فهرس الكتاب

الصفحة 3057 من 5777

وصف حال أهل الغربة

أديان وفرق ومذاهب, الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن, الفرقة الناجية

فهد بن حسن الغراب

الرياض

جامع شيخ الإسلام ابن تيمية

11-حال الإسلام أول أمره ثم عند وفاة الرسول. 2- أعظم الفتن فتنة الشهوات وفتنة الشبهات. 3- أثر فتنة الشبهات على المسلمين. 4- صفات أهل السنة. 5- معنى غربة الإسلام.

عباد الله، لما بُعث النبي ودعا الناس إلى الإسلام لم يستجب له في بادئ الأمر إلا الواحد بعد الواحد، وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته، يُؤذى غاية الأذى، ويساء إليه بشتى أنواع الإساءة، وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل.

وكان المسلمون إذ ذاك مُستضعفين، يطردون ويشرَّدون كل مشرد، ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية، كما هاجروا إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، وأظهر الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة.

ثم توفي رسول الله والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم أعمل الشيطان مكائده، وألقى بينهم بأسه، وأفشى فيهم فتنته، فتنة الشهوات والشبهات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا، حتى استحكمت مكيدة الشيطان، وأطاعه أكثر الخلق، وكل ذلك مما أخبر النبي بوقوعه.

فأما فتنة الشبهات فقد قال: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ) ). قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: (( من كان على ما أنا عليه وأصحابي ) ).

وأما فتنة الشهوات فقد قال عنها: (( كيف أنتم إذا فُتحت عليكم خزائن فارس والروم؟! أي قوم أنتم؟! ) )، فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما قال ربنا، فقال: (( أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ) )، وقال: (( والله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط لكم عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ).

ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب بكى رضي الله عنه وقال: (إن هذا لم يفتح على قوم إلا جُعِل بأسُهم بينهم) .

عباد الله، ولما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين، بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين؛ فإن فتنة الشهوات عمَّت غالب الخلق، فافتتنوا بالدنيا وزخرفها، وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون وبها يرضون ولها يعادون وعليها يوالون، فقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، واتبعوا أهواءهم.

وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرَّق أهل القبلة وصاروا شيعًا وأحزابا، وكفَّر بعضهم بعضًا، بعد أن كانوا إخوانًا، ولن ينجو من هذه الفرق إلا الفرقة الناجية، الذين قال فيهم: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ).

وهم ـ يا عباد الله ـ الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم: (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء ) )، قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: (( النُّزَّاع من القبائل ) )، وفي رواية: (( الذين يَصلحون إذا فسد الناس ) )، وفي رواية: (( الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي ) )، وفي رواية: (( الذين يفرون بدينهم من الفتن ) )، وفي رواية: (( هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) ). فرجع الأمر كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر.

قال الأوزاعي:"أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد منهم إلا الرجل الواحد"، وقال يونس بن عبيد:"ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها"، وروي عن الحسن رحمه الله أنه قال:"سنتكم ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ بين الغالي والجافي والمترف والجاهل، فاصبروا عليها، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس، الذين لم يأخذوا من أهل الإتراف إترافهم، ولا مع أهل البدع أهواءهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا"، ثم قال:"والله، لو أن رجلًا أدرك هذه النُكُرات، يقول هذا: هلم إليّ، ويقول هذا: هلم إليّ، فيقول: لا أريد إلا سنة محمد يطلبها ويسأل عنها، إن هذا ليقرض له أجر عظيم، فكذلك إن شاء الله فكونوا".

عباد الله، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيؤوا بنور السنة، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق) .

فالسنة تدل أهلها على المقصود الأعظم وهو معرفة الله تعالى، فيحبونه ويخافونه، حتى يسهل بذلك عليهم كل ما تعسر على غيرهم ممن وقف مع الدنيا وزهرتها واغتر بها؛ فلذلك استلانوا ما استوعر منه المترفون، فإن المترف الواقف مع شهوات الدنيا ولذاتها يصعب عليه تركها وشهواتها؛ لأنه لا عوض عنده عنها، فهو لا يصبر على تركها.

ومن صفات أهل السنة أنهم صحبوا الدنيا بأبدانهم وأرواحهم معلقة بالآخرة، فلم يتخذوا الدنيا وطنًا، ولا رضوا بها إقامة ومسكنًا، وإنما اتخذوها ممرًا، ولم يجعلوها مستقرا. قال لابن عمر: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ). قال الحسن:"المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن".

فأهل هذا الشأن هم الغرباء، غربة العلماء بين أهل الجهل والشقاق، غربة أهل الصلاح بين الفساق، وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق، وغربة أهل الآخرة بين أهل الدنيا، الذين سُلبوا الخشية والإشفاق، وغربة الزاهدين بين الراغبين في كل ما ينفد وليس بباق. فهؤلاء ـ عباد الله ـ هم أهل الغربة، وهم الفرّارون بدينهم من الفتن، وهم النّزّاع من القبائل.

ومن كلام أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله:"إني أدركت من الأزمنة زمانًا عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريبًا كما بدأ؛ إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونًا بحب الدنيا، يحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلًا في عبادته، صريع إبليس عدوه، قد صعد به إلى أعلى درجة العبادة وهو جاهل بأدناها، فكيف له بأعلاها؟! وسائر ذلك من الرعاع قبيح أعوج، وذئاب مختلعة، وسباع ضارية، وثعالب صائلة". فهذا وصف أهل زمانه، فكيف لو رأى ما حدث في زماننا من الدواهي والعظائم التي لم تخطر بباله، ولم تدر في خياله؟! علماء سوء، شيوخ شاشات، فتاوى قنوات، ومناصب راقيات، وشهادات عالميات، وأقوال منكرات. جعلوا في كل مسألة خلافًا، قتلوا التورّع، وجرّؤوا الناس على المشتبهات، (( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) )، يدّعون أن ذلك من سماحة الإسلام، وأنه من التيسير على الناس! ووافق ذلك هوى في قلوب بعض المسلمين، فأصبح كل جاهل يدعو إلى شبهته وهواه، وينسب ذلك إلى شيخ في قناة، وإذا ذكرت له الدليل الصحيح الصريح قال: لا تشدد في المسألة خلاف، وهل كل خلاف معتبر؟! انظر إلى دليل المخالف تجده قولًا شاذًا، لا يسنده دليل صحيح، وانظر إلى المخالف نفسه تراه متلبسًا بمخالفة ظاهرة للسنة، في لباسه ومظهره، بل قد يكون من أهل البدع،"وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".

فهل عقمت ديارنا؟! وهل انقرض علماؤنا وقد عرفوا بالعلم والورع وتميزوا باتباع السنة؟!

فيا أمة انهمكت في القنوات، وتبعت الشهوات، وراجت عليها الشبهات، عباد جهالات، عبادات باطلات، وأفعال محدثات، للشيطان فيها نزغات، ولإخوانه صولات وجولات. أكلٌ للحرام وقطع للأرحام، صد عن سبيل الله وغفلة عن مراقبة الله إلا من رحم الله وقليل ما هم. أما لكم من تجارب الآخرين مزدجر؟! انظروا إلى من حولكم من المجتمعات، أليس لكم فيهم معتبر؟! دعوا بُنيات الطريق، وعليكم بسفينة النجاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت