فهرس الكتاب

الصفحة 5478 من 5777

علامات الساعة(1)

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أشراط الساعة, الفتن

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-اقتراب الساعة. 2- موعد الساعة غيب استأثر الله بعلمه. 3- علامات الساعة الصغرى والوسطى والكبرى. 4- ذكر بعض أشراط الساعة التي تحققت. 5- من علامات الساعة ظهور الفتن.

أما بعد: فإن الدنيا لم تخلق للبقاء ولم تكن دار إقامة، وإنما هي منزل من منازل الآخرة، جعلت للتزود منها إلى الآخرة والتهيؤ للعرض على الله، وقد آذنت بالانصرام وولّت، وكان حقًا عل كل عالم وطالب علم أن يشيع أشراطها وعلاماتها ويبثّ الأخبار الواردة فيها بين الناس مرة بعد أخرى لعلّ العباد ينتهون عن الذنوب وتلين منهم القلوب ويفيقون من غفلتهم ويغتنمون المهلة التي أعطاهم الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا.

قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 1] ، وقال عز وجل: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] ، وقال سبحانه وتعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [الشورى: 17، 18] ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد: 18] ، وفي آية أخرى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الزخرف: 66] .

وقد جعل الله عز وجل للساعة علامات تدلّ على قربها وانتهاء هذه الحياة الدنيا، ولا أحد يعلم متى تقوم القيامة إلا الله وحده لا شريك له جل جلاله وتعالى سلطانه، وهي من الغيب الذي استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا حتى الرسول محمدًا ، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] ، كما قال عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 187] ، وقال عز وجل: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: 59] ، وقال رسول الله: (( مفاتيح الغيب خمس ) )ثم قرأ الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] . فالرسول لا يعلم الغيب، وقد جاء ذلك في التعقيب الإلهي الجميل في الآية الثانية مباشرة بعد التي ذكرت سابقًا في سورة الأعراف وفي آيات أخرى، وما أجمل التعقيب الذي يدل على بشريته وعدم علمه الغيب وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولو كان بيده علم الغيب لاستكثر من الخير كما جاء في قول الله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188] .

ولكن الله جل ثناؤه أخبر رسولنا محمدًا بعلامات تدل على قرب وقوعها، والرسول أخبر أصحابه بهذه العلامات وذكّرهم بالقيامة وقربها، ولقد كان يحدّثهم عن العلامات الكبرى ومنها الدجال حتى ظنّ الصحابة أنه في طائفة النخل أي: طرف المدينة النبوية. ولقد آمن الصحابة رضي الله عنهم وصدّقوا بكل ما أخبرهم عنه عليه الصلاة والسلام إيمانًا منهم وتصديقًا بالغيب، وهذه هي قمة الإيمان حيث يخبرهم عن الغيبيات وهم أشد إيمانًا وثباتًا وعقيدة خالصة لله رب العالمين.

ونحن اليوم نرى صدق ما أخبر به رسولنا محمد عيانًا بيانًا أمام أعيننا، يحدث ذلك تصديقًا لما أخبر به الرسول كما قال عز وجل عنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3، 4] ، ولم تتحرك وتخشع منا القلوب! ولم تذرف منا الأعين وتدمع! ولم ننته عن الغيّ واقتراف الآثام! فنشكو حالنا إلى الله تعالى وإنا لله وإنا إليه راجعون وهو حسبنا ونعم الوكيل. ونعيش مع أحاديث رسولنا محمد أوردها كما هي مع توضيح بعض المفردات والألفاظ أو ما احتاج إلى بيان حسب الطاقة والإمكان وتوفيق الله عز وجل.

وعلينا أن نعلم ابتداءً أن علامات الساعة تنقسم إلى قسمين: علامات صغرى وعلامات كبرى، وقيل بأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الصغرى والوسطى والكبرى، فأما الصغرى فقد انتهت حيث كانت من بعثة الرسول وزمن الصحابة، أما الوسطى فهي التي نعيشها الآن وكانت فيمن قبلنا وستكون إلى قرب القيامة حيث تكون العلامات الكبرى التي منها الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك من العلامات العظام التي تؤذن بانقضاء الدنيا.

ومما ينبغي أن نعلمه جميعًا أنه إذا ذُكر شيءٌ من أشراط الساعة وعلاماتها فليس القصد من وقوع تلك العلامة أنها محرمة، فقد يكون ذلك الشيء محرمًا أو مذمومًا، وقد يكون مباحًا لا شيء فيه مثل التطاول في البنيان وكثرة المال وكون خمسين امرأة لهنّ قيّم واحد يقوم على خدمتهن، بل قد يكون الشيء مأمورًا به ومندوبًا إلى فعله مثل تعلم القرآن والاهتمام به وكثرة القرّاء وفشوّ العلم والقلم أي: الكتابة والقراءة وسهولة التعلم والتعليم لانتشار الوسائل الحديثة وسهولة استخدامها وتوفرها بيت أيدي الناس، فالذي أقصده أن الرسول أخبر بها قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وها هي تقع كما أخبر بها، ومن هنا تتحقق زيادة الإيمان والتصديق لكي نستكثر من العمل الصالح والدعوة إلى الله والتقرب إليه سبحانه بما يحب ويرضى والبعد عما يسخطه عز وجل.

كما أنه لا يُشترط أن تكون تلك العلامة في كل بقاع الأرض، بل قد تكون في بلد علامة أو علامات، وفي بلد آخر نفسها أو تزيد، وفي آخر كلّ العلامات إلا قليلًا، وإنما تكون تلك العلامات في الأرض بمجموعها.

ومنذ بعثته عليه الصلاة والسلام والعلامات تتوالى، وقد أخبر رسول الله بأن أول أشراط الساعة بعثته عليه الصلاة والسلام، وهو آخر نبي إلى أن تقوم الساعة وليس بعده نبي، وكما تلي السبابة الوسطى وليس بينهما أخرى كناية عن قربهما في الموقع، وكذلك في فرق الطول ما بين الأصبعين فهذا تقريب للأذهان وإخبار حقيقي عن قرب وقوع الساعة وقيامها، ووجه الشبه في المثالين معلوم للجميع، وفيه دلالة واضحة على أن عُمْر الدنيا قد ذهب منه الكثير ولم يَبْقَ إلا القليل، ويفسر ذلك ويوضحه الآيات والأحاديث، وأشدها وضوحًا وفهمًا لعامة الناس فضلًا عن طلبة العلم منهم والعلماء عندما دنت الشمس من الغروب وقال رسول الله لأصحابه: (( لم يبق من الدنيا إلا كهذه ) ). فإذا كنا في القرن الخامس عشر الهجري ولا زالت العلامات الصغرى لم تكتمل فكم قد ذهب من السنين؟! وكم بقي؟! فالله أعلم بذلك، قال رسول الله: (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) )ويشير بأصبعيه فيمدهما. وكون نبينا آخر نبي وخاتم الرسل وليس بينه وبين القيامة نبي جاء في قول الله عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40] .

ومن أشراط الساعة موت النبي وفتح بيت المقدس وطاعون عمواس واستفاضة المال والاستغناء عن الصدقة وظهور الفتن من فارس والمشرق، قال عوف بن مالك رضي الله عنه: أتيت النبي في غزوة تبوك وهو في قبة أدم، فقال: (( اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا ) ). قُعاص: بالضم ويقال عقاص: داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة.

وقد حصل ما أخبر به الرسول بعد موته حيث فُتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك طاعون عمواس الذي حصل في الشام ومات فيه خلق كثير بلغ عدد من مات فيه من المسلمين خمسة وعشرين ألفًا في سنة ثمان عشرة من الهجرة النبوية. وأما عن استفاضة المال سواء بعد موت الرسول بزمن قليل أو في آخر الزمان فقد ورد عدة أحاديث بذلك، وقد وقع منها ما كان في زمن الخلافة الراشدة، وسوف يقع ما يكون في زمن المهدي وعيسى ابن مريم عليه السلام. وقد فاض المال في زمن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمه الله بعد قسمة أموال الفرس، وفاض المال حتى كان يعرض الرجلُ المالَ من الصدقة فلا يجد من يقبله. وسيكثر في آخر الزمان حتى يعرض الرجل زكاة ماله فيقول الذي تُعرض عليه: لا حاجة لي بها، قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يَهِمَّ ربّ المال من يقبل منه صدقته، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه ) )متفق عليه، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يَلُذْنَ به ) )رواه مسلم، وفي رواية للبخاري رحمه الله: (( من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القَيِّم الواحد ) )، وفي آخر رواية الإمام مسلم رحمه الله: (( ويذهب الرجال وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قَيِّم واحد ) ). والخمسون امرأة ما بين أم وأخوات وبنات وزوجات وعمات وغيرهن حيث يقوم على إعالتهن الرجل الواحد لقلة الرجال وموتهم في الحروب وغيرها من الفتن الأخرى المشاهدة في هذا العصر، كما حصل في البوسنة والهرسك والشيشان وفلسطين وكشمير وغيرها من الدول التي يراها الناس الآن ويسمعون عنها الشيء الكثير وما سوف يأتي في الزمن القادم عندما تكثر الحروب وتشتد الفتن ويكثر الهرج ـ أي: القتل ـ وعندما يتكالب أعداء الإسلام على المسلمين. ويكون أيضًا بأس المسلمين بينهم في آخر الزمان مع أن رسولنا محمدًا أخبرنا بأن الله تعالى سيعطي هذه الأمة ويفتح عليها من كنوز كسرى وقيصر ويبلغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها وسيأخذ سراقة بن مالك تاج كسرى كما وعده الرسول عند هجرته عليه الصلاة والسلام لما لحق بالرسول وأبي بكر وهما مهاجران من مكة إلى المدينة وعندما ساخت قدما فرسه في الأرض، وقال للرسول: ادع الله لكي تخرج قدما الفرس من الأرض ولا أخبر عنكما وأكفيكما العيون القادمين من هذه الجهة، فدعا الرسول له ووعده بتاج كسرى، ووقع ما أخبر به رسول الله ، وقد كان ذلك في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الله زَوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعْطِيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لاّ يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لاّ أهلكهم بسنة عامة، وأن لاّ أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا ) ).

وهذا هو الحاصل الآن في هذا الزمان ويشاهده الجميع ويعرفونه من القتال بين المسمين وهذه الحروب المدمرة التي ذهب ضحيتها آلاف البشر ووصلوا الملايين في بلاد الإسلام نتيجة إشعال الفتن فيما بينهم من قبل دول الكفر حتى يستبيحوا بيضة المسلمين ويستنزفوا خيرات بلادهم وثرواتها ويشغلوهم عن إسلامهم ويصرفوهم عن طاعتهم ربهم، ولذلك لا نجد الحروب قائمة بين دول الكفر وإنما يشعلونها ويقومون بها في ديار الإسلام.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشكره على نعمه وآلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى أصحابه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فقد أخبر الرسول أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان، فيمسي ويصبح الرجل كافرًا بعد أن كان مؤمنًا، وكلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف ويظهر غيرها، ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى قيام الساعة، روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ). وروى الإمام مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: نادى منادي رسول الله: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله فقال: (( إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء الفتن فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ) ). ويكون منبع الفتن من المشرق وخروج يأجوج ومأجوج كما أخبر بذلك رسول الله من الدول الشيوعية ومن فارس والعراق وكل المشرق كما قال الصادق المصدوق ، فقد ظهر الخوارج والروافض والباطنية والقدرية والجهمية والمعتزلة والملحدون وغيرهم من الملل والنحل ظهر كل أولئك من جهة المشرق بالنسبة للمدينة النبوية.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله وهو مستقبل المشرق يقول: (( ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) )، وفي رواية مسلم رحمه الله: (( رأس الكفر من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) )يعني المشرق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا النبي: (( اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا ) )، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وفي عراقنا؟ قال: (( إن بها قرن الشيطان وتهيّج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق ) ).

وقد وقع ما أخبر به رسول الله ابتداءً بعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قُتِلَ وكُسِرَ باب الفتن وظهرت ولا تزال إلى قيام الساعة. عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف؟ قال: قلت: سمعت رسول الله يقول: (( فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) )، فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: بل يكسر، قال: ذلك أَحْرَى أن لا يُغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غدٍ الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سَلْهُ، فسأله، فقال: عمر.

ولقد كُسِرَ الباب فعلًا وقُتِلَ عمر رضي الله عنه حيث قتله أبو لؤلؤة المجوسي عليه من الله ما يستحق، وتتابعت الفتن بعده كما ورد في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرج النبي إلى حائط من حوائط المدينة فذكر الحديث بطوله عندما دخل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وكان يأذن لكل واحدٍ منهم ويبشره بالجنة مع بلاءٍ يصيبه إلا أبا بكر رضي الله عنهم أجمعين، وقد حصل البلاء لعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم كما أخبر بذلك رسول الله.

ولا يزال الحديث مستمرًا إن شاء الله في الخطب القادمة عن أشراط الساعة وعلاماتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت