سيرة وتاريخ
تراجم
أسامة بن سعيد عمر منسي المالكي
مكة المكرمة
أبو العلا
1-دعوة أبي بكر قريشًا إلى الإسلام. 2- رسوخ إيمان أبي بكر &. 3- ثبات أبي بكر عند وفاة الرسول. 4- دروس مستفادة من حياة أبي بكر &.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله الذي لا تخفى عليه خافية، ولتكن التقوى لباسكم.
هذا، وقد كنت حدثتكم في الخطبة الماضية عن أحداث إسلام سيدنا أبي بكر الصديق، وفي يومنا هذا أتمم لكم الحديث عن الصديق.
أسلم أبو بكر الرجل الذي اصطفاه الله ليكون لرسوله الصديق وثاني اثنين وغَدًا يكون الخليفة، أسلم الرجل الذي وإن لم يكن نبيًا فإنه سيكمل دور النبي، وفي زيارته التالية لرسول الله لم يكن وحده، بل كان معه وفي صحبته خمسة من أشرف قريش، أقنعهم أبو بكر بالإسلام فجاؤوا يبايعون الرسول، أولئك هم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله. أجل، هؤلاء الخمسة الأعلام مرة واحدة، وكانت هذه أولى بركات أبي بكر. فعما قليل تنمو صفوف المقبلين على الإسلام، وسيقبل الناس بعضهم على بعض قائلين: محمد وأبو بكر. والله لا يجتمع مثلهما على ضلالة أبدًا.
ومهمة أبي بكر تتلخّص في أن يجعل من حياته كلها درعًا يحمي به الدعوة والداعي؛ الدين والرسول، وحين يوفق في مهمته هذه فتلك عنده هي الحظوظ الوافية التي يرجوها، وينتشي حبورًا بها، ويحس كلّما تزيدت أهوالها وأخطارها أنه أعظم أهل الأرض حظًا وأوفاهم سعادة وغُنمًا.
أيها المؤمنون، إن إيمان الصديق إيمان فريد من نوعه، إذًا فمن أي طراز كان إيمانه؟
إن مواقفه العظيمة في الإسلام تشهد برسوخه في إيمانه، بل إن إيمانه يعدل إيمان الأمة، كما وردت بذلك الأحاديث. ومن مواقفه العظيمة يوم بدر وقد جاءت قريش بحدها وحديدها وصناديدها وكبريائها وبأسها، ونزلت عند العُدوة القصوى من الوادي، وخرج المسلمون مع رسول الله وعِدَّتهم يومئذ ثلاثمائة، لا يملكون من سلاح المقاومة إلا نَزْرا يسيرا، والتقى الجمعان، وتتلظى أرض المعركة فجأة ورسول الله جالس في عريشه، حيث توسل إليه أصحابه أن لا يغادر خيمته مهما تدور رحى الحرب، وأبو بكر معه، بَصُر رسول الله بالمعركة المحتدمة الحافلة، ورأى أصحابه وهم قليلون، يكادون يذوبون وسط الخضم الوثنيّ المجنون، وكلما رأى شهيدًا يسقط طار معه قلبه حنانًا وأسى، وبلغ القتال ذروته الفاصلة، ولم يعد يسمع إلا صليل سيوف متوهجة تعزف لحن الموت والدم، وأحسّ الرسول أن كل مقدرات الدين قد صارت في الكفة المرجوحة، لا الكفة الراجحة، وخرج من خيمته باسطًا إلى السماء ذراعيه مثل شراعي سفينة دهمها موج عنيد عتيد، وراح يناجي ربه في ابتهالات عالية: (( اللهم إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبد في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني ) )، وتوالت ابتهالاته، وبحت نبراته، وفاضت عبراته، وسقط رداؤه من فوق منكبه.
وهنا اقترب أبو بكر في هدوء، فرفع رداء الرسول ، وأعاده إلى مكانه فوق المنكبين اللتين كانتا آنئذ تحملان أعظم أعباء الحياة، وفي كلمات متوسلة قال أبو بكر: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
عباد الله، لم يكن الرسول في شك من نصر الله القريب، فقبيل المعركة قال لأصحابه: (( إن الله وعدني النصر ) )، وقال لهم: (( إني أرى مصارع القوم ) )، ولكن مسؤولية المباشرة عن أصحابه وعن الدين الذي يواجه أول معركة مع خصومه عكست على مشاعره حماس المعركة وقلقها.
أيها المؤمنون، ومن شاء أن يرى إيمان أبي بكر في أحفل ساعاته، من شاء أن يرى الإيمان العُلْوىَّ الموصولَ بقيُّوم السموات والأرض فلْيَرَ هذا الإيمان يوم دعي الرسول إلى الرفيق الأعلى، فأجاب داعي الله إلى الدار الآخرة والقرب من الرحمن وسكنى أعلى الجنان، يومَ تلفَّت المسلمون فجأة، فلم يروا بينهم الحبيب المصطفى والأب الرحيم الذي كان يملأ جوانحهم حنانًا والنور الذي كان يملأ وجودهم ضياء، يومئذ تكشَّف جوهر الإيمان؛ إيمان رجل صِدِّيق، أعطى الله موثقه مع رسول الله ، فإذا انتقل رسول الله بالموت فإن هذا الإيمان لا يضعف بل يتفوَّق، ولا يجزع بل يَحْتَشِد ويتجمع، ولا يَنُوء ويثقل كاهله تحت وقع الضربة بل ينهض أيِّدًا صامدًا رشيدًا ثابتًا، ليحمل مسؤولياته وتبعاته.
وهكذا وقف أبو بكر أو بتعبير أدق: وقف إيمان أبي بكر يوم وفاة الرسول وقفة ما كان يقدر عليها سواه. يومئذ وبعد أن صلى أبو بكر بالمسلمين عاد الرسول في حجرته واستأذن أبو بكر رسول الله في أن يغيب عنه بعض الوقت، وذهب أبو بكر إلى داره بالعالية في أقصى المدينة، ومضى وقت ليس بالطويل قضى فيه بعض حاجات أهله، وإذا هو يتهيأ للعودة إلى رسول الله ، وإذا الناعي يقطع الأرض إليه وثبًا، ويلقي عليه النبأ الذي تخر له الجبال هدًا. حمد واسترجع، واختلطت دموعه الهاطلة بكلماته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وسار نحو بيت رسول الله ، رابطَ الجأش قويّ الجَلَد، ولم يكد يقترب من المسجد حتى رأى الفاجعة الكبرى. لقد فقد المسلمون صوابهم حتى ابن الخطاب القويَّ الراسخ وقف بين الناس شاهرًا سيفه صائحًا: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله مات، وإنه ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، والله ليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال زعموا أنه مات، ألا لا أسمع أحدًا يقول: إن رسول الله مات إلا فلقتُ هامته بسيفي هذا. تلك كانت حال عمر، فكيف كان حال سواه؟!
لقد كان موت رسول الله فاجعة عظيمة للمسلمين على الرغم من سابق مرضه ، كأنهم ما تصوّروا أبدًا أن يقال لهم ذات يوم: مات الرسول. فلما أنفذ الله أمره واختار لجواره رسولَه وكتب على الناس أن يسمعوا في لجج من الهول والأسى كلمة الموت مقترنة بكلمة الرسول طار منهم صوابهم.
ولقد كان أبو بكر أحقَّ الناس بأكبر قدرٍ من الأسى والذهول والكمد على حبيبه؛ فهو صَدِيق العمر لمحمد منذ طفولة الحياة وشبابها، وهو صِدِّيقُه منذ أول أيام الوحي والدين، وهو قد أحبه حبًا وآخاه مؤاخاةً تجعل الصبر على فراقه فوق طاقات البشر، لكن أبا بكر كان يبدو كأنه لا تحركه طاقات بشرية، بل قوًى إيمانية، فتنزلت على قلبه سكينة عظيمة كما تنزلت عليه يوم الغار السكينة.
ولْندعْ شاهد عيان يصف لنا ثبات أبي بكر عند الصدمة الأولى: أقبل أبو بكر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء، ودخل على رسول الله وهو مسجًّى في ناجية البيت، عليه بُردُ حَبِرة، فكشف عن وجهه، ثم قبله وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا، إن الموتة التي كتبها الله عليك قد مِتَّها. ثم خرج وعمر يكلم الناس فدعاه للسكوت، فأبى عمر إلا أن يسترسل في قوله، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس يكلمهم، فلما سمعوه أقبلوا عليه منصتين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قول الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ?لرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ?نقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى? عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ?للَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى ?للَّهُ ?لشَّـ?كِرِينَ [آل عمران:144] . فوالله، لكأن الناس يسمعون هذه الآية لأول مرة، أما عمر فقد وقع على الأرض حين علم من كلمات أبي بكر أنه الموت حقًا.
أفي هذه اللحظات الذاهلة والفاجعة المزلزلة يكون مثل هذا الثبات؟! (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) . إنها كلمات توصي بالصبر، وتمنح العزاء لمن حضروا ذلك اليوم وللأمة كلِّها بعد رسول الله. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) )رواه الدارمي (85) .
ولقد أحسن أبو العتاهية رحمه الله في نظمه موافقا لهذا الحديث حيث يقول:
اصبِر لكلِّ مصيبةٍ وتَجلَّد واعلم بأنَّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ
أَوَما ترى أنَّ المصائبَ جمةٌ وترى الْمنييةَ للعبادِ بِمرصدِ
من لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبةٍ هذا سبيلٌ لستَ عنه بأوحدِ
فإذا ذكرت محمّدًا ومصابَه فاجعلْ مصابَك بالنبيِّ محمدِ
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، حمِد في الكتاب نفسه، واستفتح بالحمد كتابه، ورضي بالحمد من عباده دليلًا على شكره، فلك الحمد ـ يا ربنا ـ حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المؤمنون، لقد عشنا لحظات مع أبي بكر وإيمانه بالله، فلنتخذ من هذا الإيمان مشعلًا، ولنستفد من مناقبه دروسًا في حب الله ورسوله وكيف يكون هذا الحب والإيمان، ودروسًا في التقوى، ودروسًا في الصبر، ودروسًا في الثبات، ودروسًا في الحلم والأناة، ودروسًا في الزهد والورع وترك الحرام والبعد عن الشبهات، ودروسًا في الاهتمام بأمر المسلمين وخدمة الدين وتعليمه للناس، وليكن الفرد منا مقتديًا بالصحابة الكرام قدر وسعه وطاقته، الذين قال الله في حقهم: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?للَّهِ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّنَ ?للَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَـ?هُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ?لسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ?لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى ?لإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَ?سْتَغْلَظَ فَ?سْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ ?لزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ?لْكُفَّارَ وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] ، وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: (( إِنِّي لا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي ) )وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رواه الترمذي (3663) .