فهرس الكتاب

الصفحة 2429 من 5777

سلاح الدعاء

الرقاق والأخلاق والآداب

الدعاء والذكر

عبد الله العلوي الشريفي

فاس

الجامع المحمدي

1-اختصاص المسلمين بسلاح الدعاء. 2- لجوء الأنبياء إلى الدعاء واستغاثتهم بالله. 3- وعد الله بإجابة الدعاء.

أما بعد: فيا إخوة الإيمان، في زمان الحضارة والتقدم، في كل يوم يسمع العالم باختراع جديد، أو اكتشاف فريد في عالم الأسلحة، على تراب الأرض، أو في فضاء السماء الرحب، أو وسط أمواج البحر، وإن السلاح هو عتاد الأمم الذي تقاتل به أعداءها، فمقياس القوة والضعف في عُرف العالم اليوم، بما تملك تلك الأمة أو الدولة من أسلحة أو عتاد.

ولكن ثمة سلاحًا لا تصنعه مصانع الغرب أو الشرق، إنه أقوى من كل سلاح مهما بلغت قوته ودقته، والعجيب في هذا السلاح أنه عزيز، لا يملكه إلا صنف واحد من الناس، لا يملكه إلا أنتم، نعم، أنتم أيها المؤمنون الموحدون، إنه سلاح رباني، سلاح الأنبياء والأتقياء على مرِّ العصور، ذلكم السلاح هو الدعاء...

الدعاء استعانة من عاجز ضعيف بقوي قادر، واستغاثة من ملهوف برب قادر، وتوجه ورجاءٌ إلى مصرِّفِ الكون ومدبِّر الأمر، لِيُزيلَ عِلَّة، أو يَرْفَعَ مِحْنَة، أو يَكْشِفَ كُرْبَة، أو يُحَقِّقَ رجاءً أو رَغْبَة...

المؤمن حين يستنفذ الأسبابَ في عمل مشروع، ويستعصي عليه الأمرُ، والأسبابُ لا تُوصِلُهُ إلى ما يسْعَى من أجْلِهِ، ينقلُ الأمر كلَّهُ منْ قدُراتِهِ هو إلى قدرة الله، ويفزَعُ إلى الله تعالى واهبِ الأسباب ويقولُ: يا رب، ويدعو... فالأسباب إذا تخلَّتْ فلن يتخلى عنه الله... فهو سبحانه يجيب دعوة المضطرين...

ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام يلجؤون إلى سلاح الدعاء إذا ضاقت بهم الأسباب...

سلاح الدعاء نجَّى الله به نُوحًا عليه السلام، فأغرق قومه بالطوفان، حين كَذَّبوهُ، واتهموه بالجنون، ومنعوه من تبليغ دعوته بمختلِفِ أنواع الإيذاءِ، دعا ربَّهُ طالبًا النُّصْرَة عَلَيْهِمْ: فَفَتَحْنَا أَبْو?بَ ?لسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ?لأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى ?لمَاء عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى? ذَاتِ أَلْو?حٍ وَدُسُرٍ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ [ القمر:10-14] .

وسلاح الدعاء نجى الله به موسى عليه السلام من الطاغية فرعونَ، عندما طغى، وتجبَّرَ وتسَلَّطَ، ورفض الهدى ودينَ الحَقِّ: فَلَمَّا تَرَاءا ?لْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـ?بُ مُوسَى? إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى أَنِ ?ضْرِب بّعَصَاكَ ?لْبَحْرَ فَ?نفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَ?لطَّوْدِ ?لْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ?لاْخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى? وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ?لاْخَرِينَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ [الشعراء:61-67] .

سلاح الدعاء نجى الله به صالحًا، وأهلك ثمودَ، وأذَلَّ عادًا، وأظهرَ هودَ عليه السلام، وأعَزَّ محمدًا في مواطنَ كثيرة...

سلاحُ الدعاءِ حارب به رسولُ الله وأصحابُه يومَ بدر حين استقبل القبلة، ومدَّ يديه داعيًا ربَّه قائلًا: (( اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِكْ هذه العصابَةَ من أهل الإسلام لا تعبد في الأرضِ ) )فما زال يهتف بربهِ حتى سقط رداؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فاستجاب له ربُّهُ وأمدَّهُ بالملائكة: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَ?سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ?لْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] .

سلاحُ الدعاءِ حارب به رسولُ الله وأصحابُه أعتى قوتين في ذلك الوقت: قوة الفرس، وقوة الروم، فانقلب الروم والفرس صاغرين مبهورين.. كيف استطاع أولئك المسلمون العزَّل، أن يتفوقوا عليهم، وهُمْ مَنْ هُمْ، في القوة والمنعة... ولا يزال ذلكم السلاح هو سيف الصالحين المخبتين مع تعاقب الأزمان وتغير الأحوال... وسَيْفُ كُلِّ من ظُلِمَ واسْتُضْعِفَ، وانقطعت به الأسباب، وأغلِقَتْ في وجهه الأبواب... ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ ) )وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) )وفي صحيحي البخاري ومسلم: (( دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) )وقال رسول الله: (( إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ) ).

فالدعاءَ الدعاءَ لهذه الأمة... وترصَّدوا ساعاتِ الإجابة، كيومِ الجمعة، ووقتِ السَّحَر، والثلُثِ الآخر من الليل، ودُبُرِ الصلواتِ المكتوباتِ، وبين الأذان والإقامةِ، وفي السجود... وألِحُّوا في الدعاء، وأيقِنوا بالإجابة، فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يقولُ: ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] .

ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:

فيا إخوة الإيمان، لقد استجاب الله سبحانه وتعالى إلى دعاء الداعين، وأكرمنا وبالغ في الإكرام، وأعطانا وزاد في العطاء، ولم يقطع الله عز وجلَّ عنا رفده، هكذا عودنا، وهذا هو ظننا به سبحانه وتعالى، فاشكروا الله عز وجَلَّ اليوم على نعمه، كما التجأتم إلى الله سبحانه وتعالى في الجمع الماضيةِ ليرفع عنا الضّر، وليرفع عنا الشدة، ولينصرنا بجند من عنده، وليمدنا بقوة من عنده، وليذيق عدونا بأسه وعذابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

لقد استجاب الله عز وجل، وحقق دعاء الداعين، وتأمين المؤَمِّنين، ولبّى حاجة عباده المضطرين، وأكرمنا الله سبحانه وتعالى ثم أغدق من إكرامه: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى? لِلْبَشَرِ [المدثر:31] .

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ رَمَى? وَلِيُبْلِىَ ?لْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ ?للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:17] .

وقال تعالى: وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ?للَّهِ فَأَتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ?لرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ?لْمُؤْمِنِينَ فَ?عْتَبِرُواْ ي?أُوْلِى ?لأَبْصَـ?رِ [الحشر:2] .

وقال عزَّ من قائل: ?لَّذِينَ طَغَوْاْ فِى ?لْبِلَـ?دِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ?لْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِ?لْمِرْصَادِ [الفجر:12-14] .

وهكذا ترون ـ أيها الإخوة المؤمنون ـ أن الله الذي نصر الأمم السابقة بالريح الصرصر العاتية، والعواصف المدمرة، وبالأوبئة والأمراض المختلفة، وبالفيضانات والأمطار الطوفانية... قادرٌ أن ينصرنا بما شاء وكيف شاء في كل زمان ومكان، ما التزمنا بتعاليم ديننا ونصرناه: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .

هذا وصلوا وسلموا على المبعوثِ رحمة للعالمين محمد سيدِ الأولين والآخِرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وارض اللهم عن آله وخلفائه وأصحابه الأطهار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا معهم برحمتك يا رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت