كَفَرتُ بِمَا أَشرَكتُمُونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَقَد تَوَافَرَتِ النُّصُوصُ وَتَظَاهَرَت على وُجُوبِ المُسَارَعَةِ إلى الخيراتِ وَالمُسَابَقَةِ إليها والمُبَادَرَةِ إلى الطاعاتِ قَبلَ الفَوَاتِ وَأَخذِ أُمُورِ الآخِرَةِ بِقُوَّةٍ وَجِدٍّ وَاجتِهَادٍ، قال سُبحَانَهُ في حَقِّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ: وَكَتَبنَا لَهُ في الأَلوَاحِ مِن كُلِّ شَيءٍ مَّوعِظَةً وَتَفصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأمُرْ قَومَكَ يَأخُذُوا بِأَحسَنِهَا سَأُرِيكُم دَارَ الفَاسِقِينَ ، وقال سُبحَانَهُ لِقَومِ مُوسَى: وَإِذْ أَخَذنَا مِيثَاقَكُم وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ ، وقال تعالى لِنَبِيِّهِ يحيى عليه السَّلامُ: يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيًّا ، وقال جل وعلا آمرًا عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ: وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ ، وقال سُبحَانَهُ: سَابِقُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا كَعَرضِ السَّمَاء وَالأَرضِ أُعِدَّت لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ ، وقال جل وعلا: وَلِكُلٍّ وِجهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ، وقال جل وعلا: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقنَاكُم مِن قَبلِ أَن يَأتيَ يَومٌ لاَّ بَيعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وقال سُبحَانَهُ: استَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِن قَبلِ أَن يَأتيَ يَومٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُم مِن مَّلجَأٍ يَومَئِذٍ وَمَا لَكُم مِن نَّكِيرٍ ، وقال جل وعلا: وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقنَاكُم مِن قَبلِ أَن يَأتيَ أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولا أَخَّرتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ ، ولقد كان يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ العَجرِ وَالكَسَلِ، وَدَعَا عليه الصلاةُ والسلامُ إلى أَخذِ الأُمُورِ بِقُوَّةٍ وَعَزمٍ وَمُبَادَرَةٍ، وَلا سِيَّمَا أُمُورَ العِبَادَةِ وَالآخِرَةِ، قال عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (( المُؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ وَفي كُلٍّ خَيرٌ، اِحرِصْ على مَا يَنفعُكَ وَاستَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعجَزْ ) )، وقال: (( التُّؤَدَةُ في كُلِّ شَيءٍ خَيرٌ إِلاَّ في عَملِ الآخِرَةِ ) ).

إِذَا عُلِمَ هَذَا ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَعُلِمَ أَنَّ اللهَ وَصَفَ أَيَّامَ رَمضَانَ بِأنها أَيَّامٌ مَعدُودَاتٌ، إِشَارَةً إِلى سُرعَةِ انقِضَائِها وَعَجَلَةِ زَوَالِهَا، فَإِنَّهُ يجِبُ على المُؤمِنِ أَن لاَّ يَضعُفَ عَن عَمَلِ الآخِرَةِ وَلا يَتَكَاسَلَ عَنِ التَّقرُّبِ إِلى اللهِ في هذِهِ الأَيَّامِ المُبارَكَةِ وَاللَّيالي الفَاضِلَةِ، وَأَن يَكُونَ بِوَقتِهِ أَشَحَّ مِنَ البَخِيلِ بِمَالِهِ، فَيَحرِصَ على أَن لاَّ يُضِيعَهُ فِيمَا لا يُقرِّبُهُ مِنَ اللهِ وَلا يَنفَعُهُ عِندَهُ، فَإِنَّ بَعضَ الناسِ وَلِشِدَّةِ خَسَارَتِهِ لا يَكتَفِي بِتَركِ العَمَلِ الصالحِ وَعَدَمِ التَّزَوُّدِ مِن زَادِ الآخِرَةِ، حتى يُضِيفَ إلى ذلك تَضيِيعَ وَقتِ شَهرِهِ وَإِذهَابَ سَاعَاتِهِ الثَّمِينَةِ فِيمَا لا يُرضِي اللهَ، مِن مُشَاهَدَةِ قَنَوَاتِ الشَّرِّ وَالفَسَادِ، وَمُتَابَعَةِ مَشَاهِدِ السُّخرِيَةِ وَالاستِهزَاءِ الطَّائِشَةَ، عَدَا النَّومِ عَنِ الصَّلاةِ وَالتَّكَاسُلِ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَهِجرَانِ المَسَاجِدِ وَالقُرآنِ.

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَمَن كان مِنكم مُحسِنًا فَلْيَزدَدْ، وَمَن كَانَ مُسِيئًا فَلْيَتُبْ، مَن بَادَرَ الشهرَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ مِن أَوَّلِهِ فَلْيَستَمِرَّ، وَلْيَصبِرْ وَليُصَابِرْ وَلْيُرَابِطْ، وَمَن تَكَاسَلَ فِيمَا مَضَى وَسَوَّفَ وَتَأَخَّرَ فَلْيَستَدرِكْ مَا بَقِيَ وَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّ اللهَ جَوَادٌ كَرِيمٌ، لا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا، وَلا يَرُدُّ مَن أَتَاهُ تَائِبًا مُنكَسِرًا، قال تعالى في الحدِيثِ القُدسِيِّ: (( وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إلى ممَّا افترضتُهُ عليه، وما يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سمعَهُ الذي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبطِشُ بها، وَرِجلَهُ التي يمشِي بها، وَإِنْ سَأَلني لأُعطِيَنَّهُ، وَإِنِ استَعَاذَني لأُعِيذَنَّهُ ) )، وقال في حَدِيثٍ آخَرَ: (( إِذَا تَقَرَّبَ إِليَّ العَبدُ شِبرًا تَقَرَّبتُ إِليه ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنه بَاعًا، وَإِذَا أَتَاني مَشيًا أَتيتُهُ هَروَلَةً ) ).

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم وَاخشَوا يَومًا لا يَجزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَولُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيئًا إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ.

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى حَقَّ تَقوَاهُ، وَاستَعِدُّوا بِالأَعمَالِ الصَّالحةِ لِيَومِ لِقَاهُ، وَاعلَمُوا أَنَّكُم في شَهرٍ كَرِيمٍ وَمَوسِمٍ عَظِيمٍ، وَأَنَّ بَينَ أَيدِيكُم مَوَانِعَ وَقَوَاطِع وَمُحبِطَاتٍ لِلعَمَلِ وَمُنقِصَات لِلثَّوَابِ، وَمِن حَولِكُم لُصُوصٌ وَسُرَّاقٌ وَمُجرِمُونَ، وَلَو لم يَكُنْ إِلاَّ هذِهِ القَنَوَاتُ بِبرامِجِها الغُثَائِيَّةِ وَسَهَرَاتِها الغِنَائِيَّةِ لَكَفَى بِمُتَابَعَتِها خُسرَانًا وَخُذلانًا وَضَيَاعًا، فَكَيفَ بما يُنشَرُ في بَعضِها مِنِ استِهزَاءٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتَنَقُّصٍ لأَحكامِ الشَّرعِ وَحَطٍّ مِن شَعَائِرِ الدِّينِ وَتَعرِيضٍ بِالصَّالحينَ والآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ؟!

أَلا فَإِنَّ اللهَ مُبتَلِيكُم بِهَؤلاءِ الفَجَرَةِ الفَسَقَةِ، وَالامتِحَان عَسِيرٌ وَالنَّجَاحُ صَعبٌ، فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأوَى وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى. إِنَّهُ لا أَشَدَّ مِن مُوَاطَأةِ مَن كان للهِ عَدُوًّا وَلِشَرعِهِ كَارِهًا، وَبِشَعَائِرِ دِينِهِ مُستَهزِئًا وَلِلعَامِلِينَ بها مُتَنَقِّصًا، قال الشيخُ محمدُ بنُ صالحٍ بنُ عُثَيمِينَ رحمه اللهُ: الاستِهزَاءُ بِالمُلتَزِمِينَ بِأَوَامِرِ اللهِ وَرَسُولِهِ لِكَونِهِمُ التَزَمُوا بِذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَخَطِيرٌ جِدًّا على المَرءِ؛ لأَنَّهُ يُخشَى أَن تَكُونَ كَرَاهَتُهُ لهم لِكَرَاهَةِ مَا هُم عَلَيهِ مِنَ الاستقامةِ على دِينِ اللهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ استِهزَاؤُهُ بهمُ استِهزَاءً بِطَرِيقِهِمُ الذي هُم عَلَيهِ، فَيُشبِهُونَ مَن قَال اللهُ عَنهُم: وَلَئِن سَأَلتَهُم لَيَقُولُنَّ إِنما كُنَّا نخوضُ وَنَلعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَستَهزِئُونَ لا تَعتَذِرُوا قَد كَفَرتُم بَعدَ إِيمانِكم ، فَإِنها نَزَلَت في قَومٍ مِنَ المُنَافِقِينَ قَالوا: مَا رَأَينَا مِثلَ قُرَّائِنَا هؤلاءِ ـ يَعنُونَ رَسُولَ اللهِ وَأَصحَابَهُ ـ أَرغَبَ بُطُونًا وَلا أَكذَبَ أَلسُنًا وَلا أَجبَنَ عِندَ اللِّقَاءِ، فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِم هذِهِ الآيَةَ، فَلْيَحذَرِ الذين يَسخَرُونَ مِن أَهلِ الحَقِّ لِكَونِهِم مِن أَهلِ الدِّينِ، فَإِنَّ اللهَ سُبَحانَه وتعالى يَقُولَ: إِنَّ الَّذِينَ أَجرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِم يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلى أَهلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوهُم قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرسِلُوا عَلَيهِم حَافِظِينَ فَاليَومَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَل ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ. وَقَالَ أَبُو الوَفَاءِ ابنُ عَقِيلٍ رحمه اللهُ: إِذَا أَرَدتَ أَنْ تَعلَمَ مَحَلَّ الإِسلامِ مِن أَهلِ الزَّمَانِ فَلا تَنظُرْ إِلى زِحَامِهِم في أَبوَابِ الجَوَامِعِ، وَلا ضَجِيجِهِم في المَوقِفِ بِلَبَّيكَ، وَإِنما انظُرْ إِلى مَوَاطَأَتِهِم أَعدَاءَ الشَّرِيعَةِ. عَاشَ ابنُ الرَّاوَندِيِّ وَالمَعَرِّيُّ عَلَيهِمَا لَعَائِنُ اللهِ يَنظُمُونَ وَيَنثُرُونَ كُفرًا، وَعَاشُوا سِنِينَ وَعُظِّمَت قُبُورُهُم وَاشتُرِيَت تَصَانِيفُهُم، وَهَذَا يَدُلُّ على بُرُودَةِ الدِّينِ في القَلبِ. انتَهى كلامُهُ رحمه اللهُ.

ونحنُ قِيَاسًا عَلَيهِ نَقُولُ: عَاشَت قَنَوَاتُ الشَّرِّ في بُيُوتِنا وَبَينَ أَظهُرِنَا سِنِينَ عَدَدًا، تُلَقِّنُ أَطفَالَنَا أُمُورًا مُخَالِفَةً لِلعَقِيدَةِ، وَتَعرِضُ عَلَى نِسَائِنَا مَشَاهِدَ الرَّذِيلَةِ، وَعَاشَ المُسَلْسَلُ الطَّائِشُ في بَعضِ قَنَوَاتِنا، يُستَهزَأُ فِيهِ بِبَعضِ شَعَائِرِ دِينِنا، وَيُسخَرُ في حَلَقَاتِهِ بِدُعَاتِنَا وَرِجَالِ الحِسبَةِ مِنَّا، وَتَسَمَّرنَا أَمَامَهُ نَنقُضُ مَا فَتَلْنَاهُ طِوَالَ نَهَارِنَا مِن طَاعَةِ رَبِّنَا، فَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مَا أَبرَدَ الدِّينَ في قُلُوبِنَا!

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاحفَظُوا صِيَامَكُم عَمَّا يُبطِلُهُ أَو يُنقِصُ أَجرَهُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت