فهرس الكتاب

الصفحة 4846 من 5777

العين حق

الإيمان, فقه

الجن والشياطين, المرضى والطب

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

1-تطور الطب في العصر الحاضر. 2- عجز الأطباء أمام العين. 3- إثبات العين. 4- مدى تأثير العين. 5- أهمية التبريك عند رؤية ما يعجب. 6- مشروعية الإنكار على العائن. 7- وقوع العين من غير حسد. 8- الوقاية من العين وعلاجها. 9- التحذير من علاج العين عند السحرة والمشعوذين.

أَمَّا بَعدُ: فَيَا أَيُّها المسلمون، وَنحنُ في هذا الوَقتِ الذي تَقَدَّمَ فِيهِ الطِّبُّ تَقَدُّمًا هَائِلًا، وَتَوَفَّرَت أَدوِيَةٌ وَلقَاحَاتٌ وَتحصِينَاتٌ قُضِيَ بها عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأَمرَاضِ المُعدِيَةِ وَالطَّوَاعِينِ المُفزِعَةِ، فَصَارَت بِأَمرِ اللهِ جُزءًا مِنَ التَّارِيخِ الغَابِرِ، وَصَارَ عُلَمَاءُ الطِّبِّ وَخُبرَاؤُهُ على جَانِبٍ كَبيرٍ مِنَ المَهَارَةِ وَالدِّرَايَةِ أَهَّلَتْهُم لإِجرَاءِ أَدَقِّ العَمَلِيَّاتِ وَأَصعَبِها، فَفَتَحُوا الرُّؤُوسَ والصُّدُورَ، وَشَقُّوا البُطُونَ والقُلُوبَ، وَفَصَلُوا التَّوَائِمَ وَتَعَامَلُوا مَعَ الأَجِنَّةِ، وَأَظهَرُوا مَهَارَاتٍ فَائِقَةً وَحَقَّقُوا نجاحَاتٍ كَبِيرَةً، إلا أنَّهُ وَمَعَ كُلِّ هَذَا التَّقَدُّمِ وَذَاكَ التَّطَوُّرِ ظَلَّ كَثيرٌ مِنَ الناسِ يَشتَكِي أَمرَاضًا مُزمِنَةً وَأَعرَاضًا مُقلِقَةً، لم يَعرِفْ لها الأَطِبَّاءُ أَسبَابًا ولم يجِدُوا لها عِلاجًا، فَكَانَ لا بُدَّ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ حدِيثٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ نَابِعٍ مِن مِشكَاةِ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ؛ لِنَتَبَيَّنَ سَبَبًا مِن أَسبَابِ كثِيرٍ مِنَ الأَوجاعِ المُضنِيَةِ وَالآلامِ المُبَرِّحَةِ التي أَقَضَّت مَضَاجِعَ أُنَاسٍ كَثِيرِينَ وَمَنَعَتهُمُ الرُّقَادَ، وَحَرَمَت أَقوَامًا مِنَ التَّمَتُّعِ بحياتِهِم وَنَغَّصَتْ عَلَيهِم عِيشَتَهُم، تِلكُم هِيَ العَينُ أَو الحَسَدُ.

في مُسندِ الإمامِ أحمدَ عن أبي أُمامةَ بنِ سَهلِ بنِ حنيفٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسولَ اللهِ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نحوَ مَكةَ، حتى إِذَا كانوا بِشِعبِ الخَرَّارِ مِنَ الجُحفَةِ اغتَسَلَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ، وكان رجلًا أَبيضَ حَسَنَ الجِسمِ وَالجِلدِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ أَخُو بني عَدِيِّ بنِ كَعبٍ وهو يَغتَسِلُ فقال: ما رَأَيتُ كَاليَومِ وَلا جِلدَ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ سَهلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسولَ اللهِ، هل لك في سَهلٍ؟ وَاللهِ مَا يَرفَعُ رَأسَهُ وَمَا يُفِيقُ، قال: (( هَل تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِن أَحَدٍ؟ ) )قالوا: نَظَرَ إِلَيهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيهِ وقَالَ: (( عَلامَ يَقتُلُ أَحدُكُم أَخَاهُ؟! ) )ثم قال له: (( اغتَسِلْ لَهُ ) )، فَغَسَلَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ وَمِرفَقَيهِ وَرُكبَتَيهِ وَأَطرَافَ رِجلَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ في قَدَحٍ، ثم صُبَّ ذلك الماءُ عَلَيهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ على رَأسِهِ وَظَهرِهِ مِن خَلفِهِ، ثم يُكفِئُ القَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفُعِلَ بِهِ ذلك، فَرَاحَ سَهلٌ مَعَ النَّاسِ لَيسَ بِهِ بَأسٌ.

الوقفةُ الأُولى: في هذا الحديثِ إِثبَاتُ مَا يُنكِرُهُ بَعضُ الأَطِبَّاءُ، وَخَاصَّةً ممَّن لا يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ أَو ضَعُفَ عِندَهُم التَّصدِيقُ بِهِ، حَيثُ لا يُصَدِّقُونَ إِلاَّ ما يُشاهِدُونَهُ ويُحِسُّونَ بِهِ، وَمِن هُنا فلا يُقِرُّونَ لِلعَينِ بِأَثَرٍ وَلا يَعتَرِفُونَ لها بِتَأثِيرٍ، لكنَّ وَاقِعَهُم في بَعضِ الأَحيَانِ قَد يُكَذِّبُهُم، حِينَ يَقِفُونَ عِندَ بَعضَ الأَمرَاضِ حَائِرِينَ، لا يَستَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهتَدُونَ سَبِيلا، فَيُظهِرُ بَعضُهُم تَوَقُّفَهُ وَعَجزَهُ، وَيُعلِنُ قُنُوطَهُ ويَأسَهُ، وُيكَابِرُ بَعضُهُم وَيَصرِفُ لِلمَرِيضِ أَدوِيَةً قد لا تَزِيدُهُ إلا وَهنًا، وَلَو أَنَّهُ صَبَرَ وَأَمَرَ مَرِيضَهُ بِتَدَبُّرِ حَالِهِ وَالذَّهَابِ لأَهلِ الخِبرَةِ وَالتَّجرِبَةِ لكان خَيرًا له ولِمَرِيضِهِ الذي قد يَكُونُ مُصابًا بِالعَينِ وهو لا يَشعُرُ، فَيَكُونُ عِلاجُهُ عِندَ الرُّقَاةِ لا عِندَ الأَطِبَّاءِ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( العَينُ حَقٌّ ) ).

الوقفةُ الثانيةُ: في الحديثِ بَيَانُ قُوَّةِ تَأثِيرِ العَينِ وَبَالِغِ ضَرَرِها، حَيثُ تجعَلُ السَّلِيمَ سَقِيمًا وَالصَّحِيحَ مَرِيضًا، وَتُحِيلُ القَوِيَّ ضَعِيفًا وَالشَّدِيد وَاهِنًا في لحَظَاتٍ، وَيُبتَلَى المُعَافى بها دُونَ أَسبَابٍ مَعرُوفَةٍ ولا مُقَدِّمَاتٍ طَبِيعِيَّةٍ، وهذا ما حَدَثَ لِسَهلٍ حِينَ عَانَهُ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ رضي اللهُ عنهما، فَمَا كَادَ عامِرُ يُكمِلُ جملةَ كلامِهِ حتى وَقَعَ سَهلٌ صَرِيعًا طَرِيحًا، ما يَرفَعُ رَأسَهُ وَمَا يُفيقُ، بَل إِنها قَد تَبلُغُ في خَطَرِها إلى أَن تَصرَعَ وَتَقتُلَ وَتُورِدَ الرَّجُلَ حِيَاضَ المَنِيَّةِ بِإِذنِ اللهِ، قال: (( العَينُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبرَ، وَتُدْخِلُ الجَمَلَ القِدرَ ) ).

وَتَأَمَّلُوا هذا الحديثَ الصَّحِيحَ؛ لِتَعلَمُوا كَم هي خَطِيرَةٌ تِلكُمُ العَينُ وَذَلكُمُ الحَسَدُ، بَلْ لِتَعلَمُوا أنَّهَا السَّبَبُ الغَالِبُ لِكَثِيرٍ مِن أَمرَاضِ النَّاسِ دُونَ استِثنَاءٍ، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَكثَرُ مَن يموتُ مِن أُمَّتي بَعدَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ بِالعَينِ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( إِنَّ العَينَ لَتُولَعُ بِالرَّجُلِ بِإِذنِ اللهِ تعالى حتى يَصعَدَ حَالِقًا ثم يَتَرَدَّى منه ) ).

وَلِقُوَّةِ هذا التَّأثِيرِ وَعِظَمِ ذَلِكُمُ الأَثَرِ أَمَرَ عليه الصلاةُ والسلامُ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ العَينِ فقال: (( استَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ العَينِ، فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ ) ). ولكنَّ أَمرَ العَينِ ـ أيها المسلمون ـ مَعَ عِظَمِهِ وَقُوَّةِ خَطَرِهِ وَشِدَّةِ تَأثِيرِهِ لا يَتَجَاوَزُ القَدَر بحالٍ مِنَ الأَحوَالِ وَلا يَسبِقُهُ، بَل كَمَا قال سُبحَانَهُ: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ في الأَرْضِ وَلا في أَنفُسِكُمْ إِلا في كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ، وقال عليه الصلاة والسلامُ: (( العَينُ حَقٌّ، ولو كان شَيءٌ سَابِقَ القَدَرِ سَبَقَتْهُ العَينُ ) ). وَإِذَا كان الأمرُ كذلك فَإِنَّ على المَرءِ أَن لاَّ يَكونَ رِعدِيدًا هَيَّابًا مُتَوَجِّسًا، وَأَن لاَّ تَصِلَ بِهِ الحَالُ إلى حَدِّ الوسواسِ أَو كُرهِ النَّاسِ أَوِ اتهامِهِم مَعَ كُلِّ نَكبَةٍ تَحُلُّ بِهِ أَو مُصِيبَةٍ يَقَعُ فِيهَا دُونَ دَلِيلٍ أَو بُرهَانٍ، بَل عَلَيهِ بَذلُ الأَسبَابِ وَالاجتِهَادُ في التَّحَصُّنِ، وَمِن ثَمَّ التَّوَكُّلُ على اللهِ وَتَفوِيضُ الأَمرِ إِلَيهِ، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

الوَقفةُ الثالثةُ: في الحدِيثِ مَا يَدُلُّ على أَنَّ في طِبَاعِ البَشَرِ الإِعجَابَ بِالشَّيءِ الحَسَنِ وَالحَسَدَ عَلَيهِ، وهذا لا يملِكُهُ المَرءُ مِن نَفسِهِ، وَقَد لا يَقوَى عَلَى دَفعِهِ وَلا رَدِّهِ، وَلِذَلِكَ لم يُعَاتِبْ عليه الصلاة والسلامُ عَامِرًا على ذلك، وإنما عَاتَبَهُ على تَركِ التَّبرِيكِ الذي كان في وُسعِهِ وَطَاقتِهِ، وَيَقدِرُ عَلَيهِ بِيُسرٍ وَسُهُولَةٍ. وَمِن هُنَا ـ أيها المسلمون ـ فَلْيَعلَمِ المُسلِمُ أَنَّ نَفسَهُ قَد تَتُوقُ إِلى شَيءٍ وَيُعجَبُ بِهِ، فََيَقَعُ مِنهُ الحَسَدُ وَالنَّظرَةُ، فَيَضُرُّ مُسلِمًا في نَفسِهِ أَو في مَالِهِ، بَلْ قَد يَضُرُّ نَفسَهُ أَو وَلدَهُ وَهُوَ لا يَعلَمُ، فَكَانَ مِنَ الوَاجِبِ عَلَيهِ أَن يجعَلَ ذِكرَ اللهِ على لِسَانِهِ دَائِمًا وَأَبَدًا؛ لِئَلاَّ يحصُلَ مِنهُ أَذًى لمسلمٍ فَيَخسَرَ وَهُوَ يَشعُرُ أَو لا يَشعُرُ، قال سُبحَانَهُ: وَلَولا إِذْ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ ، وقال عليه الصلاة والسلامُ: (( إِذَا رَأَى أَحدُكُم مِن نَفسِهِ أَو مَالِهِ أَو مِن أَخِيهِ مَا يُعجِبُهُ فَلْيَدعُ لَهُ بِالبَرَكَةِ؛ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ ) )، وفي حَدِيثِ عَامِرٍ المُتَقَدِّمِ قال له عليه الصلاة والسلامُ: (( هَلاَّ إِذَا رَأَيتَ مَا يُعجِبُكَ بَرَّكْتَ! ) ), وفي هذا دَلِيلٌ على أَنَّ المَرءَ إِذَا بَرَّكَ لم تَضُرَّ العَينُ مِنهُ بِأَمرِ اللهِ. وفي الجانِبِ الآخَرِ ـ أَيُّها الإِخوةُ ـ فَإِنَّ مِنَ المَشرُوعِ أَن يَستُرَ الناسُ مَا يخافُونَ عَلَيهِ العَينَ وَيخشَون أَن يحسُدَهُمُ الآخرونَ بِسَبَبِهِ، فَقَد قال تعالى حِكَايَةً عَن يَعقُوبَ عَلَيهِ السلامُ أَنَّهُ قال لمَّا أَرسَلَ أَبنَاءَهُ لِمِصْرَ: يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الحُكمُ إِلاَّ للهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ. وَقَد ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ كان خَشيَةً مِنهُ أَن تُصِيبَهُمُ العَينُ؛ لأنهم كانوا ذَوِي جَمَالٍ وَهَيئَةٍ حَسَنَةٍ وَمَنظَرٍ وَبَهَاءٍ. وَذَكَرَ البَغَوِيُّ في كِتابِ شَرحِ السُّنَّةِ أَنَّ عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عنه رَأَى صَبِيًّا مَلِيحًا فَقَالَ: (دَسِّمُوا نُونَتَهُ لِئَلا تُصِيبَهُ العَينُ) ، وَمَعنى (دَسِّمًوا نُونَتَهُ) أَيْ: سَوِّدُوا نُونَتَهُ، وَالنُّونَةُ هِيَ النُّقرَةُ التي تَكُونُ في ذَقَنِ الصَّبي الصَّغِيرِ.

الوقفةُ الرابعةُ: مَشرُوعِيَّةُ الإِنكارِ على مَن يَقَعُ في هذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ وَالخَصلَةِ القَبِيحَةِ، فيُوَجِّهُ سِهَامَ عَينَيهِ للآخَرِينَ ويَشتَغِلُ بِوَصفِهِم، فَقَد تَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلامُ وَغَضِبَ مِن عَامِرٍ حِينَ عَانَ سَهلًا رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ ممَّا يَدُلُّ على أَنَّ مِنَ المَشرُوعِ أَن يَتَنَاهَى النَّاسُ عَن أَن يُلحِقَ بَعضُهُمُ الضَّرَرَ بِبَعضٍ، وَأَن يُذَكَّرُوا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِحُرمَةِ أَذِيَّةِ المُسلِمِ أَو إِيقَاعِ الضَّرَرِ بِهِ، وَعِظَمِ إِثمِ مَن آذى المُؤمنينَ بِغَيرِ وَجهِ حَقٍّ، وَأَنَّهُ لا يُؤمِنُ عَبدٌ حتى يُحِبَّ لهم مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ، قال سُبحانَهُ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُّبِينًا ، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ) )، وقال: (( وَالذي نَفسِي بِيَدِهِ، لا يُؤمِنُ عَبدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ ) ).

الوقفةُ الخامسةُ: في وُقُوعِ العَينِ مِن عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ الذين هُم أَكمَلُ النَّاسِ إِيمانًا وَأَطهَرُهُم قُلُوبًا وَأَطيَبُهُم نُفُوسًا دَلِيلٌ على أَنَّ العَينَ تَكُونُ مَعَ الإِعجَابِ وَلَو بِغَيرِ حَسَدٍ، وَأنها تَقَعُ وَلَو مِنَ الرَّجُلِ المُحِبِّ أَو مِنَ الرَّجُلِ الصَّالحِ، ممَّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّهَاوَنِ مِن أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِأَمرِها، مُدَّعِيًا أَنَّهُ يمزَحُ بها، أَو أَنَّ قَلبَهُ طَيِّبٌ طَاهِرٌ، أَو أَنَّهُ لا يَقصِدُ إِيقَاعَ الضَّرَرِ بِغَيرِهِ، بَلْ إِنَّ التَّرَفُّعَ عَن ذَلِكَ خُلُقٌ نَبِيلٌ، وَتَركَهُ زَكَاءُ دِينٍ وَرَجَاحَةُ عَقلٍ، وَفِيهِ الحِرصُ على حِفظِ العِرضِ وَتَألِيفِ القُلُوبِ، وَهُما مَطلَبانِ جَلِيلانِ مِن مَطَالِبِ الشَّرِيعَةِ، وَمَقصِدَانِ عَظِيمَانِ مِن مَقَاصِدِها، فَإِنَّهُ قَد جَرَتِ العَادَةُ أَن يَتَحَدَّثَ النَّاسُ في عِرضِ مَن دَيدَنُهُ إِلقَاءُ عَينِهِ عَلَيهِم، وَقَد يحدُثُ مِنَ الشَّحنَاءِ والبَغضَاءِ بَينَ النَّاسِ مِن ذَلِكَ مَا هُم عَنهُ في أَتمِّ الغِنى لَو حَفِظَ كُلُّ وَاحِدٍ لِسَانَهُ وَأَكثَرَ مِن ذِكرِ رَبِّهِ.

الوقفةُ السادسةُ: كَيفَ تُتَّقَى العَينُ قَبلَ وُقُوعِهَا؟ وَبِمَ تُعَالَجُ إِذَا وَقَعَتْ؟ أَمَّا قَبلَ وُقُوعِها فَإِنَّ خَيرَ ما تُتَّقَى بِهِ وَيُستَدفَعُ بِهِ شَرُّها الاستِعَاذَةُ بِاللهِ مِنها وَالمُحَافَظَةُ على الأَورَادِ وَاستِدَامَةُ تِلاوَةِ أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَقِرَاءَةُ آيَةِ الكُرسِيِّ عِندَ النَّومِ، ففي حديثِ أبي هُريرةَ رضي اللهُ عنه مَعَ الشَّيطَانِ الذي جاءَه وهو يحرُسُ تمرَ الصَّدَقَةِ في صُورَةِ إِنسانٍ ثَلاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، ثم عَلَّمَهُ في اللَّيلَةِ الثَّالِثَةِ ما يحفَظُ بِهِ نَفسَهُ وَيَتَّقِي بِهِ شَرَّ الشَّيَاطِينِ وَغَيرِها، قال: إِذَا أَوَيتَ إِلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرسِيِّ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ حتى تختمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَن يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلا يَقَرَبُكَ شَيطَانٌ حتى تُصبِحَ، قال عليه الصلاة والسلامُ: (( صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ) ). وممَّا يحفَظُ بِهِ الإِنسَانُ نَفسَهُ ما وَرَدَ في الحدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلامُ قال: (( مَن قَرَأَ الآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيلَةٍ كَفَتَاهُ ) )، وقال عليه الصلاة والسلامُ: (( مَا مِن عَبدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَومٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيلَةٍ: بِاسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسمِهِ شَيءٌ في الأَرضِ ولا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لم يَضُرَّهُ شَيءٌ ) )، وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ خُبَيبٍ رضي اللهُ عنه أنه قال: خَرَجْنَا في لَيلَةِ مَطَرٍ وَظُلمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطلُبُ رَسُولَ اللهِ لِيُصَلِّيَ بِنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ: (( قُلْ ) )، فَلَم أَقُلْ شَيئًا، ثم قال: (( قُلْ ) )، فَلَم أَقُلْ شَيئًا، ثم قال: (( قُلْ ) )، قُلتُ: يَا رَسولَ اللهِ، ما أَقُولُ؟ قال: (( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَينِ حِينَ تُصبِحُ وَحِينَ تُمسِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ تَكفِيكَ مِن كُلِّ شَيءٍ ) ).

وَكَمَا يُحَصِّنُ المَرءُ نَفسَهُ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لهُ أَن يُحَصِّنَ أَبنَاءَهُ ويُعَوِّذَهُم، وَخَيرُ ذلك ما رَوَاهُ البُخَارِيُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما قال: كان النبيُّ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَينَ وَيَقُولُ: (( إنَّ أباكما كان يُعَوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِن كُلِّ عَينٍ لامَّةٍ ) ). وَممَّا تُتَّقَى بِهِ العَينُ قَبلَ وُقُوعِها وَهُوَ مِن قَبِيلِ العَائِنِ مَا أَشرْنا إِلَيهِ سَابِقًا مِنَ التَّبرِيكِ وَقَولِ: مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ.

وَأَمَّا إِذَا أَصَابَتِ العَينُ وَوَقَعَتْ فَإِنَّ مِن عِلاجِها إِذَا عُرِفَ العَائِنُ أَن يُؤمَرَ بِالاغتِسَالِ لِلمَعِينِ وَيُصَبَّ عَلَيهِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ عَامِرًا أَن يَغتَسِلَ لِسَهلٍ، وَكَمَا صَحَّ عنه أَنَّهُ كان يَأْمُرُ العَائِنَ فَيَتَوَضَّأُ ثم يَغتَسِلُ مِنهُ المَعِينُ. وَمِن عِلاجِ العَينِ بَعدَ وُقُوعِها الرُّقيَةُ الشَّرعِيَّةُ بِالآيَاتِ القُرآنِيَّةِ وَالأَدعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها أَنَّهُ كان يَأْمُرُ أَن نَستَرقِيَ مِنَ العَينِ، وفي المُسنَدِ عَن عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قالت: دَخَلَ النبيُّ فَسَمِعَ صَوتَ صَبيٍّ يَبكِي فقال: (( مَا لِصَبِيِّكم هذا يَبكِي؟ فَهَلاَّ استَرقَيتُم لَهُ مِنَ العَينِ؟ ) )، وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللهُ عنها أنَّ النبيَّ رَأَى في بَيتِها جَارِيَةً في وَجهِها سَفعَةٌ فقال: (( استَرقُوا لها؛ فَإِنَّ بها النَّظرَةَ ) )، وَعَن أَنَسٍ رضي اللهُ عنه قال: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ في الرُّقيَةِ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ وَالنَّملَةِ، وَعَن أَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ وَلَدَ جَعفَرٍ تُسرِعُ إِلَيهِمُ العَينُ، أَفَأَستَرقِي لهم؟ قال: (( نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ شَيءٌ سَابِقَ القَدَرِ لَسَبَقتَهُ العَينُ ) ). وَمِن الرُّقَى الوَارِدَةِ رُقيَةُ جِبرِيلَ عليه السلامُ لِلنَّبيِّ التي رواها مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ، حَيثُ كان يَرقِيهِ بِقَولِهِ: بِاسمِ اللهِ أَرقِيكَ، مِن كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفسٍ أَو عَينِ حَاسِدٍ اللهُ يَشفِيكَ، بِاسمِ اللهِ أَرقِيكَ. وَمِنَ الرُّقى الواردةِ ما صَحَّ عنه في رُقيةِ المَعِينِ: (( اللهُمَّ أَذهِبْ عَنهُ حَرَّهَا وَبَرْدَها وَوَصَبَهَا ) ).

اللهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ أَن تَشفِيَ مَرضَانَا، وَأَن تَكفِيَنَا شَرَّ النَّفَاثَاتِ في العُقَدِ وَشَرَّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ.

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَتُوبُوا إِلَيهِ، وَفَوِّضُوا أُمُورَكُم إِلَيهِ وَاعتَمِدُوا عَلَيهِ، وَالجَؤُوا إِلَيهِ وَلُوذُوا بِجَنَابِهِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ وَاعتَصِمُوا بِهِ، وَمَن يَعتَصِم بِاللهِ فَقَد هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ.

أيُّها المسلمون، إِنَّهُ وَإِنْ كَانَتِ الإِصَابَةُ بِالعَينِ مُصِيبَةً قَد تَحُلُّ بِالإِنسانِ فَتُنَغِّصُ عَلَيهِ حَيَاتَهُ وَمُشكِلَةً قَد لا يَجِدُ لها عِندَ الأَطِبَّاءِ حَلاًّ وَلا عِلاجًا وَقَد يُبتَلَى فَيَستَرقِي وَلا يُشفَى، إِلاَّ أَنَّ كُلَّ هَذَا بِتَقدِيرِ اللهِ وَلِحِكمَةٍ يَعلَمُها، وشِدَّتُهُ لا تُبَرِّرُ لَهُ أَن يَتَجَاوَزَ المَشرُوعَ مِنَ العِلاجِ أَو يَلجَأَ إِلى الكُهَّانِ أَوِ المُشَعوِذِينَ أَوِ العَرَّافِينَ الذين قَد يَدَّعُونَ العِلمَ بِالعَائِنِ أَو يَصِفُونَ لِلمَعِينِ شَيئًا مِنَ التَّمَائِمِ وَالحُرُوزِ، فَيُوقِعُونَهُ في مُصِيبَةٍ أَعظَمَ مِن مُصِيبَتِهِ أَلا وَهِيَ الشِّركُ بِاللهِ الذي هُوَ أَعظَمُ ذَنبٍ عُصِيَ بِهِ اللهِ، فَعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ الأَشجَعِيِّ رضي اللهُ عنه قال: كُنَّا نَرقِي في الجَاهِلِيَّةِ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ تَرَى في ذَلِكَ؟ فَقَالَ: (( اِعرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لم يَكُنْ فِيهِ شِركٌ ) )، وقال عليه الصلاة والسلامُ: (( مَن عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَد أَشرَكَ ) )، وَقَالَ عليه الصلاة والسلامُ: (( مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ لم تُقبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَربَعِينَ يَومًا ) )، وقال عليه الصلاة والسلامُ: (( مَن أَتَى عَرَّافًا أَو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بما يَقُولُ فَقَد كَفَرَ بما أُنزِلَ على محمدٍ ) ).

فاتقوا اللهَ تعالى وَكُونُوا مَعَهُ يَكُنْ مَعَكُم، وَأَلِحُّوا عَلَيهِ بِالدُّعَاءِ وَلا تَستَبطِئُوا الإِجَابَةَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، يُجِيبُ دَعوَةَ مَن دَعَاهُ مُخلِصًا مُوقِنًا، ويُجِيبُ المُضطَرَّ وَيَكشِفُ السُّوءَ، قال سبحانه: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا ، وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لي وَلْيُؤمِنُوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ ، وقال جل وعلا: أَمَّن يُجِيبُ المُضطَّرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفَاء الأَرضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ، وقال تعالى: فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت