سيرة وتاريخ
الشمائل
عائض القرني
غير محدد
غير محدد
1-الضحك والتبسم صورة من صور اعتداله. 2- صور تبسم فيها رسول الله أو ضحك.
3-أخذ العظة والعبرة من هذه المواضع.
أيها المؤمنون:
عنوان هذه الخطبة (( المعصوم يضحك ) )، محمد عليه الصلاة والسلام يضحك، نعيش معه هذا اليوم ضاحكًا، كما عشنا معه أيامًا وهو باكٍ متأثر خاشع لله - عز وجل-.
من الذي أضحكه ، إنه الله الواحد الأحد، وأنه هو أضحك وأبكى [النجم:43] .
وماله لا يضحك عليه الصلاة والسلام ودينه رحمة، ومنهجه سعادة، ودستوره فلاح.
لقد عشنا معه عليه الصلاة والسلام في مواطن التأثر باكيًا، تدمع عيناه وينجرح فؤاده، ونعيش معه اليوم وهو يهشّ للدعابة، ويضحك للطرفة، ويتفاعل مع أصحابه في مجريات أمورهم وأحاديثهم.
إن مدرسة التصوف تملي على منسوبيها ألا يضحكوا، يقول أحدهم: ما ضحكت منذ أربعين سنة. لكن الإمام الأعظم، والقائد الأكمل يضحك في مواطن من حياته.
وضحكه ، له مقاصد، ضحك نافع، يربى بالبسمة، ويدرّس بالضحك، ويعلم بالمزحة. فتعالوا نستمع إلى أحاديثه عليه الصلاة والسلام وهو يضحك:
ضحكت لك الأيام يا علم الهدى واستبشرت بقدومك الأعوام
وتوقف التاريخ عندك مذعنًا تملي عليه وصحبك الأقلام
أضحك لأنك جئت بشرى للورى في راحتيك السلم والإسلام
أضحك فبعثتك الصعود وفجرها ميلاد جيلٍ ما عليه ظلام
روى أحمد في المسند بسند صحيح، والبيهقي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام، ركب حمارًا له يدعى يعفور، رسنُه من ليف، ثم قال: (( اركب يا معاذ ) )، فقلت: سر يا رسول الله، فقال: (( اركب، فردفته ) ).
وعليكم أن تستحضروا هذه الصورة؛ من هو الراكب، إنه محمد الذي أخرج البشرية من ظلمات الشرك نالى نور التوحيد، يركب الحمار، ويردف خلفه تلميذًا نجيبًا من تلامذته.
قال معاذ: فردفته، فصرع الحمار بنا.
سقط الحمار، وسقط النبي، وسقط معاذ - فماذا فعال النبي.
قال معاذ: فقام النبي يضحك، وقمت أذكر من نفسي أسفًا. قام يضحك.. رسالته مليئة بالبسمة، والبشرى، والرحمة لكل إنسان، يفيض على محبيه بشاشة، ويقربهم من السعادة بكل صورها، يقول جرير بن عبد الله: والله ما رآني رسول الله إلا تبسم في وجهي.
قال معاذ: فقام النبي يضحك، وقمت أذكر من نفسي أسفًا فعل ذلك الثانية، والثالثة، فركب، وسار بنا الحمار، فأخلف يده، فضرب ظهري بسوط معه أو عصا ثم قال: (( يا معاذ، هل تدري ما حق الله على العباد؟ ) )فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد؛ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، قال: ثم سار ما شاء الله، ثم أخلف يده، فضرب ظهري، فقال: (( يا معاذ، يا ابن أم معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ) )قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( فإن حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؛ أن يدخلهم الجنة ) ) [1] .
أيها الناس:
إن هذا الإنسان، الذي حرّم على نفسه وأطفاله وأهله البسمة والضحكة، معتذرًا بمشاغل الحياة وآلام الدهر، نقول له: إن من كان يحمل هموم البشرية كلها، ويحمل رسالة أبت السماوات والأرض والجبال حملها، محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كان يضحك.
تمر بك الأبطال كلْمى هزيمة ووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة كما نثرت فوق العروس الدراهم
ويضحك مرة أخرى؛ روى الترمذي، وأبو داود، بأسانيد صحيحة، عن علي بن ربيعة قال: شهدت عليًا، وأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: (( بسم الله ) )، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون [الزخرف:13-14] . ثم قال: الحمد ثلاث مرات، ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي فعل كما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله، من أي شيء ضحكت؟ قال: (( إن ربك يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلمُ أنه لا يغفر الذنوب غيري ) ) [2] .
فالرسول يضحك لأن هذه الأمة تعرف ربها، وتتوجه إليه بالدعاء ليغفر ذنوبها، فيضحك النبي رحمةً لهذه الأمة، وفرحًا لأن الله - عز وجل - يغفر الذنوب لكل من استغفر وتاب.
ويضحك، أيضًا كما في صحيح مسلم، فقد روى أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آخر أهل الجنة دخولًا الجنة رجل مقبل بوجهه إلى النار [3] فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها [4] وأحرقني ذكاؤها [5] فيدعوا الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره، فيقول لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، فيصرف الله وجه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك، لا تسألني غير الذي أعطيتك، ويلك: ابن آدم ما أغدرك!.
فيقول: أي رب، ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت أن أعطيك ذلك أن تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك، يعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة، انفهقت [6] له الجنة، فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: أي رب، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو الله، حتى يضحك الله تبارك وتعالى منه فإذا ضحك الله منه، قال: أدخل الجنة، فإذا دخلها، قال الله له: تمنّه، فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكّره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه.
قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله، قوله: ذلك لك عشرة أمثاله.
قال ابن مسعود: لقد رأيت رسول الله ، ضحك حتى بدت نواجذه [7] .
أيها الناس:
هذه عقيدة ربانية ينبغي الإيمان بها، يضحك الربا تبارك وتعالى، وإذا ضحك، أذن لهذا العبد في دخول الجنة، وأعطاه مثل أعظم ملك من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله، وهذا أدنى أهل الجنة منزلة، كما قال الناظم.
أقلهم من ملكا من الدنيا مالك وعشرة أمثالها بدون شك
لكنما موطن سوط فيها خير من الدنيا وما عليها
وإنما ضحك الرسول من طمع العبد، ومن نقضه لميثاقه مع ربه، ومن رحمة أرحم الراحمين.
ويضحك الرسول أيضًا يأتيه حبر من أحبار يهود فيقول له: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمار يشركون [8] [الزمر:67] .
وإنما ضحك عليه الصلاة والسام لأمور:
منها: أن القرآن صدق ما قاله هذا الحبر من أمور القيامة.
ومنها: أن اليهود يعلمون صدق النبي وصدق ما أخبر به، ثم يكذبون على الله، ويكذبون رسوله.
ومنها: التعجب من قدرة الباري تبارك وتعالى.
ومنها: أن العبد مهما بلغت عبوديته لله تعالى، فإنه لا يستطيع أن يوفي الله - عز وجل - حقه، وغير ذلك من المعاني.
هذه وقفات، رأينا فيها رسولنا ضاحكًا، والضحك في حياته كان له مغزى وهدف، لا كضحك السفهاء الفارغين، الذين يعيشون على هامش الحياة، ولكنه ضحك المعلم الحكيم، الذي يريد الناس إلى الخير، ولو عن طريق الضحكة والبسمة.
يذهب النبي فيدخل على أم حرام بنت مِلحان [9] ، فتطعمه، فدخل عليها رسول الله ، يومًا فأطعمته، ثم جلست تغلي رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (( ناس من أمتي، عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج [10] البحر، ملوكًا على الأسِرّة، أو مثل الملوك على الأسرة ) )- يشك الراوي.
يضحك النبي من ذلك لأنه رأى البشرى، رأى تلامذته وأتباعه وكتيبته، سيركبون البحار والمحيطات؛ غزاة في سبيل الله، ينشرون لا إله إلا الله في الآفاق، ويعبرون بها حدود الزمان والمكان.
يضحك لأن الإسلام سوف ينتشر ويظهر، وينفذ إلى القفار والصحاري، ويصل إلى عباد البقر والشجر والنار والطوطم والصنم.
فقالت المرأة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك قالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله ) )، كما قال في الأولى قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (( أنت من الأولين ) ).
فركبت أم حرام بن ملحان البحر في زمن معاوية [11] ، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت [12] .
كنا جبالًا في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
في معابد الإفرنج كان أذانُنا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لئن تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
ماتت هذه المرأة الصالحة، وهي تجاهد في سبيل الله، فكانت شهيدة، ودفنت هناك في أرض غريبة.
عباد الله:
هذه مواطن نعيشها مع إمامنا ، حتى يعرف الناس، أن من صفحاته عليه الصلاة والسلام، صفحة؛ فيها الضحك، وفيها الدعابة، وفيها المزاح، ومسامرة الأهل وملاطفة الناس.
وهذه الصفحة لابد أن يعرفها الناس، وأن يتكلم عنها العلماء والدعاة حتى تعرف البشرية أن في ديننا فسحة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه أحمد في المسند (5/238) وقوله: أتدري ما حق الله على العباد.. إلخ ، متفق عليه ، أخرجه البخاري (8/164) ، ومسلم (1/58) ، حديث رقم 030).
[2] أخرجه أبو داود (3/34) ، حديث رقم (2602) ، والترمذي (5/467) ، حديث رقم (3446) وقال: حديث حسن صحيح.
[3] هذا الرجل من أهل التوحيد ، إلا أن له ذنوبًا استوجب تعذيبه ما شاء الله ، ثم يدخل الجنة.
[4] قشبني ريحها: أي أهلكني وآذاني.
[5] ذكاؤها: لهبها وشدة اشتعالها
[6] انفهقت: انفتحت واتسعت.
[7] أخرجه البخاري (8/179-181) ، ومسلم (1/163 - 167) ، حديث رقم (182) ، (1/173) ، حديث رقم (186) .
[8] أخرجه البخاري (8/202) ومسلم (4/2147-2148) حديث رقم (2786) .
[9] اتفق العلماء على أنها كانت محرمًا لرسول الله.
[10] ثبج البحر: ظهره ووسطه.
[11] قال القاضي: قال أكثر أهل السير والأخبار: إن ذلك كان في خلافة عثمان بن عفان - - وفيها ركبت أم حرام وزوجها إلى قبرص، فصرعت عن دابتها هناك ، فتوفيت ودفنت هناك ، وعلى هذا يكون قوله: في زمن معاوية ، في زمن غزوة في البحر
[12] أخرجه البخاري (7/140، 141) ، ومسلم (3/1518، 1519) ، حديث رقم (1912) .
الحمد لله حمدًا حمدًا، والشكر لله شكرًا شكرًا، والصلاة والسلام على المعلم المعصوم، والهادي الكريم، والرسول العظيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي هذا السياق، وفي هذا الباب، معنا حديث صحيح متصل، أخرجه الإمام البخاري، في باب: كيف كان عيش النبي وأصحابه، وتخليهم من الدنيا، من كتاب الرقاق، ذكر مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل.
ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي.
عرف النبي أنه يحمل سرًا من الأسرار، عرف أن له حاجة، فتهلل في وجهه متبسمًا.
تراه إذا ما جئته متهلّلًا كأنك تُعطيه الذي أنت سائله!!
فقال: يا أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، ومضى، فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانة، قال: أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: - أي أبو هريرة - وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل، ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتته صدقة، بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتت هدية، أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة، أتقوى به، ولم يكن من طاعة الله، وطاعة رسوله بدٌ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروي، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسم، فقال: أبا هرّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله، وسمى، وشرب الفضلة [1] .
فالنبي كان يتبسم، لأنه يعلم ما يدور في نفس أبي هريرة، لقد تعرض لأبي بكر وعمر، من أجل أن يشبع فما شبع، ثم تعرض للرسول فأدخله البيت، ورأى اللبن وقلّته، ثم هو يأمره بأن ينادي أهل الصفة، فتتداعى كل هذه المعاني، أمام عينيه ، فيتبسم. ولكنه يريد أن يعلم أبا هريرة، ويعلم الأمة من ورائه مبدأ الإيثار، وتفقد الآخرين، والسؤال عن المساكين، فكان ضحكه ومداعبته، سلوى للمحرومين، وتسلية للمظلومين، وتصبيرًا للمعدمين.
وإن تًفُق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعضُ دم الغزال
إن قومًا عاشوا معه، رأوا ابتسامته، وتحيته، ويسره، وسهولته، فتمنوا أن يفقدوا الآباء والأمهات والأبناء والأنفس، ولا يشاك هو بشوكة.
إن جيلًا رباه المصطفى على هذه المعالم، وهذه التعاليم، لجديرٌ بأن يفتح المعمورة، وتدين له الدنيا كلها.
وإذا قارنا بين هذه الصور المشرقة، وبين صور طغاة الأرض، فترى الواحد منهم عليه من الكبر والجبروت والظلمة، ما يجعله بغيضًا إلى النفوس، حتى أن الأجنة في البطون لتلعنهم.
ترى أحدهم ودماء الأجيال تتقاطر من يديه، لا يتكلم معه أحد إلا رمزًا، الجماجم تتناثر عنه يمينه وشماله، البشر عنده في مسلخ العبيد، يتعامل مع الأجيال، كما يتعامل مع البهائم، قوائم من طغاة البشر، يقتلون ويذبحون على مر التاريخ.
لقد رأينا ورأيتم كثيرًا من هؤلاء الطغاة الفجرة، وقد قيل عنهم: إنه ما رؤى أحدهم متبسمًا أبدًا، فهؤلاء نحاكمهم إلى المعصوم، ، وهو يضحك، ونأتي بهم ونوقفهم أمام التاريخ، تاريخ محمد ، ونسألهم أن يتقوا الله - عز وجل - في أنفسهم، وفي رعاياهم، فمحمد يضحك.
أيها الناس:
صلوا وسلموا رحمكم الله على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه حيث قال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
[1] أخرجه البخاري (7/179 ، 180) .