فهرس الكتاب

الصفحة 4591 من 5777

محاولة تفجير معمل أبقيق

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

الكبائر والمعاصي, جرائم وحوادث

جاسم المشعل

غير محددة

غير محدد

1-من صفات عباد الرحمن. 2- تحريم القتل بغير حق. 3- عظم جريمة القتل بغير حق. 4- حادث محاولة تفجير معمل أبقيق. 5- الإشادة بجهود رجال الأمن.

أما بعد: أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله، وَ?رْجُواْ ?لْيَوْمَ ?لآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ?لأرْضِ مُفْسِدِينَ [العنكبوت:36] .

عباد الله، أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على فئة من عباده، فنعتهم بعباد الرحمن, وعباد الرحمن نخبةٌ من أولياء الله تعالى، وطائفة ممن ملأ الإيمانُ قلوبهم، ووقر في أفئدتِهم، وظهر في أفعالهم وتصرفاتهم، ووصفهم بأوصاف عزيزة ونعوت غالية ونفيسةٍ، يسيرون على منهج الله تعالى، ويهتدون بِهدي رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وإن مالت بهم أنفسهم يومًا إلى المخالفة رجعوا إلى خالقهم واستغفروا الله وتابوا إليه من تلك الكبوة الطارئة، وَرَدَتْ صفاتُهم في أواخر سورة الفرقان، وهي صفات تظهرُ في سلوكهم وحياتهم وتعاملهم وأخلاقهم.

ومن أوصافهم تلك ما جاء في قوله جل وعلا عنهم: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ [الفرقان:68] . فنفى الله تعالى عنهم هذا الوصف، وبيَّنَ أنَّهم لا يعتدون على الأنفس البريئة، بل يحفظونها، ويبتعدون عن إيذائها، ولا يتعرضون لها بسوء أو ضرر، وهم حين يمتنعون عن ذلك إنما يسترشدون بالهدي الرباني والتوجيه الإلهي، فإن الله تعالى قد نهاهم عن ذلك وحذرهم منه وقال لهم: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] ، ثم أكد النهي بتكراره مرة أخرى، قال جل في علاه: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33] ، فبين الله تعالى أن القتل لا يكون ولا يحلّ إلا بالحق، وهو ما بينه المصطفى بقوله: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )متفق عليه، وورد عن عثمان أنه قال: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس فُيقتل بها ) )رواه أبو داود.

عباد الله، إن الاعتداء على النفس وإزهاقها بغير حق جريمة عظمى، وعدَّها كثيرٌ من العلماء أكبرَ الكبائر بعد الإشراك بالله تعالى، ولا أدل على بشاعة هذه الجناية وقبحِ ارتكابِها من أنَّ الجاني باعتدائه على النفس الإنسانية وقتلها بدون حق يتحمل إثمًا عظيمًا؛ إذ هو بفعله هذا كأنما اعتدى على أرواح الناس كلهم وسَفَكَ دماءهم، وقد بين الله تعالى ذلك في قصة ابني آدم، وأن القاتل قد باء بإثم جرمه الذي ارتكبه، قال جل شأنه: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة:32] .

إن جريمة القتل لا يمكن أن تُرتكب من مؤمن صادق الإيمان، ولا يتصور أن يحدث ذلك منه إلا أن يكون عن طريق الخطأ وعدم القصد، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً [النساء:92] . أما القتل العمد من المؤمن والترصد له وتحيّن الفرصة لإزهاق روحه فإن ذلك لا يحدث من مؤمن، وإن حدث فإن الله تعالى قد أعد أشد العذاب وتوعد بأليم العقاب لكل من خالف فاعتدى على نفسٍ مؤمنةٍ فأزهقها، قال جلّ وعلا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، وذلك كله تحذير للناس كلهم من الاعتداء على النفوس المؤمنة، إذ لها عند الله تعالى مكانة عظيمة ودرجة سامية كريمة.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله يطوف بالكعبة ويقول: (( ما أطيبك وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك؛ ماله ودمه ) )رواه ابن ماجه، وقال: (( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركًا أو يقتل مؤمنًا متعمدًا ) )رواه ابن حبان في صحيحه.

إن المسلم وهو يسمع هذا الوعيد الإلهي لمن قتل نفسًا بغير حق لينأى بنفسه عن الوقوع في ذلك، ويبتعد عن ارتكاب أي عملٍ من شأنه أن يكون سببًا في إزهاق نفس مؤمنة، وتظهر فظاعة هذه الجريمة وعِظمها بما يتحمله القاتل من الآثام والذنوب من مساواته بقتل البشرية كلها في الآية الواردة في ذكر قتل ابن آدم لأخيه، وما ذكره الله تعالى أنه من أجل تلك الفعلة الشنيعة كتب على بني إسرائيل ذلك الجزاء العظيم على أي قاتل منهم اعتدى على نفسه فقتلها بغير حق، وهذا الحكم يشمل من حصل منه ذلك الجرم العظيم ووقع فيه من هذه الأمة المحمدية فأزهق نفسًا منها؛ لأن نفوس بني إسرائيل ودماءهم ليست أعز ولا أكرم على الله من دماء هذه الأمة التي جعل الله لها الخيرية والأفضلية على سائر الأمم الأخرى، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] .

أمّةَ الإسلام، أمّةَ الأمنِ والإيمان، ولقد فُجِع كلُّ ذي دينٍ ومروءَة، بل كلّ ذي عقلٍ وإنسانيّة بالعمل الجبانِ الإجراميّ والفِعل التخريبيّ والتصرّف الأرعَن الإرهابيّ الذي حدَث مؤخّرًا في مدينة أبقيق، حفظها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين من عبث العبثين ، إنَّ ما حدث يُعدّ جريمةً شنعاء وفِعلة نكراء لا يُقِرّها دين ولا عقلٌ ولا منطقٌ ولا إنسانية، وهي بكلّ المقاييس أمرٌ محرَّم وفعلٌ إجرامي وتصرّف مرذولٌ مقبوح وعملٌ إرهابيّ مفضوح وسابقةٌ خطيرة ونازلةُ شرٍّ مستطيرة، فإنَّ كلّ عملٍ تخريبيّ يستهدِف الآمنين ويروّع المسلمين ويستنزف خيرات المسلمين مخالفٌ لشريعة ربّ العالمين.

وإذا كان هذا الحكمُ عامًّا في كلّ زمان ومكان فكيف إذا كان في بلاد الحرمين ومهبِط الوحي ومنبَع الرسالة ومَهد الإسلام والسلام ومعقِل السنة والقرآن وقِبلة المسلمين ومحطِّ أنظارهم ومهوى أفئدتهم، بل العُمق الدينيّ والعقديّ والبعد الإستراتيجيّ والثِقَل الدولي في الأمّة، بل في العالم أجمع؟! وكيف إذا كان المستهدَفون مسلمين معصومين وأبرياء غافلين مواطنين ومقيمين؟! إنه لأمر مؤلمٌ حقًّا ومؤسِفٌ صِدقًا، قتل للأبرياء وترويع للآمنين، واستهداف خطير لمقدّرات الأمة واقتصادها وإتلاف للممتلكات، لم يرحَم هؤلاء المجرِمون المخرِّبون أنفسهم ولا غيرهم، لم يراعوا أيَّ قِيَم دينيّة وأخلاقية، ولم يبالوا بشرعٍ ولا عقلٍ ولا إنسانية، فوا عجبًا لهم!

أين يذهب هؤلاء القتلةُ المجرِمون من قوله سبحانه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ؟! ألم تقرَع أسماعَهم نصوصُ الوعيد والتهديد والترهيب عن مِثل هذه الجرائم المروّعة التي هي قرينةُ الإشراك بالله، بل حتى في ترويع المسلم والإشارة إليه بالسلاح؟! أين هم من قوله عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) )، وقوله عليه الصلاة والسلام: (( أوّلُ ما يقضَى بين الناس في الدماء ) )، وقوله: (( لا يزال المسلم في فسحةٍ من دينه ما لم يصِب دمًا حرامًا ) (( لزوال الدنيا أهونُ عند الله مِن قتل رجل مسلم ) )خرجه الترمذي والنسائي وغيرهما؟! أين يذهب هؤلاء من شهادة أن لا إله إلا الله إذا جاءت تحاجُّهم يوم القيامة؟! كما في الصحيح من حديث أسامة رضي الله عنه، وفيه أن رسول الله قال له: (( أقتلتَه بعد أن قال: لا إله إلا الله؟! ) )وغضِب عليه الصلاة والسلام واحمرّ وجهُه كأنما تفقّأ فيه حبُّ الرّمّان وهو يقول لأسامة: (( أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟! ) )قال: يا رسول الله، إنما قالها تقيَّةً، أي: خوفًا من القتل، قال: (( أشققتَ عن قلبه؟! كيف تصنعُ ـ يا أسامة ـ بلا إله إلا الله إذا جاءت تحاجُّك يوم القيامة؟! ) )قال رضي الله عنه: فوددتُ أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ.

الله أكبر، هذا فهمُ الصحابة الأبرارِ والسلف الأخيار لحرمةِ الدماء المعصومةِ. فإلى الله المشتكى، إلى الله المشتكى من نابتةٍ أغرار وشِرذمة أشرار، حُدثاء الأسنان، سُفهاء الأحلام، ركبوا رؤوسَهم، ، فأحدثوا فِتنًا وفواجعَ وشرورًا.

وبكلّ مرارةٍ وأسى أنهم أبناؤنا بغَوا علينا، وشبابُنا خرجوا علينا، وخَرقوا سياجَ أمّتنا ووحدة بلادنا، كفى بهم لؤْمًا ودناءة أن ينشَؤوا على ترابها ويأكُلوا من خيراتها ثم يقلِبوا لها ظهرَ المجَنّ نسفًا وتدميرًا وتخريبًا وتفجيرًا. لقد بلغ السيلُ زُباه، وجاوَز الظلمُ والطغيان مداه، ووصل الأمر منتهاه، وأُميط اللّثام عن خفافيشِ الظلام، واتَّضح الأمر بجلاء عن هذا الفِكر الآحاديّ المنحرف. فيا ويحَ هؤلاء، ألا يفيقون؟! ألا يرجِعون ويرعَوون؟!

إخوةَ الإسلام، إخوةَ الإيمان، لقد وصل الإجرامُ ذروتَه باستهدافِ أهم صادرات البلاد وأهم اقتصادها, بل تجاوز ذلك الاعتداء إلى فئةٍ تسهَر لينام الناس، وتتعَب ليستريح سائرُ الأجناس، إنهم رجالُ أمننا وجنود بلادنا.

فيا رجال أمننا، هنيئًا لكم شرفُ خدمةِ دينكم وعقيدتكم وبلادكم ومقدّساتكم والذود عن حياضكم وأوطانكم ومقدّراتكم. رحم الله موتاكم، وكتبهم في عِداد الشهداءِ الأبرار، وبوّأهم منازلَ الصديقين والأخيار، وعجّل بشفاءِ مُصابيهم وجَرحاهم، ولا أرى البلادَ والعباد أيَّ سوء ومكروه، وحفِظ الله لبلادنا المباركةِ أمنها وإيمانها، فلن تزيدَها تلك الأعمال الإجراميّة بحول الله إلا تماسُكًا وثباتًا.

أيها الإخوة في الله، يجب على جميعِ أفراد المجتمَع أن يكونوا عيونًا ساهرةً في الحفاظ على أمنِ هذه البلاد والإبلاغ عن كلّ متورّطٍ أو داعمٍ لهذه الأعمال الإجراميّة والأفعال التخريبية، حفاظًا على سفينة المجتمع من قراصنة العُنف والإرهاب وسماسرة التخريب والإرعاب. لا بدّ من حراسة الأمن بكلّ صوَرِه، لا سيّما الأمن الفكريّ أمام الأفكار المنحرفة والتيّارات الضالّة، سواءً في جانب الغلوّ والعنف والفِكر التكفيريّ، أو التغريبيّ والعولميّ. وهنا يأتي دورُ البيت والأسرةِ والمسجد والمدرسة ووسائل الإعلام، حتى يسلَم العباد وتأمن البلاد.

حفِظ الله بلادَنا وبلادَ المسلمين من شرّ الأشرار وكيد الفجّار، وأدام علينا نعمةَ الأمن والأمان.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بهدي سيّد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت